حرب في أرض الفيروز[4-3]…رعب عند كمائن الجيش في سيناء

يبدي الشيخ عارف أبو عكر، أحد وجهاء قبيلة السواركة السيناوية، أسفه لإيقاف قوات الجيش المتمركزة في الحواجز الأمنية والعسكرية (أو الكمائن كما يطلق عليها المصريون) المستحدثة شمالي سيناء لأبناء ومشايخ القبائل الذين لا يُحترمون، حتى وصل الأمر إلى احتجاز 50 من عائلة واحدة من أبناء قبيلته على كمين “بوابة الشيخ زويد” أثناء عودتهم من عزاء إلى منطقتهم بحي العكور، ما يفاقم التوتر في سيناء التي يعاني أهلها بسبب الإرهاب المتفشي، مضيفا “قبل هذه الواقعة اعتقلوا رجلًا سبعينياً عند كمين “جراده” غربي المدينة، ما أدى إلى تعرضه لمضاعفات مرض السكر، مضيفا أنهم أطلقوا سراحه، بعد أن ساءت حالته وأشرف على الموت”.

ويعد كمين الريسة الواقع شرقي مدينة العريش من أسوأ الكمائن التي تمنع مرور الأطعمة والخضراوات، وتحتجز سيارات البضائع المحملة بالأغذية والأدوية والمواد الزراعية من دون سبب، بحسب ما ورد في شهادات الأهالي التي وثقها معد التحقيق، ويؤكد الأهالي إبلاغهم البرلماني إبراهيم أبو شعيرة عضو مجلس النواب عن دائرة الشيخ زويد ورفح بما يحدث معهم، غير أن السلطات لم تستجب لتدخلاته رغم محاولات التنسيق المسبق مع القوات المسلحة كما يقول الخمسيني السيناوي إسماعيل محمد.

قتلى في الكمائن

في 21 مارس/آذار 2018 قُتل الطفلان محمد عز الدين العوابدة (11 عاما)، وعبد الله محمد عامر (9 سنوات) برصاص قوات الجيش بعد إطلاق الرصاص بشكل عشوائي لتفريق مواطنين تجمعوا بجوار كمين الماسورة غرب رفح لاستلام 4 كغ من الدقيق توزعها قوات الجيش على أهالي المنطقة للمرة الأولى منذ انطلاق عملية المجابهة الشاملة في 9 من فبراير/شباط الماضي بحسب تأكيد المواطن محمد حسين أبو حلو لـ”العربي الجديد”.

وباتت الكمائن المنتشرة على الطرق الرئيسية والداخلية الفرعية في مدن الشيخ زويد ورفح والعريش بؤرة معاناة كبيرة للسكان من نساء وأطفال وشيوخ، إذ يتعرضون عبرها لشتى أنواع الانتهاكات من قتل بسبب الرصاص العشوائي، أو الاعتقال بحسب مكان الإقامة، بحسب تأكيد إسماعيل الرياشي، أحد أبناء مدينة الشيخ زويد لـ”العربي الجديد” مشيرا إلى أن المواطنين يعانون أصلا من مسلحي تنظيم “داعش” الذين ينافسون الجيش في نصب الكمائن المتزايدة، وهو ما تؤيده الطالبة بكلية طب الأسنان بجامعة سيناء، هلا حماد، التي تقيم بحي المساعيد في العريش والذي يبعد قرابة 800 متر عن مقر الجامعة إذ تؤكد وجود 6 كمائن أمنية في هذه المسافة القصيرة، قائلة لـ”العربي الجديد”: “نظرا لأنها مسافة قصيرة أمشيها مع زميلاتي بصفة يومية، وغالبا ما يتم إطلاق النار بصورة غير مبررة، ما تسبب في إصابة الطالبة ميريت سلامة بشظايا طلقة نارية ارتدت من عمود الكهرباء وأصابتها في وجهها إصابة بالغة”، الأمر ذاته يعاني منه إيهاب البلك الذي يقع منزله على جانب الطريق الساحلي بمدينة العريش، بالقرب من كمين “كنتاكي” كما يقول، مضيفا لـ”العربي الجديد” أنهم لا يستطيعون النوم ليلا بسبب أصوات النيران المفزعة التي تطلقها قوات الكمين بصورة لا تنقطع طوال الليل، وكثيرا ما سكنت الطلقات جدران منزلهم، وبعضها حطمت زجاج نوافذه، ما أصاب أطفالهم بالتبول اللاإرادي، نتيجة شعورهم بالهلع والرعب، ونهارا يخضعون لتفتيش دقيق يوميا خلال عودتهم إلى ديارهم.

