باب حارة آوغسبورغ

علي الإبراهيمي

A1980a24@gmail.com

المال السعودي حين يجتمع مع السياسة الامريكية والتخطيط اليهودي ينتج لابد كارثة فكرية او اجتماعية ما ، ولا شك ان القوى الناعمة وعلى رأسها شاشة التلفاز صارت السلاح الأهم في خضم صراع الحضارات الذي خططت له أمريكا وتعاونت في تأجيجه مع حلفائها في الغرب والشرق ، ومنهم العرب .

لذلك حين تم زجّ شخصية ( سارة ) في الدراما الشهيرة ( باب الحارة ) كفتاة يهودية ( مضحية ) و ( كفوءة ) و( مخلصة ) و ( طيبة ) – وسط انهيار القيم والشخصيات خلال أجزاء المسلسل – جاء الى ذاكرتي تاريخ عائلة ( فوغر ) من ( آوغسبورغ ) الألمانية .

ان هذه العائلة اليهودية في عمقها وتاريخها ، والكاثوليكية في تسويق بعض الاعلام التجاري – وهو امر غريب جدا فهي من فجّرت ظاهرة البروتستاتنية – ، كانت الأولى في تاريخ الرأسمالية الحديثة وغلبة رجال المال على السياسة والدين والتاريخ ، واكبر مؤثر ربوي مؤسس للرشى وشراء الذمم .

بلغت الاسرة أوج تأثيرها في الفترة ١٤٠٠ – ١٥٥٠ م ، حين مارست العمل المصرفي الى جنب العمل التجاري ، وسيطرت على الأمراء وملّاك الأراضي . كان الجد يتاجر في المنسوجات ، وقد ترك عند وفاته ثروة كبيرة نسبياً قام ابنه باستثمارها ، ليترك بدوره في منتصف القرن الخامس عشر تقريباً واحدة من اكبر الثروات في آوغسبورغ .

استثمر أبناء هذه الاسرة المال في اقراض الأمراء في جرمانيا الكبرى ، في مقابل الاستحواذ على واردات الأراضي والمناجم . لتتحول ثروتهم الى قوة اقتصادية ضخمة جداً على مستوى العالم ، في عصر بداية الاستثمار بين رأسمال المال والحرفيين ، وفترة اختزان النقد والذهب .

وقد قامت الاسرة باستخدام كل الفنون المعروفة في إدارة التجارة ، وركزت على مبدأ خضوع راس المال والعمل لافراد أسرة ال فوغر . وقامت بأشهر وأقبح السلوكيات الاحتكارية في تاريخ أوربا ، حيث عقدت اتفاقيات مع مؤسسات عديدة لتضييق الخناق على المراكز التجارية الكبرى حينذاك مثل البندقية ، لرفع الأسعار وإعادة تشكيل السوق بناءً على جشع التجار لا على مبدأ العرض والطلب الطبيعي ، كما وضعت مجموعة من الوكلاء على أبواب المدن لشراء جميع المواد التجارية ومن ثم احتكارها وإعادة بيعها بأسعار مضاعفة .

وعند العام ١٥٠٠ م كانت الاسرة تتاجر بكل شيء تقريبا ، بالاضافة الى التعدين والمناجم والقروض والبريد ، وكانت لها علاقات متينة مع المقترضين من اباطرة ألمانيا والامراء الواقعين ضمن الرقعة الجرمانية او ما جاورها ، بل حتى مع رجال دين كانوا بحاجة الى المال لتغطية نفقات أعمالهم وتحركاتهم ، الى الدرجة التي إدارة فيها نهاية القرن الخامس عشر جزءاً كبيراً جداً من أموال البابا الكاثوليكي .

مع ذلك حاول العديد من رجال الدين الكاثوليك وضع حدّ لاجحاف هذاه الاسرة ، من خلال تحديد الأسعار ، الا انهم فشلوا في سعيهم لحماية المستهلك . فهذه الاسرة بلغت حداً خطيراً من كراهية الأوربيين لها بسبب رشوتها للنبلاء ورجال الدين والساسة ، بل كان هؤلاء المرتشون ذاتهم يكرهونها رغم حاجتهم لمالها ، لأنهم كانوا يعيشون الصراع بين قيمهم والحاجة المالية والاقتصادية التي استغلتها الاسرة فيهم .

وقد أدارت الاسرة فترة الصراع بين الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانت ، من خلال ادارتها لثروات البابا الكاثوليكي وسيطرتها على امتياز بيع ( صكوك الغفران ) وحمايتها لمؤسس البروتوستانتية ( لوثر ) من خلال صنيعتها أمير ساكسونيا ، وبعد صناعتها لشمال ألمانيا ومركزها إنتويرب .

