الأمن و الانتخابات … توأمان

عبدالله جعفر كوفلي /ماجستير قانون دولي
[email protected]
14/4/2018

الانتخابات هي العملية الرسمية لأختيار شخص معين لتولي منصب رسمي , و تعتبر احد المكونات الاساسية و الرئيسية للنظام الديمقراطي، و هي صورة من صور مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار، و ذلك بالتعبير عن مصالحهم من خلال انتخاب ممثلين لهم في المجالس النيابية (العامة او المحلية) .
لقد مرت هذه العملية بمراحل تاريخية عديدة منها على سبيل المثال لم يكن حق التصويت متاحاً للجميع، و انما ارتبط تطبيقه بعدد من القيود منها قيد الثروة أي امتلاك حد معين من الثروة و المال او قيد التعليم و هي ضرورة الحصول على درجة علمية معينة يمكنه من المشاركة في التصويت او قيد الجنس، و لكن مع مرور الزمن تلاشت هذه القيود . وتعتبر الانتخابات من الافكار الانسانية القديمة و التي تساهم في حل النزاعات فقد عرفها الرومان و الاسلام و غيرهما .
و بات الانتخاب اساس من أساسيات دساتير الدول و تشريع من تشريعاتها القانونية و قد حدد شروط معينة للمشارك من حيث العمر و الاهلية القانونية و اتخاذ مايلزم من اجراءات و تصريحات .
حددت الحكومة العراقية يوم 12/5/2018 موعداً لأجراء الانتخابات النيابية و التي هي رابع انتخابات منذ عملية تحرير العراق عام 2003 و ذلك لأنتخاب (328) عضواً في مجلس النواب و الذي بدوره ينتخب رئيس الوزراء و رئيس الجمهورية . تعتبر هذه الانتخابات نقطة تحول و بداية للتغير سواء في الوجوه او القوائم و التحالفات القائمة لأن السنوات الاربع السابقة شهدت احداثاً و تغييرات عديدة منها سيطرة داعش على مناطق واسعة من الموصل و الانبار و صلاح الدين و بعدها دحر داعش بمساعدة قوات التحالف و نزوح عشرات الالاف من المواطنين و السكن في مخيمات التي تفتقر الى ابسط مقومات الحياة و دخول القوات العراقية الى كركوك و المناطق الكوردستانية خارج الاقليم بعد اجراء الاستفتاء الشعبي في اقليم كوردستان في 25/9/2017 و ظهور قوائم جديدة منها (قائمة الجيل الجديد و قائمة برهم صالح) و انشقاق البيت الشيعي و تشتت البيت السني، ناهيك عن المنافسة غير المعلنة بين امريكا و ايران في المسك بزمام المبادرة و ادارة حكم العراق كل على شاكلته بدعم حلفاءه و المقربين منه .
يرتبط الانتخابات بمفهوم الامن كغيره من مجالات الحياة ارتباطاً و ثيقاً و العلاقة بينهما وطيدة ، أي انه كلما كان الامن مقرراً في المنطقة كلما كانت الانتخابات اكثر شفافية و نزاهة و المواطن متمتعاً بالحرية و اكبر احساساً بالمسؤولية تجاه وطنه و من جانب اخر فأن هناك اطراف و جماعات معادية او ارهابية تأخذ من وقت الانتخابات و (نقصد بها بداية الحملة الانتخابية الى أعلان النتائج) فرصة ذهبية للقيام بجرائمهم و تعكير صفوة الحياة و ارتكاب افعال جرمية خلال التجمعات الجماهيرية المؤيدة للقوائم و المرشحين , كما لا نستبعد قيام اشخاص مدفوعة من قبل بعض القوائم او المرشحين لتشويه سمعة القوائم الاخرى وتسقيطها و اتلاف و تمزيق اعلانات و صورها و اطلاق تهديدات مباشرة او غير مباشرة بضرورة عدم الدعم و خروج العملية من اطار المنافسة الحرة الشريفة الى عداءات و انشقاقات و خلافات لا تنتهي إلا بسفك الدماء و التدمير و الخراب ، لأن وعي الغالبية لم ترق الى المستوى المطلوب و لم تفهم بعد بأن الانتخابات بداية طريق تغيير الوجوه و المناهج و الاتجاهات نحو الافضل .
