عقيدة المهدي… بين الإثبات والنفي

في ظل التزاحم التاريخي للأحداث الإسلامية بين الرفض والقبول وظهور معسكرات الفكر الذاتي الذي تميز بخلق إشكاليات على أصل التشريع الثابت الذي لا يحتاج الى تأويل،وبسبب البعد الزمني عن أصل التشريع(النبي)برزت اراء سقيمة انتقلت من الحوار والنقاش المعرفي الى صدام طائفي مذهبي لإسقاط عقيدة إسلامية يؤمن بها الكثير من المسلمين معللين انها اسطورة وكذبة تاريخية ،وأن التأريخ الإسلامي بني على اللاوعي وقلة المعرفة المجتمعات الصحراء التي سيطر عليها التخلف،أو أن هناك مصالح مادية لمن تبنى فكرة المهدي تغذي بعض التيارات(سياسية او مذهبية ) المستفيدة من هذه “الاسطورة” حسب فهمهم
الجدلية الراهنة بين معسكر الرفض والقبول لهذه العقيدة، وانتشار العنصر الطائفي،والنظرة الأحادية البعيدة عن التوافق التاريخي لضرورة من ضروريات الإسلام لنخبة من العلماء والفقهاء والتي تبنت ارائها على التخلف المعرفي لدى الكثير من الناس،صار لزاما الى تبني القضية المهدوية وفق منظور معتدل يأخذ لعين الاعتبار الأفكار الرافضة لهذه العقيدة من خلال الطرح الوسطي لاثباتها من جهة، وزيادة الوعي للفرد والمجتمع لقضية خطيرة تتعلق بدولة عدل عالمية مرتقبة على يد شخص المهدي(عليه السلام)أن الشروع في هذا الموضوع الذي اخذ حيز مصير الانسان ما بين”الموت والحياة ” وارتبط ارتباطا روحيا وعاطفيا قبل أن يكون دينيا بحتا؛فكان ولابد من أن ننعطف ونميل الى المنطق والدليل العلمي الشرعي “قرانيا وروائيا”في إثبات هذه العقيدة “لغة”و”اصطلاحا” ،،ومن ثم نذكر ايمان الشعوب الغير إسلامية بعقيدة المهدي ، وسنتبنى بعض اراء العلماء المعاصرين في إثبات عقيدة المهدي
تعريف العقيدة
معنى العقيدة لغةً واصطلاحًا:

العقيدة لغة: مصدر مِن اعتَقَد يعتقدُ اعتقادًا وعقيدة، مأخوذٌ من العَقد، وهو: الرَّبط والشدُّ بقوَّة وإحْكام، ونحو ذلك ممَّا فيه توثُّق وجزم؛ ولذا يُطلَق العقد على البيع والعهد والنِّكاح واليمين ونحوهما من المواثيق والعُقود؛ لارتباط كلٍّ من الطرفين بهذا العقد عُرفًا وشَرعًا، إلى غير ذلك ممَّا يجبُ الوَفاء به؛ قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1].

والعقيدة في الاصطلاح: هي ما ينعَقِدُ عليه قلبُ المرء ويجزمُ به ويتَّخذه دينًا ومَذهبًا؛ بحيث لا يتطرَّق إليه الشكُّ فيه، فهي حُكم الذهن الجازم أو ما ينعَقِدُ عليه الضمير، أو الإيمان الجازم الذي يترتَّب عليه القَصد والقول والعمل بمُقتَضاه.

