مِحنة باقر ألصّـــدر ألحقيقيّــة: (تالي ألليل تسمع حِسّ ألعياط)

(تالي الليل تسمع حِسِّ ألعياط) مَثَلٌ عراقيّ قديم طالما كرّرهُ والدي رحمه الله أثناء حياته حين كان الحديث يدور حول السياسة و الحكام و الوضع الأجتماعيّ والأقتصادي في العراق حيث كان(رحمه) يختم بآلقول: [تالي الليل تسمع حِسّ ألعياط], و لأني كنت صغيراً في الأبتدائية كان دركي كما أكثر الجالسين إلّا الواعيين ربّما؛ بأنّ المعني من ذكر ذلك (ألمَثَل) يَخصّ العائلة التي تُسرق ليلاً ثمّ ينتبه الناس صباحاً على صياح و عويل العائلة المسروقة بعد كشفهم لأمر ألسّرقة, هذا كان تفسيرنا البسيط الذي كما كنا نفهمه و لم يكن خاطئاً بآلمنسبة لكن القصد بآلنسبة للوالد كان شيئا آخر و أكبر, لكنه لم يُوضّح لنا يوماً المعاني الخفيّة للمّثل و القصد منه .. و حين كبرت كشفت مسائل آخرى من ورائها, و كان رحمه الله لا يزال يُكرّر ذلك حتى بعد إستحكام الحصار الأمريكي خلال التسعينات مع الحصار الصدامي على العراق أصلا ثم بعد سقوطه, لكنه أعقب على ذلك المَثل بإضافة تعليق آخر مفاده:
[إن شعباً لا يفهم حتى مضارب الأمثال وغاياته إلا بعد مرور الأجيال و خراب البلاد و العابد؛ لا يستحق غير هذه الحكومات الفاسدة التي تتسلط برضى الناس كلّ مرة بسبب تغلغل الجهل بينهم وبين أوساط المتعلمين والاكاديمين ومَنْ يُسمّون أنفسهم بعلماء الدِّين]!
و قد أكّد مضمون هذا القول أيضا بآلمناسبة؛ الفيلسوف الفرنسي (روحيه أو رجاء غارودي), حين مُنِعَ من قبل الحكومة و الشعب زيارة الشهيد محمد باقر الصدر, قائلاً؛ [لم أرَ شعباً أجهل من الشعب العراقي الذي يدّعي بأنهُ صاحب تأريخ و دين؟].

لقد لاقى الصدر الأول و لا يزال؛ الكثير من الظلم و آلأجحاف من المقربين و المثقفين قبل البعيدين و البعثيين بسبب ركونهم للدّنيا و آلتمسك بدين قشري يُؤكد على دراسة مسأئل فقهية أياماً و شهوراً و ربما سنوات لفهمها؛ بينما لا يُحرّك ساكناً على مظلومية أنسان أو حتى قتله و سجنه و إبعاده عن وطنه, و لهذا إنتشر الظلم و الفساد و النهب في العراق رويدا ًرويداً سواءاً في زمن النظام الصدامي أو في زمن ألمتأسلمين في الأحزاب الأسلامية و الوطنية و القومية وكأنهم يريدون شرعنة الظلم و الفساد كما كان بهدر و تكرار قتل الشهداء وفي مقدمتهم باقر الصدر لأجل الأموال و الرواتب بعيداً عن نهج الحقّ والدفاع عن المظلومين لأنها تؤثر على مصالحهم الدنيوية!!

لذلك كله ندم الشهيد المظلوم محمد باقر الصدر في أواخر أيامه بحسب ما نقله الشيخ النعماني الذي كان محاصراً معه, ثم أورد قوله في كتابه حول حصار الصدر قائلاً: [خطئي الوحيد هو إنني إنشغلتُ و صرفت عمري بآلتدريس و البحث و آلفقه و الفلسفة لأجل توعيه العلماء و المثقفين الذين يبدو أنهم ما تعلموا شيئا؛ لأنهم خذلوني و لم يفعلوا المطلوب و نسيتُ للأسف هذه الشريحة ألشابة ألشُّجاعة(في إشارة إلى هؤلاء الشباب الذين تبيّن لي أنهم أكثر رجولة و غيرة على الحق و الأنسانية و المظلومين بآلقياس مع أؤلئك العلماء و الطلبة و المثقفين الذين صرفت عمري لأجلهم)(1), حيث هجموا أي (الشباب الشقاوات) كما يسمونهم بآلمصطلح العراقي – على أفراد الأمن الذين كانوا يُحاصرون بيت الشهيد ليل نهار] وأضاف الشهيد الفيلسوف لذلك بالقول: [لو كتبَ الله لي البقاء هذه المرة فأنّ أوّل عمل أقوم به هو الأهتمام بهؤلاء الشباب الذين تركتهم و تركهم المجتمع للأسف, فهم وحدهم قد يغيّروا آلأحوال في العراق]!

و لهذا فأن العراق لا يمكن أن يتخلص من الفساد ويستقيم أمره ما دام الشعب لا يفهم أبسط حقوقه وتكاليفه ولا يعي أبسط أموره و فوقهم الطبقة (المثقفة) لأنها تَركتْ الحق وآمنت بدين قشري تقليدي خليط بآلحلال والحرام والصح و الخطأ و تقديم المهم على الأهم والمسائل الشخصية على العامة و الوطن و قلب موازين العمل الصالح .. ووو من دون أن يعلموا .. لأنهم – اىّ ” أنصاف المثقفين” و “دُّعاة السلطة اليوم” بشكل خاصّ أعداء الفكر و الثقافة و الفلسفة و من يحمل الفكر و آلفلسفة, بدليل أن معظم الدّعاة لم يُعينوا الصدر بآلأمس و لا من تصدى للفكر والفلسفة اليوم .. بل لم يقرؤا حتى و لا كتاباً واحدا بشكل جيد و بوعي و فهم من كتب الصدر الأول أو أي كتاب أو موضوع فكري و فلسفي, ناهيك عن المعارف و الاسرار التي كتبناها بآلدّم و الدموع!
بل وصل الحال بهم لأن يُعادوا و يتهموا و ينبذوا طلابه الحقيقيين, و كما حدثَ لي أنا و للسيد آلهاشمي و الآصفي و الحائري كمصداق على ذلك, لهذا محنة الصدر الحقيقيّة لم تكن من الأعداء بقدر ما كان من الأصدقاء و المُدّعين (المنافقين) لنهجه, فصدام اللعين كان آخرهم حين حاصره ثمّ أعدمه بعد ما تُرك – بل تركوه – لوحده في الدار كما حدث مع مسلم بن عقيل و الحسين(ع) على نفس تلك الأرض الغير المقدسة ولذلك ستستمر (تالي الليل تسمع حسّ العياط) لمعادة الفكر وتجذّر الفساد في القلوب وبيع الأوطان وآلأنسان.
Azez Alkazragyعزيـز حميد ألخـزرجيّ
A cosmic philosopherفيلسوف كـونيّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم يذكر هذا النص في كتابه بآلضبط , لكنه ذكر آلمضمون , ربما مُراعاتاً للذوق العام و الخاص.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close