15 عاماً على سقوط صدام ولا يزال العراق جسداً واهناً ينخره الفساد وترهقه الطائفية

كانت الدبابات الأمريكية تصول وتجول في شوارع العاصمة العراقية بغداد بعد ساعات قليلة من تصريحات وزير الإعلام في نظام صدام حسين، محمد سعيد الصحاف، التي كان يقول فيها عباراته الشهير، مثلَ: “العلوج الأمريكان يروجون الأكاذيب، بغداد لن تسقط أبداً”، وذلك قبل 15 عاماً.

انتشار المدرعات والجنود الأمريكيين المدججين بالأسلحة في بغداد كان بمثابة إعلان رسمي عن سقوط بغداد، وسقوط العراق بالكامل، ونهاية عهد نظام صدام حسين، ولكن، إلى أين وصل العراق بعد مرور 15 عاماً على ذلك الحدث المفصلي في تاريخ العراق المعاصر.

التبعية لدول الجوار

يقول السياسي العراقي، مثال الآلوسي، إنه “لا يختلف اثنان على خطر صدام حسين على شعبه، إذ قتل السنة والشيعة والكورد، وحتى من أفراد عائلته، لقد كان مجرماً ارتكب أبشع الجرائم بحق الإنسانية”.

ويضيف آلوسي، أنه “ولا يختلف اثنان على أن النظام السياسي في العراق بعد 2003 أصبح من أرقى الأنطمة الديمقراطية في العالم، ولكن من يطبق الديمقراطية هم من أفشل الساسة، حيث الفساد المالي والتبعية لدول الجوار”.

مؤكداً أن “الشعب العراقي يستحق المدنية والتحضر ولغة البناء والارتقاء، ولكن لا يوجد اثنان في العراق لا يحيطهم القلق من قدرة الإسلاميين على التزوير والكذب والخداع، كما لا يعلم الشعب العراقي ماذا سيجري بعد الانتخابات القادمة، أما الحاكم الأول في بغداد، فهو الباب العالي في طهران ومن يدورون في فلكه”.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أشار آلوسي إلى أن “البداية في 2003 كانت جيدة جداً بدعم أمريكي من خلال تصفير الديون العراقية، ولكن شعوذة الأحزاب الإسلامية وتبعيتها لدول الجوار، وإرضاءً لنزوات الباب العالي الإيراني وخضوعاً للجنرال قاسم سليماني، عاد العراق مديوناً بأضخم الديون التي عرفتها المنطقة”.

لافتاً إلى أن “البنية الاقتصادية أصبحت مدمرة، وكل ذلك لإرضاء شركات تعمل من خلال صفقات مالية مشبوهة، فعلى سبيل المثال: العراق يصدر الكهرباء من إيران بتكلفة تفوق تكلفة إنتاجه محلياً، حيث تدفع الحكومة العراقية قرابة مليار و200 مليون دولار لدعم النظام الإيراني من خلال شراء الكهرباء، وعليه فإن الاقتصاد العراقي أسير الأوامر التي تصل الحكومة من هذا وذاك”.

الكورد يجنون ثمار ثوراتهم

كان سقوط نظام صدام حسين، الذي شهد الشعب الكوردي في ظله أبشع أنواع الجرائم في العصر الحديث، وصلت إلى حدِّ استخدام الأسلحة الكيماوية ودفن مئات الآلاف من الكورد في مقابر جماعية وهم أحياء، فضلاً عن حرق آلاف القرى الكوردية، بمثابة بارقة أملٍ للكورد على وجه الخصوص، والذين بدأوا يتطلعون لبناء دولةٍ قائمةٍ على أسس ديمقراطية تُحترم فيها حقوق وخصوصية كافة مكونات المجتمع دون تمييز، بعد حقبةٍ مظلمةٍ طويلةٍ من الديكتاتورية والقمع والتنكيل والتمييز العرقي”.

وفي هذا الإطار، يقول الأكاديمي الكوردي، د. خليل إسماعيل محمد، إن “ما حدث في 2003 كان مرحلة مهمة في تاريخ العراق الحديث، حيث استطاع الشعب العراقي بدعم من التحالف الدولي الخلاص من الكابوس المظلم الذي خيم على العراق فترة طويلة من الزمن امتدت لأربعة عقود، وفتح العراق صفحة جديدة على أمل أن يكون هناك نظام ديمقراطي فيدرالي جديد، إلا أن الأحداث التالية أظهرت صراعات مدمرة طيلة السنوات التي تلت 2003، وكان للتدخلات الدولية والإقليمية دور كبير في تشظي التجمعات والأحزاب السياسية التي كان الشعب العراقي يأمل من خلالها بقيام دولةٍ تتمتع بالصفات التي ذكرناها”.

