الحجاج بن يوسف الثقفي ظاهرة استحكام السلطة على الدولة

ابوالحكم السعدي

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني

ينسب هذا البيت لذلك الفتى السايكوباتي (اي التعسف والجنون في رهق الدماء كما وصفه الذهبي ” كان في سيفه رهق للدماء”)، ذو ال ٢٥ عام الذي اصبح جندياً لأول الامر في الجيش الأموي ثم قائداً فيه، استطاعت الخلافة الأموية بقوته وعنفه ان توسع قبضتها على كافة حدودها، عاصر اثنان من خلفائها عبدالملك بن مروان الذي وصف الحجاج بجلدة عينه ثم ابنه الوليد الذي وصفه بجلدة وجهه كلها

اقترن ذكره مع عنف دولة الخلافة السياسي، الذي دافعت به عن وجودها وعن نظامها الذي قدمته بوجه كل تهديد لاستقرارها ، من اخطار داخلية . الا ان افتراض وجود دولة بلا مستوى من الردع والتسلط منافي للواقع وضرب من الطوبى او من الخيال السياسي،والخيال الجامح والمنفلت من عِقَال الواقع، لا تستقيم الوظائف الاجتماعية للدولة الا بحيازة أدوات العنف التي يقتضيها التنظيم الاجتماعي.

ان افتراض دولة من دون عنف هو افتراض اللادولة، الفراغ التنظيمي السياسي اي الفوضى!

(الدولة والمجتمع/ د عبد الاله بلقزيز / صفحات متعددة)

لا ينبغي ان يفهم من هذا الكلام انه دفاع عن القمع والتسلط والقهر الذي تأتيه دولة او نظام سياسي، لانه عنف غير مشروع، نتحدث هنا عن مبدأ نظري يقول ان الدولة لا تستطيع ان توجد وان تنهض بأدوارها من دون حيازتها لأسباب القوة والعنف، كما ان العنف لا يمارس لمجرد الرغبة في ممارسته وإلا تحول الى سلوك نفسي واجتماعي مَرضي سايكوباتي تأتيه نخبة حاكمة

( المصدر السابق)

وبالعودة الى الحجاج فقد بدأ حياته كمعلم صبيان كوالده ويقال انه كان يبيع الزبيب، حفظ القران الكريم والشعر وكان ذو بلاغة حيث تشتهر الطائف مدينته بأن الخلفاء العباسيون كانوا يرسلون اولادهم هنالك لتعلم اللغة العربية والبلاغة

وهنا نسأل من ذَا الذي جعل الحجاج الحافظ لكتاب الله ان يكون بهذه القسوة الدموية؟ وما سر ولاءه المنقطع النظير للدولة؟ ونعرض شيء من بلاغته؟ وسر حب ولاة الامر له؟ ولماذا كانت نهايته بهذا الشكل الدرامي؟

هنالك كثير من المؤرخين حاولوا ترقيع اعمال الحجاج وإيجاد مخرج لأثامه ووصفوه بانه حافظ لكتاب الله ومبجلٌ لحفظته، وانه عالم بالحديث ونقل جماعة عنه الحديث؟

قد يكون شيء من ذلك ممكن في ذلك الزمان لا سيما ان الحجاج ولد سنة ٤١ من الهجرة حيث كان حفظ القرآن لأحدهم في ذلك الزمان كما نحفظ اولادنا الفاتحة في زماننا هذا ولاعجب!! اضافة الى تلك العلوم الاخرى

رأى الحجاج الكثير من الولاة والقواد الذين بلغوا الذروة من الشهرة في ميدان الحرب او السياسة مما ترك أثراً هائلاً في نفسه وَمِمَّا ضاعفه اذ كان بعض هؤلاء من قبيلته ثقيف كالمغيرة بن شعبة وزياد بن ابيه والمختار بن ابي عُبَيْد الله الثقفي، فكان لاخبارهم أثراً ملحوظاً في نفسه وطموحاته لذا بدأ الانخراط في سلك الجندية ليثبت بطولاته وشجاعته

يذكر كتاب التاريخ بداية اعجاب عبد الملك للحجاج وتقريبه كان عندما طال القتال بين عبد الملك بن مروان وزفر بن الحارث قائد قرقسياء حيث أرسل عبدالملك وفداً لمفاوضته برئاسة رجاء بن حيوة وكان من بين أعضاء الوفد الحجاج، فدخلت وقت الصلاة وصلى وفد عبدالملك مع زفر الموالي لعبدالله بن الزبير، وصلى الحجاج وحده فسئل عن ذلك فقال لا أصلي مع منافق خارج على أمير المؤمنين وطاعته، فسمع عبدالملك بذلك فزاد اعجابه به ورفع قدره