وبعد رشوتها لاعضاء هيئة انتخاب إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة تم انتخاب صنيعتها ( شارل الخامس ) ، الذي منحها بدوره لأول مرة لقب النبالة ، الذي جعلها تمتلك حقوقاً رسمية في إدارة الأراضي .

وعلى الرغم من ان الثقافة التجارية الأوربية السابقة عليهم كانت ترى ضرورة ان تحقق الثروات منفعة عامة ، الا ان الى فوغر خروجا عن هذه الثقافة من خلال بدا ثقافة الرأسمالية الاحتكارية الحديثة ، الامر الذي رفع أسعار جميع المواد بشكل خيالي وسريع خلال فترة قرن من الزمان ادار فيه ال فوغر تجارة أوربا بما لم يسبق له مثيل مطلقا .

لقد ألغت ثقافة رأسمال الجديدة تأثير وتاريخ الأسر النبيلة صاحبة الأراضي ، ومن ثم ألغت جميع ملامح النبالة والقيم المتفق عليها بين هذه الاسرة ، لتضع إعادة رسم ملامح السلوك من خلال المال فقط .

ورغم سعي النبلاء والعلماء ورجال الدين وفقهاء القانون والعوام لتقييد عالم هذه الأسر المالية الكبيرة الا انهم فشلوا بسبب تاثيرات المال نفسه في السياسة والاقتصاد ، ليبدأ عالم اوربي جديد تنهار فيه القيم سريعاً امام المال . بل ان الثقافة والأدب أصبحت تحت تأثير راس المال الاحتكاري نفسه ، والذي كان بلا اخلاق فعلية ، وللقارئ ان يتصور كيف كان يتم انتاج الثقافة والفن ولأي هدف .

انّ أشهر الفضائح التي كشفت روح الخيانة لدى يهود أوربا تلك التي حدثت ضمن المنظومة الفرنسية ، بما يرتبط بمشروع ( القنال ) في ( بناما ). وهي الفضيحة التي ظهرت فيها اختلاسات مالية كبيرة تورّط فيها اليهود عام ١٨٩٢ م . عزز اثرها القبض على الضابط اليهودي الفرنسي ( دريفوس ) بتهمة الخيانة العظمى ، ورغم اعادة محاكمته مرتين ظلّت ادانته ثابتة بالأدلة ، لكنّ الحكومة الفرنسية عفت عنه لاحقاً ، واعادت له رتبته العسكرية ، ومرتبة الشرف ، وعوّضته ! ، وهو ما يكشف القوة التي لها وصل يهود أوربا حينذاك .

لقد كتب ( شاتوبريان ) في كتابه ( عبقرية المسيحية ) – بعد أنْ اعتبر العالم اجمع مدين للمسيحية برومانسيته وإبداعه وجماله وثنائه على ” موسى ” بصورة كبيرة وعالية – : ( انّ التاريخ القديم لبني اسرائيل ليس فقط تاريخاً واقعياً يسرد للغابر من الأيام ، وإنما هو ايضاً الوجه الذي تلبسه الازمنة الحديثة ) . ونرى كيف اتجه جملة من كتّاب أوربا ومثقفيها نحو مشروع ( هودنة أوربا ) .

لقد نشر الكاردينال ( كارو دودريغز ) اسقف سانتياغو عام ١٩٥٢ م كتاباً اسمه ( نزع النقاب عن سر الماسونية ) ، أوضح فيه انّه حتى الماسونيين الكبار من الدرجات ٣٢ و ٣٣ لم يعودوا يفهمون ما يديره ويفعله ( محفل الشرق ) ، ولم يعودوا يستوعبون الخطط العملية المستقبلية بعد ظهور ( بابك ) .

ويمكن ان نضيف انّ من اهم ما جاء به ( محفل الشرق ) ايضاً كان إلغاء المفاهيم الوطنية والأسرية ، وحتى على مستوى السكن ، صار التخطيط يتجه لالغاء الشكل الفردي المستقل ، وهو ما يطلق عليه ( البناء الأفقي ) ، والاتجاه نحو انعدام الاستقلالية ، من خلال ( البناء العامودي ) الصاخب .

انّ الانتشار اليهودي في أوربا ديمغرافياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً كان مركّباً ، حيث احتفظ اليهود – بذكاء – بوجودهم ضمن ( الطبقة الوسطى ) . وبذلك صار بامكانهم دغدغة مشاعر وأحاسيس الجمهور الأدنى للشعوب ، وكذلك التواصل ومخاطبة النخب الحكومية والاجتماعية .