ويوضح محمد، أن “الشعب الكوردي الذي كان يتمتع بشبه استقلال بعد انتقاضة عام 1991، رأى الطريق ممهداً لبناء دولة جديدة بالتعاون مع أشقائه العرب على أساس الديمقراطية، ومع تصاعد الأحداث وتنامي الصراعات، بدأ هذا الحلم الجميل يخبو يوماً بعد يوم، وهكذا ظهرت الأحداث المتسارعة التي أدت إلى تقسيم العراق فعلياً، وبروز الطائفية المقيتة التي بددت آمال العراقيين وأحلامهم بقيام الدولة العراقية الجديدة”.

كما تحدث الأكاديمي الكوردي عن الجانب الاقتصادي، بالقول: “يلاحظ المتابعون أن الجانب الاقتصادي لم يكن أفضل من مثيله السياسي، حيث بقيت البنى التحتية التي تهدمت أثناء حرب 2003 دون إصلاح يذكر، كما أن واردات العراق بدلاً من أن توظف لبناء عراق جديد، تم توزيعها بين الحاكمين على هذا البلد، لذلك استمر العراق يعاني فساداً إدارياً واقتصادياً حتى يومنا هذا”.

منوهاً بأن “الشعب الكوردي بشكل خاص، وفي ظل ما قدمه من تضحيات سواء قبل 2003 لبناء أسس دولة فيدرالية ديمقراطية، أو بعد 2003 حيث قدم آلاف الشهداء على طريق الحرية وتحقيق حلم الدولة الكوردية، يأمل في قادم الأيام بأن تتحقق هذه الأمنية بسواعد أبنائه في المستقبل القريب، أسوة بالشعوب الأخرى في المنطقة والعالم”.

استشراء الفساد وتدهور الاقتصاد

يرى خبراء في الشؤون الاقتصادية أن الاقتصاد العراقي تراجع على نحو مخيف بعد عام 2003، حيث ارتفاع معدلات البطالة والفقر، والبنية التحتية الهشة، فضلاً عن أن الفساد ينخر في جسد الدولة العراقية.

ويقول الخبير الاقتصادي العراقي، عبدالرحمن المشهداني، إنه “قبل 2003 كانت هناك دولة اسمها العراق، ورغم الحصار والإجراءات المفروضة، كان لها صوت في المحيط العربي والدولي، ورغم الحصار كانت بنية الدولة مؤسساتية محكومة بتراتبية يحكمها القانون، أما اليوم، فقد افتقدنا لهيكلية هذه المؤسسات، في ظل غياب القانون وتسنم أشخاص خير مختصين بالاقتصاد لقيادة الملفات الاقتصادية، وهذا الأمر أدى إلى استشراء الفساد بشكل مرعب، ففي عام 2005 كان العراق يحتل المرتبة 134 في ترتيب منظمة الشفافية العالمية المتعلق بسلم الشفافية، أما اليوم فقد أصبح ترتيب العراق ضمن آخر 5 دول على مستوى العالم”.

ويضيف المشهداني، أن “الدولة كانت قادرة على إعادة بناء البنى التحتية، ففي ظل الحصار الشديد قبل عام 2003، شيدت الدولة الجسور والطرق، وأمنت الكهرباء والمياه ضمن الموارد الذاتية المحدودة، أما اليوم، فرغم توفر الأموال الضخمة جراء ارتفاع عائدات النفط، فلم نستطع بناء جسر أو مستشفى واحد، ويحضرني هنا قول للمقارنة عند إعدام الرئيس الروماني الأسبق، نيكولاي تشاوتشيسكو، عام 1989، حيث قال لمن أعدموه: (أنتم ستعدمونني، ولكنني واثق من أنكم لن تستطيعوا صبغ مباني بوخاريست)، وهذا الكلام ينطبق على العاصمة بغداد، حيث لم تستطع الحكومة العراقية صبغ المباني في شارع حيفا ببغداد، لا أن تبني مجمعات سكنية”.

مؤكداً على أن “الوضع الاقتصادي تراجع كثيراً وارتفعت معدلات البطالة إلى أكثر من 30%، كما تزايدت معدلات الفقر إلى أكثر من 34%، وارتفعت معدلات الأمية في صفوف الشباب إلى أكثر من 25%، فضلاً عن وجود شحٍّ في عدد المدارس، ففي عام 2004 كنا نحتاج إلى 3000 مدرسة في العراق، أما اليوم فنحن بحاجة إلى 15000 مدرسة، كما كنا بحاجة إلى مليونين ونصف المليون وحدة سكنية، أما اليوم فنحن بحاجة إلى 3 ملايين ونصف المليون وحدة سكنية”.

واستطرد المشهداني بالقول إن “القطاع الزراعي كان يساهم بـ8% من الناتج المحلي عام 2002، أما اليوم فقد تراجع إلى 1.5% من الناتج المحلي عام 2018، كما تراجع القطاع الصناعي من 16% إلى 2.5%”.

واختتم الخبير الاقتصادي العراقي بالإشارة إلى “ازدياد عسكرة المجتمع، فاليوم نتحدث عن مليونين ونصف المليون عسكري من مختلف الوحدات العسكرية بمسمياتها المتنوعة، وهذا يعني أن كل 30 شخص لديهم فرد واحد للحماية، وهو غير قادر على حمايتهم”.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close