أولاً: الأدلة القرآنية على وجود الإمام مهدي عليه السلام

1

منها قوله تعالي: (( وَلَقَد كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ )) (الانبياء:105) ففي التفسير علي بن ابراهيم: الكتب كلها ذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون أي القائم (عليه السلام) وأصحابه.
2- وقوله تعالي: (( حم * عسق ))(الشورى:1-2) في عقد الدرر وهو من كتب أهل السنة: ذكر الإمام أبي اسحاق الثعلبي في تفسير الآية الشريفة قال بكربن عبدالله المزني: (ح) حرب بين قريش والموالي فتكون الغلة لقريش علي الموالي (م) ملك بني امية (ع) علو ولد بني عباس (س) سنا المهدي (ق) قوة عيسي حين ينزل فيقتل النصاري ويخرب البيع.
3- قوله تعالي: (( وَأَسبَغَ عَلَيكُم نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً )) (لقمان:20) روي عن موسي بن جعفر (عليهما السلام) قال: النعمة الظاهرة الإمام الظاهر والباطنة الإمام الغائب يغيب عن أبصار الناس شخصه.
4- قوله تعالي: (( فَاستَبِقُوا الخَيرَاتِ أَينَ مَا تَكُونُوا يَأتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا )) (البقرة:148) ففي غيبة النعماني بإسناده عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: نزلت في القائم وأصحابه يجمعون علي غير ميعاد.
5- قوله تعالي: (( قَاتِلُوا المُشرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُم كَافَّةً )) (التوبة:36) ففي تفسير العياشي عن زرارة قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): سئل أبي عن الآية الشريفة، قال: إنه لم يجيء تأويل هذا الآية ولو قد قام قائمنا سيري من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية وليبلغن دين محمد ما بلغ الليل حتي لايكون شرك علي ظهر الأرض.
6- قوله تعالي: (( وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضعِفُوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوَارِثِينَ )) (القصص:5) روي الشيخ بإسناده عن الباقر (عليه السلام) عن أبيه عن جده عن علي (عليهم السلام) قال: هم آل محمد يبعث الله مهديهم بعد جهدهم فيعزهم ويذل عدوهم.
7- قوله تعالي: (( هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ )) (الصف:9) عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن هذه الآية فقال: والله ما أنزل تأويلها بعد، قلت: جعلت فداك ومتي ينزل؟ قال: حتي يقوم القائم إن شاء الله فإذا خرج القائم لم يبق كافر ولا مشرك إلا كره خروجه. وعن تفسير القمي أنها نزلت في القائم من آل محمد.
8- قوله تعالي: (( يُرِيدُونَ لِيُطفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفوَاهِهِم وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ ))(الصف:8) في تفسير القمي قال: هو القائم من آل محمد إذا خرج ليظهره علي الدين كله حتي لايعبد غير الله وهو قوله: «يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً».
9- قوله تعالي: (( الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغَيبِ ))(البقرة:1-3) روي الصدوق بإسناده عن يحيي بن أبي القاسم قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن هذه الآية؟ فقال: المتقون شيعة علي (عليه السلام) وأما الغيب فهو الحجة الغائب وشاهد ذلك قوله تعالي: (( وَيَقُولُونَ لَولَا أُنزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُل إِنَّمَا الغَيبُ لِلَّهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِنَ المُنتَظِرِينَ ))(يونس:20).
10- قوله تعالي: (( اعلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحيِي الأَرضَ بَعدَ مَوتِهَا )) (الحديد:17) عن ابن عباس: يعني يصلح الأرض بقائم آل محمد (صلي الله عليه وآله) من بعد موتها يعني بعد جور أهل مملكتها….