بعد ذلك تطوع الحجاج لمحاربة ابن الزبير في مكة وبعد ان رمى الكعبة بالمنجنيق وهدم شيء منها ونجح في قتل خصم الدولة اللدود، شرع أهل مكة بالبكاء على ابن الزبير وتهديم الكعبة فقام خطيباً في الناس فقال” يا أهل مكة بلغني استكباركم واستفظاعكم قتل أبن الزبير الا وان ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ونازعها اَهلها فألحد في الحرم فأذاقه الله من عذاب اليم، وان ادم كان أكرم على الله من الزبير وانه قد كان في الجنة وهي اشرف من مكة ولما خالف واكل من الشجرة أخرجه منها، قوموا الى صلاتكم يرحمكم الله !!!

وبعد ان أستتب الامر لعبدالملك في المدينة والحجاز والعراق تنفس الصعداء وأمر الحجاج بالسير للعراق ليكون واليً وحاكماً عليه لمدة ٢٠ عام من ٧٥هجري الى ٩٥ وليمتد حكمه الى الكوفة والبصرة ثم سجستان وخراسان ليصبح بذلك فعليا يملك أراضي ورعية اكثر من الخليفة نفسه! كانت هنالك للحجاج أوامر من عبد الملك بتغير سياسته في الحجاز عند معاملته لأهل العراق، وأمره بالحزم والشدة وضبط الأمن، كوّن ان الجند المكلف بمحاربة الخوارج بقيادة المهلب قد تَرَكُوا مواقعهم والمهلب في الحرب وعادوا بدون إذن، وكانت لدى عبدالملك دراية ورؤية بضرورة استخدام العنف والقسوة مع أهل العراق وهذا كان سبب إرساله للحجاج

وصل الحجاج الكوفة حيث انتشر النهار فبدأ بالمسجد فدخله ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة حمراء متقلداً سيفه متنكباً قوسه وتجمع الناس حوله وسكت سكته طويلة اهمهم بها وأحبوا ان يسمعوا كلامه وكثر الضوضاء والكلام فمنهم من كان يعرف انه الأمر الجديد ومنهم لم يعرف ومنهم من ظنوه واصحابه من الخوارج إذ ان طريقهم في دخولهم المسجد كانت لا تختلف عن ذلك، وقال الناس لعن الله هذا ولعن من ارسله إلينا غلاماً لا يستطيع ان ينطق، قاتله الله ما أعناه وأذمه، وبينما هم كذلك في لغطهم وضوضائهم إذ حسر اللثام عن فيه ونهض قائماً وقال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفونني أنا الحجاج ثم قال خطبته الشهيرة لأهل الكوفة

ومن الخطب المشهورة الاخرى خطبته في أهل البصرة بعد وقعة دير الجماجم حيث قال‏:‏ يا أهل العراق إنّ الشيطان قد استبطنكم فخالَطَ اللّحمَ والدّم والعصَب والمسامِعَ والأطراف والأعضاء والشَّغاف ثم أفضى إلى الأمخاخ والأصماخ ثم ارتفع فعَشّش ثم باض وفرّخ فَحَشاكم نِفاقاً وشقاقاً وأشعرَكُم خِلافاً واتّخذتموه دليلاً تتّبعونه وقائداً تُطيعونه ومُؤامَراً تستشيرونه… الى نهاية الخطبة

حظي الحجاج بتقدير واعجاب عبدالملك، حيث عانى عبدالملك من تطويع أهل العراق فكان هذا مبرر الحجاج في تعسفه، وقد سمى احد ابنائه بالحجاج وقال: سميته الحجاج بالحجاج الناصح المغاور الرماج نصحاً لعمري غير ذي مزاح

وقد أوصى ابنه الوليد في أيامه الاخيرة بالحجاج ان يبقيه على ولايته وكان تولية عبد الملك للحجاج عن تجربة وثقة وأما الوليد فولى الحجاج تنفيذاً لوصية والده وقام بتزويج ابنه مسرور من ابنة الحجاج.