اذن المرحلة من بداية انطلاق الحملة الانتخابية او ربما قبلها بأيام و اشهر الى ساعة الاعلان عن النتائج و بعدها ايضاً بأيام ، صعبة للغاية و تمثل المخاض لمرحلة جديدة في حياة الدول و البلدان و انها عسيرة بافرازاتها و اهدافها و قوتها و ضعفها , مهما يكن من الامر فأنها تتطلب تكاتف الجهود الامنية و التعاون التام بين كافة الدوائر و المؤسسات المعنية الحكومية و غير الحكومية و ان دور الاجهزة الامنية في استباب الامن في هذه المرحلة مبارك و مشكور و محل رضى الجميع لعلمها بان الانتخابات لا يمكن ان تجري تحت سياط التهديد و الخوف و على اصوات الانفجارات و الدم يسيل في الشوارع و الاروقة و تظهر مراكز الاقتراع كحصون و قلاع مدججة و محاطة بالعسكر في سبيل تأمينها و قلما تنتهي عملية الانتخابات دون مشاكل و إثارة النزاعات و النعرات و اعمال العنف .
مما لاشك فيه ان الاستفادة من التجارب السابقة امر مسلّم به ، فالاجهزة الامنية مطالبة بدراسة نقاط القوة و الضعف التي مرت بها سابقاً وان توضع الخطط و الدوريات في سبيل سلامة المواطن و العملية الانتخابية التي تدل على مدى استقرار أي بلد .
ومن اجل عملية انتخابية نزيهة و آمنة ينعم المواطن في اجواءه بحرية الارادة عند الادلاء بصوته لصالح قائمته او مرشحه فان الخطوات الاتية نرى بضرورتها :-
1. ان تلتزم جميع القوائم و المرشحين بالقوانين و التعليمات و اللوائح الصادرة من الجهات المعنية بالانتخابات و خاصة المفوضية العليا للانتخابات و لا تخرج عن الحدود المرسومة لها وفق هذه التعليمات , كما و ان المتابعة و المراقبة كفيلة بتطبيقها على احسن وجه و خاصة فيما يتعلق بأمن و سلامة العملية الانتخابية .
2. تفعيل دور الاجهزة الاعلامية و منظمات المجتمع المدني و دور العبادة و الاحزاب السياسية في نشر الوعي و الثقافة الامنية بين المواطنين في هذه الفترة الحرجة و ضرورة تعاونهم مع الاجهزة و قوى الامن الداخلي في تحديد الاشخاص المشتبه بهم و متابعتهم و اتخاذ الاجراءات اللازمة بحقهم و من جانب آخر ضرورة تثقيفهم بالدور الايجابي للمواطن في أمن المجتمع و سلامته و تنمية حسه الامني في تعيين مكامن الخطر على امن العملية بأعتبار الامن مسؤولية الجميع .
3. تكثيف الجهود المبذولة من لدن الاجهزة الامنية سواء بالمتابعة و اخراج الدوريات و جمع المعلومات و زيادة المفارز و السيطرات مقارنة بالاوقات الاعتيادية و حماية التجمهرات و المسيرات بالاستفادة من التكنولوجيا و التطور العلمي و خبرات المواطنين و تعاونهم .
4. ان تعمل الاجهزة الامنية بحيادية بين القوائم و المرشحين دون تمييز لأن التميز تؤدي بانصار القوائم التي لا تحظى بالتأييد الى استخدام العنف و التفريط في التأييد و عندها يكون الاجهزة الامنية غير محايدة و تعمل لصالح قائمة او مرشح معين فانها ستكون نقطة الانطلاق نحو مزيد من التوتر و التشتت و تمزيق وحدة الصف الوطني .
5. ضرورة زيادة تنسيق الجهود و التعاون المشترك بين المفوضية العليا للانتخابات و الاجهزة الامنية خلال فترة الدعاية الانتخابية ( البدء و النهاية) و يوم الاقتراع و حتى اعلان النتائج و ما ينتج عنها من خروج المسيرات و اقامة الاحتفالات الجماهيرية من قبل الفائزين .
6. ان يلعب المرشحين و القوائم دورهم في ابتعاد مناصريهم و مؤيديهم عن نقاط التماس و الابتزازات والمنافسة غير اللائقة مع الاخرين و توجيههم بضرورة الحفاظ على الامن و الهدوء .
و عليه فان الانتخابات و الامن توأمان لا يمكن ان ينفصلان لانهما دليلان على استقرار البلد و ديمقراطيته و في ظلهما يستطيع المواطن ان ينعم بحقوقه و يعبر عن ارادته بحرية و يحدث التغير المطلوب و بدون الامن لا يمكن ان تكون هناك انتخابات و اذا جرت فانها تكون مشبوهة بعدم النزاهة و الشفافية . نتمنى للمرشحين حظاً سعيداً.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close