ثانياً: الأدلة الروائية الدالة على وجود الإمام المهدي(عليه السلام) من

طرف السنة

1- ما رواه أحمد والترمذي وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطيء اسمه اسمي” وفي رواية لأبي داود: “يواطيء اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي”. والحديث قال عنه الترمذي: حسن صحيح، وصححه أحمد شاكر والألباني.
2- وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المهدي مني أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلاً، كما ملئت ظلما وجوراً، يملك سبع سنين” رواه أبو داود والحاكم، وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
3- وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “المهدي من عترتي من ولد فاطمة” رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني.
4- وعن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة” رواه أحمد وابن ماجه، وصححه أحمد شاكر والألباني. قال ابن كثير في كتابه النهاية في الفتن والملاحم: (أي يتوب الله عليه، ويوفقه ويلهمه، ويرشده بعد أن لم يكن كذلك).
5- وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويُعطي المال صحاحاً، وتخرج الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً. يعني حججا” رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وقال عنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: هذا سند صحيح رجاله ثقات.
6- وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم ثم ذكر شيئاً لم أحفظه فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي” رواه ابن ماجه والحاكم وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير: هذا إسناد قوي صحيح.
قال ابن كثير: “والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت، كما دل على ذلك بعض الأحاديث” انتهى.
وقال ابن كثير أيضاً: “والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتل عنده ليأخذوه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان، فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق، لا من سرداب سامرا، كما يزعمه جهلة الرافضة من وجوده فيه الآن، وهم ينتظرون آخر الزمان، فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، شديد من الشيطان، إذ لا دليل على ذلك ولا برهان، لا من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح ولا استحسان” انتهى.
وقال ابن القيم في المنار المنيف: (ولقد أحسن من قال:
ما آن للسرداب أن يلد الذي كلمتموه بجهلكم ما آنا؟
فعلى عقولكم العفـاء فإنكم ثلثتم العنقـاء والغيلانـا
ولقد أصبح هؤلاء عاراً على بني آدم، وضحكة يسخر منهم كل عاقل) انتهى.
7- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم” رواه البخاري ومسلم.
8- وعن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة” قال: “فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا. إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة” رواه مسلم. وفي رواية عند الحارث بن أبي أسامة ” فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا…” الحديث، قال عنه ابن القيم في المنار المنيف: هذا إسناد جيد.
فهذا بعض ما ورد في ذكر المهدي وخروجه آخر الزمان . وليعلم أن أحاديثه بلغت حد التواتر كما صرح بذلك جماعة من أهل العلم. قال السفاريني في لوامع الأنوار البهية ( وقد كثرت بخروجه الروايات، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عُدّ من معتقداتهم” إلى أن قال: “وقد روي عمن ذُكر من الصحابة وغير من ذُكر منهم رضي الله عنهم، بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعه العلم القطعي ، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة” انتهى.
وقال الشوكاني: “والأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر ، التي أمكن الوقوف عليها ، منها خمسون حديثاً، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول…” انتهى.
وقد أنكر جماعة خروج المهدي محتجين بحديث “ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم” وهو حديث رواه ابن ماجه والحاكم، لكنه ضعيف كما جزم بذلك جماعة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره

ادبيات الأديان الغير اسلامية المؤمنة بفكرة المهدي:
إذن عقيدة انتظار مخلص أو منقذ أو مصلح عالمي على اعتباره ينشر العدل والرخاء في ظهوره، وتتطهر بظهوره الأرض من الظلم والقهر، في كل العقائد سواء أكانت سماوية أو فكراً إنسانيا وضعياً، وقد كان للظواهر الطبيعية والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية دور في ظهور عقيدة الانتظار، وقد اختلفت شخصية هذا المنقذ عند العقائد الوضعية، فنلاحظ مثلاً انه النيل عند المصريين القدامى، وتارة أخرى تمثلت شخصيته (بالإله تموز) عند العراقيين القدامى، وأخرى تمثلت في شخصية (كرشنا) و(رامي) عند الديانة الهندوسية، و(بوذا) عند الديانة البوذية، و(زرادشت) عند ديانة الفرس القديمة، وأخرى تظهر لنا (بطبقة البروليتاريا) عند المفكرين الماركسيين ، أي أن كل الأدبيات تظهر حتمية ظهور المخلص بعد انتظاره، لأن فكر الإنسان مرتبط بما أودعه الله في عقل الإنسان ووجدانه ، وإن تنكب هذا الإنسان في معرفة ماهية من ينتظر وموعد انتظاره .
وتلتقي العقائد الوضعية والسماوية اليهودية والمسيحية مع الدين الإسلامي الذي يرى ضرورة الثورة العالمية ضد الظلم الذي أرتكب بحق الإنسان