وننتقل الى اخر فصل من الحجاج لا يقل دراما عن بدايته حيث يوصف لنا اخر كتاب ارسله الحجاج الى الخليفة الوليد بن عبد الملك نهاية الحجاج وأخباره بمرضه ودنو اجله

(أما بعد فقد كنت ارعى غنمك أحوطها حياطة الناصح الشفيق برعية مولاه، فجاء الأسد فبطش بالراعي ومزّق المرعى كل ممزق، وقد نزل بمولاك ما نزل بأيوب الصابر وأرجو أن يكون الجبار أراد بعبده غفراناً لخطاياه، وتكفيراً لما حمل من ذنوبه). (محمد ابراهيم/ داهية بني امية/ ص ٥٩ ط الاولى ٢٠١٧)

وهكذا مات الحجاج جسداً و بقى السَّوقة يلهجًون بذكره على ما فيه، توفي سنة ٩٥ من الهجرة، وما زالت الذاكرة التاريخية تستحضره بعد اكثر من ١٣٠٠ عام يسطر الكاتب شيءٌ منها ويقراؤها القارئ الكريم

أتى الحجاج بسعيد بن جبير فقال له أأنت الشقي بن كثير؟ قال: بل أنا سعيد بن جبير، قال بل انت الشقي ابن كثير قال أمي أعرف باسمي منك، وبعد محاورة بين الاثنين قال الحجاج : أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحداً قبلك، ولا أقتلها احدا بعدك، قال اذا تفسد عني دنياي وأفسد عليك آخرتك قال ياغلام، السيف والنطع، فلما ولى ضحك! قال أليس قد بلغني انك لم تضحك؟ قال وقد كان ذلك قال فما أضحكك عند القتل ؟ قال من جرأتك على الله ومن حلم الله عنك، قال ياغلام اقتله فاستقبل القبلة وقال ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين)) فصرف وجهه عن القبلة فقال (( فاينما تولوا فثم وجه الله)) قال اضرب به الارض قال ((منها خلقناكم وفيها يعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى)) قال اذبح عدو الله فما انزعه لآيات الله منذ اليوم، وقبل ان يولى السيف رقبة سعيد دعا ربه قائلا: اللهم لا تسلط الحجاج على أحد بعدي، وسقط رأس سعيد التي كانت تحوي علوماً كثيرة ( راجع مروج الذهب للمسعودي في باب الحجاج الجزء الثاني)

بهذه الدعوة بدأت رحلة الآخرة للحجاج وبدأ مرضه ولَم يُسلط الحجاج على احد بعد سعيد بن جبير

قيل كان موت الحجاج درامياً كحياته، فقد مرض مرضاً غريباً يحكى عنه المؤرخون (كابن خلكان) فكان مرضه بالأكله وقعت في بطنه، ودعا بالطبيب لينظر إليها، فأخذ لحما وعلقه في خيط وسرحه في حلقه وتركه ساعة ثم اخرجه وقد علق به دود كثير!!! وسلط الله الزمهرير ((شدة البرد)) فكانت الكوانين تجعل من حوله مملوءاً ناراً حتى تحرق جلده، وهو لا يحس بها، وشكا ما يجد إلى الحسن البصري فقال له: لقد كنت نهيتك ان تتعرض الى الصالحين فلححت فقال له ياحسن لا أسالك ان تسال الله ان يفرج عني ولكن أسالك ان تسأله ان يعجل قبض روحي ولا يطيل عذابي، فبكى الحسن بكاءاً شديداً، وأقام الحجاج على هذه العلة خمسة عشر يوماً ، وتوفي وعمره ٥٤ سنة، وذكر انه قال قبل الموت اللهم انهم يزعمون بأنك لن تغفر لي فاغفر لي. (محمد ابراهيم/ مصدر سابق ص ١٥٣، والبداية والنهاية لابن الكثير)

لما مات الحجاج لم يعلم احد بموته حتى أشرقت جارية فبكت وقالت ( الا أن مطعم الطعام وميتم الأيتام ومرمل النساء ومغلق الهام وسيد أهل الشام قد مات) ودفن في مدينة واسط وعُفى قبره، واجرى عليه الماء

لما جاء موت الحجاج الى الحسن البصري سجد شكراً لله وقال: اللهم أنك أمته فأمت عنا سُننه، ورؤى الحجاج في المنام فقيل له: ما فعل الله بك فقال: قتلني الله بكل امرئ قتلة واحدة وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة

جلس الوليد للعزاء في موت الحجاج محزوناً مهموماً حتى دخل عليه الشاعر فرزدق فرثى الحجاج وقال:

ليبكِ على الاسلام من كان باكياً

على الدين من مستوحشٍ خائف

وأرملة لما أتاها نعيه

فجادت له بالواكفات الزوارف

وقالت لعبديها أنيخا فعجلا

فقد مات راعي ذودنا بالتنائف

فليت الأكف الدافنات ابن يوسف

يقطعن أو يجثثن فوق السقائف

فما ذرفت عيناي بعد مُحَمَّدٍ

على مثله إلا نفوس الخلايف.

وقال الوليد بعد ذلك ( لاشفعن في الحجاج عند الله)

الحجاج ظاهرة دولة، تاريخية القدم، متجددة الأشكال!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close