شيء عن تجربة المخرج الفنلندي رايمو أولافي نيمي

الكاتب يوسف ابو الفوز مع المخرج رايمو اولافي نيمي ( الصورة من ارشيف الكاتب)
ربما هي الصدفة من قادتني الى لقاء المخرج الفنلندي رايمو اولافي نيمي (مواليد 1948) . حصل ذلك عام 1998 ، بعد ايام من مشاهدتي فيلما من اخراجه، هو “تومي والقط الوحشي” ، الذي ينتمي الى ما يسمى بالافلام العائلية، التي برع بها المخرج، والتي يكون ابطالها عادة حيوانات وتعالج موضوعة الصراع بين الخير والشر، ضمن حبكة درامية فيها شيء من المغامرة. كان الفيلم مبهرا في عرض الطبيعة الفنلندية، بلقطات عريضة طويلة، تصحبها موسيقى ساحرة، ومن وجهات نظر مختلف الشخصيات بما فيهم القط الوحشي، ولم يلجأ المخرج، وبأغراء من جمال الطبيعة، لتقديمها على شكل بطاقات بريدية سياحية، بقدر ما تشعر ان هناك دراسة متينة للتشكيل اللوني تتناسب مع حركة الكاميرا وهي تجوس في الشتاء الفنلندي الموشح بالبياض وتتبع ابطال الفيلم في علاقتهم مع الثلج الشفاف والقاسي والرياح التي لا ترحم. وفاجأتني صديقة تعمل في التلفزيون انها صديقة للمخرج، فرتبت لي بسهولة موعدا معه، لاجد امامي في مقهى وسط العاصمة، هلسنكي، يتنتظرني رجلا فارع الطول، رشيقا، اشقرا، بشوارب تصلح لادوار افلام الويسترن، وحين اخبرته بذلك اطلق ضحكة مدوية.
حدثني رايمو اولافي نيمي بأنه ولد في قرية شمال العاصمة هلسنكي ،وكان ابيه عاملا، ونشطا في الحزب الديمقراطي الاجتماعي اليساري، الذي في الخمسينات من القرن الماضي ، قرر تحويل قاعة الاجتماعات التي يملكها الى قاعة للعروض السينمائية : ” وبحكم كون والدي صار مشرفاً على القاعة اصبحت أمتلك الحق الدخول مجانا، بل ورؤية كل فلم لاكثر من مرة “.
في عام 1966 وكان لايزال في الدراسة الثانوية، حدث وان شاهد فيلم (لكمة تحت الظهر) للمخرج الفنلندي ميكو نيسكنين (1929–1990)، الذي كان للتو عائد من الدراسة في موسكو، وصار هذا المخرج يدعو في لقاءاته الصحافية الى تقديم افلاما بنوعية تختلف عن السائد في الحياة السينمائية الفنلندية، حيث كان التمثيل يتم باسلوب مسرحي والمواضيع متكررة وسطحية. وفي فيلم نيسكنين الذي مثله ممثلون شباب لازالوا تلاميذا في المعاهد المسرحية والسينمائية، قدم قصة اربعة شباب، شابان وفتاتان يذهبون للغابة وشرح الفلم العلاقات الانسانية وعلاقة الانسان بما حوله : ” اعجبت بالفيلم جدا، يومها قررت ان أعمل في السينما، وبالطبع كنت أرغب في ان أكون ممثلا”. يقول أولافي نيمي.
في المدرسة الاعدادية عمل اولافي نيمي في الصحافة الطلابية، في البدء كان محررا، وثم اصبح رئيسا لتحرير الصحيفة الطلابية لكل محافظة لاهتي، وفي نفس الوقت شارك في اعمال مسرح المدينة ولعب ادوارا بسيطة. وحصل في عام 1968 ان حضر الى مدينة لاهتي المخرج ايركو كيفي كوسكي (1936 ــ 2005) لتصوير فلمه ( القطة الساخنة)، وكان الفلم يدور عن علاقة طالب مع معلمته، التي تعاني من الوحدة بعد فشل في حياتها العاطفية، بينما يعاني الطالب من مشاكل شرب الكحول، واذ تحاول المعلمة دراسة حالته وبالتالي مساعدته سرعان ما تجد نفسها قد انقادت الى علاقة عاطفية وجسدية تحاول الفكاك منها. كان المخرج كيفي كوسكي بحاجة الى كومبارس للفلم، فحضر الى مسرح المدينة وبعد اختبارات، اختار بعض الطلبة وكان اولافي نيمي من ضمنهم ، وحصل ان اسند له دورا صغيرا ليكون اول ظهور له على شاشة السينما : “بعد هذه التجربة صار كل شئ واضحا لي، وحددت طريقي في الحياة “. قال اولافي نيمي بحماس.
بعد التحاقه بالجيش، لجأ الى العمل في صحافة الجيش، ونظم ناديا للسينما في وحدته العسكرية، وتدرج في العمل الصحفي فصار يعمل في الصحافة المركزية للجيش، وفي الجيش التقى بالشخص الذي صار من افضل اصدقائه وهو المخرج والسيناريست تومي يوهاني (1948)، وما جمعهما هو تعلقهما بالسينما، وكان ان انتجا عملهما السينمائي الاول بدعم من منظمات الطلبة اليسارية وبحماس ثوري ، لكن لم تتح لهم فرصة عرضه، لكن الفيلم كان تجربة من خلالها انطلق للعمل في التمثيل في السينما والتلفزيون. وعن طريق الحزب الشيوعي الفنلندي ، حصل على زمالة دراسية في موسكو للفترة 1980 ـ 1986 ، حيث درس السينما على يد اساطين السينما الروسية، وكانت سنوات مهمة في حياته ، يقول : ” اذ صقلت شخصيتي وثقافتي بشكل جيد وهناك تعرفت على ثقافات مختلفة، وكان لدي زملاء من بلدان عربية وامريكا اللاتينية ، ومن بلدان اخرى” .
واذ عاد الى فنلندا بعد نهاية دراسته،واستنادا الى سبع كتب للكاتب الفنلندي اينو سايسا (1935 ـ 1988)، الذي اهتم في اعماله الادبية بالحياة في الريف الفنلندي ، واعادة اعمار البلاد من بعد سنوات الحرب ، كتب سيناريو مسلسل تلفزيوني (وتزهر ارض الثلج الدائم) من خمس حلقات، اخرجها يوكا سبيلا (1936 ـ 2004) وفيها تم تقديم قصة قرية فنلندية من الثلاثينات حتى منتصف السبعينات وما جرى من احداث وتاثيرات ذلك على حياة الناس ، وحاز المسلسل نجاحا جماهيريا ، اعقبه ذلك كتابة واخراج مسلسلات ناجحة اخرى . في 1988 انجز فلما تلفزيونيا، ساعة ونصف، وثم عمل فلما تاريخيا بعنوان ( ملاك مدينة اولو ) وحاز الفيلم على ثناء النقاد، ففتح له الباب امام شاشة التلفزيون ، فاخرج العديد من الاعمال التلفزيونية وواصل الاخراج والتمثيل للسينما، وكانت له مساهمات في عدة مهرجانات دولية وترشيحات لجوائز. وحصل فيلمه “اللطيف ورجل السماء” عام 2002 على جائزة افضل فيلم قصير في مهرجان بلدان الشمال الاوربي .

 

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close