اراء العلماء المعاصرين لإثبات عقيدة المهدي

شيخ الازهر الشريف
الشيخ محمّد الخضر حسين
شيخ الأزهر السابق، قال في مقالةٍ نشرتها له مجلّة ( التمدّن الإسلاميّ ) بعنوان: نظرة في أحاديث المهديّ، جاء فيها: ولم يَرِدْ في ( الجامع الصحيح ) للبخاريّ حديثٌ في شأن المهديّ، وإنّما ورد في ( صحيح مسلم ) حديثٌ لم يُصرَّح فيه بآسمه، وحمَلَه بعضهم على أنّ المراد منه « المهديّ »، أو المشار فيها إلى بعض صفاته. أمّا بقيّة كتب الحديث، فروى أحاديثَ المهديّ: أحمد بن حنبل، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة، والطبرانيّ، وأبو نُعَيم، وابن أبي شيبة، وأبو يَعلى، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، ونُعيم بن حمّاد.. وغيرهم. وجُمِعت هذه الأحاديث في رسائل مستقلّة، مثل: ( العَرف الوردي في حقيقة المهدي ) للملاّ علي القاري، و ( التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجّال والمسيح ) للشوكاني. وقد صرّح الشوكانيّ في رسالته هذه بأنّ هذه الأحاديث بلغت مبلغ التواتر قائلاً: والأحاديث التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون فيها الصحيح والحَسَن، والضعيف المنجبر، وهي متواترةٌ بلا شكّ، بل يصدق وصفُ التواتر على ما دونها، على جميع الاصطلاحات المحرَّرة في الأصول.
وقال شيخ الأزهر محمّد الخضر مضيفاً: يقول بعضُ المنكرين لأحاديث المهديّ جملة: إنّ هذه الأحاديث مِن وضع الشيعة لا محالة. ويَرِد عليه بأنّ هذه الأحاديث مرويّةٌ بأسانيدها، وقد تقصّينا رجال سندها فوجدناهم ممّن عُرِفوا بالعدالة والضبط، ولم يتّهمهم أحدٌ من رجال التعديل والجرح بتشيّع، مع شُهرة نقدهم للرجال. وقد اتّخذ مسألة المهديّ كثيرٌ من القائمين لإنشاء دولٍ وسيلةً إلى الوصول إلى غاياتهم، فادَّعَوُا المهدويّةَ ليتهافت الناس على الالتفاف حولهم… وإذا أساء الناسُ فهمَ حديثٍ نبويّ، أو لم يحسنوا تطبيقه على وجهه الصحيح حتّى وقعت جرّاءَ ذلك مفاسد، فلا ينبغي أن يكون ذلك داعياً للشكّ في صحة الحديث، أو المبادرةِ إلى إنكاره؛ فإنّ النبوّة حقيقةٌ واقعة بلا شُبهة، وقد ادّعاها أناسٌ كَذِباً وافتراءً فأضلّوا بدعواهم كثيراً من الناس، والأُلوهيّة ثابتةٌ بأوضح مِن الشمس في كبد السماء، وقد ادّعاها قومٌ لزعمائهم على معنى أنّه جلّ شأنه يَحلّ فيهم.. فليس من الصواب إنكارُ الحقّ مِن أجلِ ما أُلصِق به من باطل. ( مجلّة التمدّن الإسلاميّ 210 ).