18 كميناً على طريق واحد

ازداد عدد الكمائن الثابتة والحواجز الأمنية بكثافة كبيرة على الطريق الرئيسي من مدينة العريش شرقا، وحتى كمين بالوظة غربا، بحسب تأكيد مدحت عياد سائق سيارة أجرة، والذي قال لـ”العربي الجديد”:” يتعين على المارّ أن يعبر 18 كميناً وحاجزاً أمنياً للوصول إلى قناة السويس، ما يجعل المسافة التي كنا نقطعها في السابق خلال 4 ساعات تصل لقرابة 16 ساعة وأحيانا نبيت عند كمائن رابعة والميدان بالوظة لشدة الازدحام، وبطء إجراءات التفتيش بصورة متعمدة”، وهو ما يؤكده المحامي محمد مقبول بالقول إن الانتظار لساعات طويلة أمام الكمائن المنتشرة على طول الطريق الدولي “العريش – القنطرة” يعد عبئاً جديداً على المواطنين ويمثل خطرا على أرواح الناس لقيام العساكر بإطلاق النيران على فترات متقطعة ودون أي داع سوى الاستعراض وتخويف الناس المنتظرين داخل السيارات أمام الكمائن من الاتجاهين، موضحا أن إحدى الطلقات اخترقت زجاج سيارته الجانبي بينما كانت ابنته تجلس في المقعد الخلفي وأنقذتها العناية الإلهية من موت محقق.

وبانفعال شديد قال التاجر فتحي سمري لـ”العربي الجديد”:” الكمائن تسبب خسائر اقتصادية كبيرة للتجار، لأنها باتت أهم أسباب عزوف أصحاب سيارات البضائع من محافظات مصر المختلفة عن القدوم إلى سيناء، مشيرا إلى أن مخاطر إطلاق النار والانتظار والتعنت على الكمائن بشكل مبالغ فيه يقلق السائقين ويجعلهم لا يرغبون في العودة لسيناء مرة أخرى.

العقاب الجماعي

ينبغي التفريق بين مكافحة الإرهاب، وسياسة العقاب الجماعي التي يتعرض لها المدنيين في سيناء، كما يقول الباحث في شؤون القبائل ومدير التنمية البشرية بجمعية “الجورة” لتنمية المجتمع بمدينة الشيخ زويد الدكتور خالد سواركة، مضيفاً “الحلول الأمنية بمفردها لا تستطع القضاء على الإرهاب”.

ويفترض ألا تعمل سياسات مكافحة التمرد المسلح على تحويل المدنيين إلى أعداء، حتى لا يتعقد الصراع على الأرض، بحسب الدكتور سواركه، وهو ما يؤكده عضو مجلس النواب المستقل رحمي بكير، مشيرا إلى أن بعض الإجراءات الأمنية تؤدي إلى مضاعفة معاناة المواطنين، قائلا “سبق لنا المطالبة بالإفراج عن المعتقلين والمحبوسين ظلما في السجون، ووقف الحملات العسكرية وإعادة بناء القرى التي دمرت، حتى تؤتي حملات مقاومة الإرهاب ثمارها”، وهو ما يتفق معه منصور علي، أحد سكان مدينة بئر العبد الواقعة غرب سيناء والذي يشتكي من أنه بعد بدء عملية المجابهة الشاملة في 9 فبراير/ شباط الماضي، فرضت قوات الجيش كمينا على الطريق الدولي العريش القنطرة عند قرية رابعة، ما يتسبب في وقف حركة السير لساعات طويلة بالاتجاهين، دون أن تراعي القوات حالة وجود شيخ مسن، أو طفل أو امرأة حامل داخل السيارات ما يضاعف معاناة المواطنين، مشيرا إلى أن قيادة الكمين المذكور تفرض حظرا للحركة على الطريق الدولي في نطاق منطقة رابعة، بدءا من الساعة العاشرة مساء، ويتم إجبار سائقي السيارات الخاصة والأجرة على المبيت أمام الكمين حتى الساعة السادسة صباحا، دون أي سند قانوني أو دستوري، رغم أن هذه المنطقة لا يشملها قرار مجلس الوزراء المصري الذي يقضي بفرض حظر التجوال على مدن العريش والشيخ زويد ورفح.

المسؤولية مشتركة

يؤيد البرلماني حسام الرفاعي عضو مجلس النواب عن دائرة العريش والبرلمانيان بكير وأبو شعيرة الإجراءات الأمنية الهادفة لمواجهة الإرهاب، لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من التوسع فيها إذ اسْتُغِلَّت من جانب الإرهابيين في زرع العبوات بسبب غياب المواطنين، بالإضافة إلى أن سوء استخدام قانون الطوارئ من جانب بعضهم باحتجاز المواطنين المشتبه بهم لفترات طويلة يعطي ذريعة وحجة للإرهابيين، كون الطرف الذي يهدف لمحاربة الدولة، يحاربها بكل مكوناتها، جيشاً، وشرطة، وشعباً، وهو ما يحدث في سيناء، وبالتالي فإن الحفاظ على سيناء وحمايتها مسؤولية كل الوطن وينبغي ألا يعتدي طرف على آخر، وهو ما حدث مع الشاب سليم سواركة الذي تم توقيفه وإجباره على النزول من السيارة لدى مروره على كمين بالوظة بسبب إثبات محل إقامته بالشيخ زويد من خلال هويته الشخصية، وتم نقله إلى قسم شرطة رمانة، ليُفاجأ بعدد كبير من أقاربه وأصدقائه داخل غرفة الحجز الضيقة وجميعهم تم توقيفهم لدى مرورهم على الكمائن بسبب إثبات إقامتهم بالهويات الشخصية بمناطق الشيخ زويد ورفح وفق روايته لـ”العربي الجديد”، قائلا “نحن محاصرون بين مطرقة الإرهاب وسندان الإجراءات الأمنية المشددة التي تضاعف معاناتنا”.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close