ولو اننا اخذنا مثالاً لحركة اليهود في أوربا ، لكانت ( ألمانيا ) – مع إنجلترا – أفضل الأمثلة . فقد برز في تلك الدول الأوربية المهمة يهود كثر ، ولعلّ من مشاهيرهم ( كارل ماركس ) ، الذي يمكن من خلال دراسة تاريخه وبدعته الاشتراكية معرفة كيف يدير اليهود اللعبة العالمية . لقد تزعّم اليهودي ( ادوارد لاسكر ) حزب الأحرار الوطنيين ، الذي لعب دوراً مهماً في السياسة الألمانية ، كما لعب دوراً محورياً في نصرة الحركات اليهودية . فيما ساهم المتمول اليهودي ( بليخرودر ) بالاموال التي انفقت على حرب ١٨٦٦ م في عهد ( بسمارك ) .

وبعد الأزمة المالية التي احدثتها المصارف ، من خلال ضغط العملة ووقف القروض ، وعجز الأمريكيين عن تسديدها ، أراد الرئيس ( لينكولن ) الحد من نفوذ المصرفيين ، لكنّه اغتيل في عرض مسرحي عام ١٨٦٥ م . وفي عام ١٨٧٦ م سحب المصرفيون نصف السيولة النقدية من مجمل الولايات المتحدة الامريكية ، لتحدث أزمة جديدة ، كسبوا فيها اكثر من بليوني دولار ، تضاف لجيوب الروتشيلد . وتكفّل ( قانون إصلاح العملة ) بتجريد الفضة من قوتها في إسناد العملة الامريكية ، ليتم رهنها الى مخزون الذهب الذي يمله المصرفيون الاوربيون . وبعد عام ١٨٨٢ م حدثت أزمات مشابهة لما سبق ، خلقها المصرفيون . وفي عام ١٨٩٣ م احدث المصرفيون هلعاً عاماً لدى الشعب الامريكي ، بقرارهم سحب ثلث العملة من التداول ، فألقى الشعب باللائمة على الحكومة ، التي كان يتصورها تملك ذلك المصرف فعلا . وبعد اجتماع الصيارفة الكبار في لندن عام ١٨٩٩ م صار ( ج . ب . مورغان ) ممثلاً لعائلة روتشيلد في الولايات المتحدة ماليا . واندمجت مؤسسة ( مورغان ) المالية مع مؤسسة زميله ( دريكسيل ) المالية ، فأسستا ( هيئة التأمينات الوطنية ) عام ١٩٠١ م . ونلاحظ انّ هذه المؤسسات كانت ولازالت تستخدم تعابير ( الاتحادي – الوطني ) في وسم مؤسساتها الخاصة ، لخداع الشعب الامريكي ، والتغطية على صمت الحكومة وسهولة ابتزازها . وقد اشتركت المؤسسة الجديدة مع مؤسسة ( كوهن – لوب ) في احداث الرعب في ( وول ستريت ) عام ١٩٠٧ م . وفي إطار المعالجة التي اعتمدتها الحكومة الامريكية لسلسلة الأزمات هذه ، بعد حملة شعبية ألقت باللوم على الحكومة ، ان أرسلت ( نيلسون الدريك ) الى أوربا ، لمعرفة كيف تتخلص المصارف من ازماتها ، الّا انه عاد ولا من نتيجة معه . و ( الدريك ) هذا كان مقرباً من ( ال روكفلر ) ، عائلة اللص ، الذين صاروا وكلاء ( ال روتشيلد ) في الولايات المتحدة ، وهم من يتحكمون باقتصادها حتى اليوم ، ومن ابرز شركاتهم شركة النفط الامريكية الكبرى ( إكسون موبيل ) . حيث تزوج احد ابنائهم من ابنة ( الدريك ) . فيما جعل ( الدريك ) مشاوره المالي مؤسسة ( واربورغ ) ، المملوكة للروتشيلد . ومن ثمّ اصبح ( الدريك ) شريكاً في مؤسسة ( كوهن – لوب ) ، الى جانب ( يعقوب شيف ) ، الذي امتلك لاحقاً حركات النقل والمواصلات في الولايات المتحدة . ليقدّم ( الدريك ) لاحقاً – بعد اجتماعه بكبار الصيارفة في مقر مورغان في جورجيا – مشروع ( قانون الاحتياط الفيدرالي الامريكي ) عام ١٩١٣ م ، الذي سمح لاثني عشرة مصرفا بالاستحواذ على مجمل المال الاحتياطي . وهو المال الذي تمّ استخدامه في الحرب العالمية الاولى . هذا ما جعل الاميرال الكندي ( وليام غايكار ) يصدر كتابه ( احجار على رقعة الشطرنج ) ، بعد البحث الذي اثارته فيه الصدفة التي تتزامن فيها مجموعة من الحروب والاحداث في دول عديدة في الوقت ذاته ، والذي أوصله الى شبكة يهودية ، اسماها حكومة العالم الخفية ، تدير كل ذلك . وهو البحث الذي أعقبه عدة بحوث لشخصيات مختلفة ، منهم السيناتور ( جاك تبني ) بعنوان ( الإخوة الزائفة ) ، والذي تعرّض بسببه لمحاولة اغتيال ، خرج منها مشلولا .