الشيخ ناصر الالباني

كتب في مقالٍ له نشرته ( مجلّة التمدّن الإسلاميّ ص 228 ) تحت عنوان: حول المهديّ، قال: وأمّا مسألة المهديّ، فَلْيُعلم أنّ في خروجه أحاديثَ كثيرةً صحيحة. وأنا مُورِدٌ هنا أمثلةً منها، ثمّ مُعقِّبٌ ذلك بدفع شبهة الذين طعنوا فيها. ( ثمّ ذكر الألبانيُّ أمثلةً منها ومن آراء العلماء بتواترها، ثمّ قال: ) إنّ رشيد رضا أو غيره لم يتتبّعوا ما ورد في المهديّ من الأحاديث حديثاً حديثاً، ولا توسَّعوا في طلبِ ما لكلِّ حديثٍ منها من الأسانيد. ولو فعلوا لوجدوا منها ما تقوم به الحُجّة، حتّى في الأمور الغيبيّة التي يزعم البعض أنّها لا تثبت إلاّ بحديثٍ متواتر.
وممّا يدلّك على أنّ رشيد رضا ادّعى أنّ أسانيد هذه الأحاديث لا تخلو عن شيعيّ، مع أنّ الأمر ليس كذلك على إطلاقه، فالأحاديث الأربعة التي ذكرتُها ليس فيها رجلٌ معروفٌ بالتشيّع. على أنّه لو صحّت هذه الدعوى لم يَقدح ذلك في صحّة الأحاديث؛ لأنّ العِبرة في الصحّة إنّما هو الصدق والضبط، وأمّا الخلاف المذهبيّ فلا يُشترَط في ذلك، كما هو مُقرَّرٌ في مصطلح علم الحديث. ولهذا روى الشيخان ( البخاري ومسلم ) في صحيحَيهما لكثيرٍ من الشيعة وغيرهم من الفِرق المخالفة، واحتجّا بأحاديث هذا النوع.
وفي خاتمة حديثه قال الألبانيّ: وخلاصة القول: ـ أنّ عقيدة خروج المهديّ عقيدةٌ ثابتةٌ متواترةٌ عنه صلّى الله عليه وآله، يجب الإيمان بها؛ لأنّها من أمور الغَيب، والإيمان بها من صفات المتّقين، كما قال تعالى: ذلكَ الكِتابُ لا رَيبَ فيهِ هُدىً لِلمُتّقينَ * الَّذينَ يُؤْمنُونَ بالغَيب، وأنّ إنكار هذه العقيدة لا يصدر إلاّ عن جاهل، أو مُكابر. أسأل اللهَ أن يتوفّانا على الإيمان بها، وبكلّ ما صحّ في الكتاب والسُّنّة.

المرجع الشيعي السيد الصرخي
أن الركن الأساس في عقيدتنا الدينية الإلهية التوحيدية .. في انتمائنا و منهجنا و فكرنا و سلوكنا الأخلاقي الإنساني .. هو المهدي .. المنقِذ .. المخلِّص. يوم الخَلاص، يوم السلام و الوِئام، يوم الصفاء و النقاء، يوم انتفاء التناقضات، اليوم الموعود .. كلها عناوين و مصطلحات تمثّل عقيدةً و فِكراً و منهجاً و آيديولوجيةً و تنظيماً و تخطيطاً آمنت به البشرية جمعاء، حتى المجتمعات المادية الرافضة قطعاً للغَيب و الغيبيات و التخطيط و المنهج المهدوي. و اليوم الموعود أخذ و يأخذ الحيّز الأكبر بل القطب و المحور الأساس في الفكر و التخطيط الديني الإلهي و يتأكّد و يتركّز و يتأصّل في الإسلام، و يزداد شدّةً و تركيزاً في مذهب الحق فلا بدّ أن تأخذ هذه العقيدة المهدوية المباركة الحيّز الأكبر و الأشمل و الأعمق في تفكيرنا و نفوسنا و قلوبنا و سلوكنا و مواقفنا.

أسباب رفض عقيدة المهدي:

أولاً : نتيجة التغيرات المستمرة للحضارات البشرية ، وعدم ثباتها ، فتولدت لدى الكثير من الناس فكرة الجمود على الماضي والرضا بما كان ، خصوصاً وإن الناس كما في الروايات سوف يعيشون – إبان الظهور – حركات تغييرية متعددة لكنها عقيمة من النتاج ، وبالتالي يحصل عند الناس يأس عام من أية حركة تدعي التغيير! مما يؤدي إلى توقف الكثير من حركة الإمام المهدي عليه السلام ووقوف البعض ضدها !
خصوصاً إذا أضفنا إلى تلك الفكرة عنصر عدم الثقة بالشعارات المطروحة ، بمعنى أن الناس عاشوا على طول خط التاريخ ثورات رفعت شعارات ما فتأت ان خالفتها عملياً ، فهذه ثورة بني العباس ثارت بشعار طلب الرضا من آل محمد وإرجاع الحق إليهم وبسط العدل ، ولكن ما إن جلس _بنو العباس_ على الكرسي وملكوا الأمور حتى ظهرت حقيقتهم التي قيل عنها :
يا ليت جور بني مروان دام لنا
وليت عدل بني العباس في النار

ثانياً : كثيراً ما يقاوم الناس التغيير إذا كانوا جاهلين بأهداف ذلك التغيير وغير عارفين معرفة تامة بقيادته وأطروحاته وشعاراته ومناهجه.
وإن الغموض المحيط بأية حركة تغيير سبب مهم لإنكارها ورفضها وبالتالي مقاومتها.
وفي حركة الظهور هناك كثير من الناس ممن يجهلون حقيقة الإمام المهدي عليه السلام وحقيقة حركته ، وهذا ما ربما يشير إليه موقف جيش الحسني المتردد عن الإمام المهدي عليه السلام إلى أن يثبت الحسني لهم ذلك من خلال طلبه من الإمام المهدي عليه السلام إبراز ما يثبت حقانيته ، وهو عليه السلام سيثبت له ولهم ذلك. من هنا نجد التأكيد الشديد على ضرورة معرفة إمام الزمان ، وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. وعلى نفس المنوال نجد أن من أهداف طرح الأئمة عليهم السلام لعلامات الظهور هو تعريف الناس بقرب الحركة الإلهية الموعودة.
وببساطة : إن الروايات الشريفة تؤكد على أن من أهم واجبات زمن الغيبة هو المعرفة التامة بالقضية المهدوية ومن جميع جوانبها ، وهذه المعرف لو تمت عند أحد فإن احتمال معارضته سيكون ضعيفاً جداً.

ثالثاً : في بعض الأحيان تكون المقاومة بسبب إرادة الحفاظ على الموروث ، وواضح من الروايات أن حركة الإمام المهدي عليه السلام ستغير الكثير من الموروثات ، كقتل الشيخ الزاني ، وأنه سيحكم بحكم آل داود القائم على الواقع لا البينة – ولو في بعض القضايا ، وأنه سيجيء بمصحف يخالف فيه التأليف الترتيب المعهود ، وغيرها من الأمور.
إن الجهل بحقيقة الحكمة وراء تلك التغييرات ستكون وراء نفور البعض من الحركة المهدوية وربما معارضتها.

حل اشكالية نفي عقيدة المهدي:
فلسفة التاريخ الاسلامي المنشودة لفكرة المهدي لن تكون موافقة ومقبولة إلا بالسعي لإدراك ابعاد هذه العقيدة واثرها الروحي وما تمثله من رمز للعدالة العالمية ونشر القسط بين البشرية ،وتبيان ان هذه الحقيقة الاسلامية لابد من بناء خط ووعي معتدل شامل في تشكيل موقف إنساني موحد يتقبل هذه العقيدة البعيدة عن الرهانات الفلسفية ومزاجيات الفكر العنصري المذهبي والتعامل مع كل الأفكار المرتبطة بهذه العقيدة بوسطية لتأسيس ارضية فكرية رصينة تتقبل حقيقة المهدي (عليه السلام) وقطع الطريق على كل الافكار و الأدبيات التي تحارب أو تنفي قضية وضرورة اسلامية اثبتت بالدليل العلمي الشرعي.

قاسم الجليحاوي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close