نشر الكاتب اليهودي ( سعديا غراما ) في ( نيويورك ) قائلاً : ( النجاحات اليهودية في العالم متوقفة بالكامل على فشل كلّ الناس الآخرين . فقط عندما يواجه غير اليهود الكارثة الكلية يجيء الحظ السعيد لليهود ) . والمصرفي اليهودي ( جاكيوس اتالي ) كان واضحاً في بيان مذهبهم ، حيث أراد ( إنساناً متحرراً من كل القيود ، متحرراً من الجذور القومية ، والتقاليد الثقافية ، والعواطف السياسية ، والروابط العائلية الثابتة ) .

وقد كتب ( اسرائيل شامير ) في مقدّمته عن ( الكبّالا ) : (( … على نحو مماثل ، نادراً ما يفهم يهودي ما او يفهم ما يريده اليهود من أنفسهم ومن البشرية المحتارة . هذا العجز عن الفهم يؤدي بكثير من الرجال والنساء الطيبين لإعلان دعمهم ( او معارضتهم ) الى الجسم السياسي المدعو ” اليهود ” . ان تولد وتترعرع كيهودي لا يساعدك على الفهم ، تماماً كعدم فهمك لخطط الأركان العامَّة لمجرد كونك احد أفراد القوات الخاصة … )) .

أسس اليهودي الألماني ( كارل ماركس ) الشيوعية ، التي انجزت الثورة السوفيتية الكبرى ، فظلّ اليهود زعماء هذه المؤسسة في روسيا حتى ١٩٣٤ م تقريباً ، حين اطمأنّوا لرسوخ تعاليمها الإلحادية ، وسريانها نحو المارد البشري في الصين . في شرق أوربا – كما في بولندا وتشيكوسلوفاكيا – كانت أسوأ الأعوام هي التي سيطر فيها النفوذ اليهودي ( ١٩٤٥ – ١٩٥٦ ) . في العشرينات عانى الألمان البطالة والافلاس حين اصبح اليهود اثرى . وفي الولايات المتحدة انشأ اليهود إمبراطوريتهم القائمة حتى اليوم ، ليزدادوا ثراءاً ويزداد الشعب فجوات اجتماعية وطبقية ويُرتهن للمديونية المصرفية ، فازداد الانتحار .

من هنا يمكننا ان نفهم المعالجة التي أتى بها الكاتب الإنجليزي ( وليام شكسبير ) في قصته ( تاجر البندقية ) لشخصية اليهودي المرابي الجشع والدموي .

ان محاولة إظهار الشخصية اليهودية على نحو من الحنان والحب الاخوي او الإنساني يناقض حتى تاريخهم الداخلي المغلق ، اذ كانت جماعات اليهود المحلية في كل بلد تعادي الجماعات الجديدة الوافدة المهاجرة اليها لسبب ما ، فظهرت بينهم تسميات للتمييز العنصري كالسفارديم والقوراشيم والتوفاشيم وبعلي هاكيبوت وبعلي هاميتزنافيت ، ومثال ذلك ان يهود ( الغرانة ) حرّموا الزواج من يهود ( التونس ) في شمال افريقيا لفترة طويلة لأسباب عنصرية بحتة .

اننا اذا أردنا ان نستذكر دوراً ما ليهود سوريا الكبرى فعلينا البدء أولاً باستئناسهم التام للفتن الأوربية التي شقت عصا الوحدة بين المسلمين من الدروز وغيرهم وبين المسيحيين من الموارنة ، بعد ان خلقوا فجوات اقتصادية انانية وانتهازية كوكلاء غير مخلصين لاوطانهم يعملون في مصالح الدول الأجنبية ، حتى بلغوا من استغلال الانهيار الاقتصادي السوري نتيجة السياسة الرعناء للعثمانيين وانخداعهم بالنصائح الأوربية مبلغاً خطيراً حين صاروا راس المال الربوي الأخطر في المنطقة .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close