من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر في بغداد رواية /الفصل الثاني عشر

ذياب فهد الطائي

الفصل الثاني عشر

إرادة النجاح مهمة، لكن الأهم منها إرادة التحضير للنجاح “.

بوبي نابت

الخريف يغادر صاخبا وغاضبا أيضا ، لم يكتف بموجات الغبار التي تخيم عادة يومين او ثلاثة بل استكمل مغادرته بغيوم رعدية ممطرة ….قال خليف الزاير انها من علامات الساعة ، قال عادل الاستراتيجي بل من اثار احتلال امريكا ، لاتنسوا اليورانيوم المنضب ،قال ابو برنيطة في رايي ان السبب في هذا هو جحافل الدبابات التي قطعت الصحراء من البصرة الى بغداد وهي تحاذر دخول المدن ،
قال مجمان العائد من الشلامجة وهو يشرب شاي نومي البصرة –ما رأيك ؟
قلت –العلم عند الله
حاولت ان أغلق الموضوع
كنت أفكر بالطريقة التي أفاتح بها مجمان لم أكن خائفا وإنما حائرا ومترددا، يحاصرني ضيق باني أدخل مغامرة ستفتح أبوابا لمشاكل غير واضحة المعالم، علي ان أتمالك نفسي وان أبدو هادئا فالتوتر يسبب القلق ،شعرت بان الساق الصناعية تؤلمني ،
قال مجمان – هل قبلت في الدراسة
قالت شيماء هل ذهبت للامتحان ؟
-ربما غدا تظهر النتائج ولكني مطمئن فقد كانت إجاباتي جيدة
-ان شاء الله
-ام شيماء اخبرتني ان واحدة من جاراتها تحدثت معها عن رغبة الشيخ صالح بخطبة شيماء
شعرت بان ركبتي تصطكان فضغطت على أعصابي
تابع – قالت بانه سيشتري لها شقة في الرستمية وسيارة (سايبه) جديدة
بدأ الضوء الابيض يتراقص أمام ناظري .
تابع-شيماء رفضت
إحساس مفعم بالرضا داخلني ليعيدني إلى الواقع .
تابع-هل تعلم انا لا أحب هذا الشيخ فهو لايعرف غير النساء
شعرت اني أفوز بالجولة الاولى.
قلت –لدي رجاء عمي مجمان
نظر نحوي باستغراب ،وضع استكان نومي البصرة في الصحن بصوت مسموع، صالب ساقية والتمعت عيناه بتساؤل لجوج وكأنه يطلب ان أذهب رأسا الى ما أريد قوله ،كانت أصابع يديه مستقرة على المنضدة الصغيرة وكأنه على وشك أن ينهض ،هدوء حذر يرين على وجهه ،شعرت اني أعبر دجلة في ربيع ممطر حيث يتدفق النهر غرينيا شديد الخطورة ،ولكن هذا ما علي ان أفعلة فالعريف يقف خلفي واذا ما ترددت سيدفعني وقد أفقد اتزاني ،
-انت تعرفني جيدا
-نعم
-صحيح اني أزمع مواصلة دراستي ولكني أتقاضى راتبا من الدفاع
-نعم
-ما أريد قوله اني أرغب في التقدم لشيماء
انبسطت أسارير وجهه ،شعرت بدفق من سعادة ،
قال-مبدئيا لامانع ،ولكن…
عاودني الانقباض ، فكرت انه يريد القول ولكنك بساق واحدة ،داخلني حنق مغيض على ساقي الهاربة ،
تابع – ولكن لابد من الرجوع الى شيماء أولا وأمها ثانيا
تتابع اضطرابات مشاعري بين السلب والايجاب فكأني في أرجوحة ترتفع الى الخلف على نحو خطر ثم تعود الى نقطة التوقف ترتفع بعدها الى الأمام ،والان اشعر اني أترك الأرجوحة لأقف على قدمي السليمة والصناعية ،ولكني أقف !
-طبيعي …هذا طبيعي فالزواج توافق بين شخصين وعائلتين ،بانتظار ردكم لنحضر رسميا
ضحك مجمان وطلب استكانة نومي بصرة ثانية – رسميا ! تذكرني بالمعاملات الحكومية ….
توقفت سيارة ،بيضاء مظللة ، على نحو مفاجئ محدثة جلبة وضجيجا دفع بروّاد مقهى خليف الزاير الى ألالتفات نحوها .
قال خليف –الله الساتر كنت أظن انها ستدخل المقهى
اندفع بعض الجالسين الى الخارج يدفعهم الفضول ،ترجل (العكعك )بلمعان ملفت للنظر ، وضع قدميه على الأرض ومدّهما ببطئ قبل ان يحني رأسه ويكون خارج السيارة ، تعمد ألا يغلق الباب وراءه ليتيح للجلسين رؤية شخصين مسلحين في المقعد الخلفي ،والشخص الجالس جنب السائق بشارب أسود يتدلى الى الجانبين ويحجب فمه ، يتطلع بعدوانية ظاهرة.
تقدم العكعك نحوي
-مرحبا شاكر
لم أنهض لاستقباله فكرت ان لا أجعل المشهد متكاملا .
-أهلا استاذ …تفضل بالحلوس
-جئتك أمس على الموعد ولكنك لم تنتظرني
-صحيح فقد كنت في الجامعة لاختبار الدراسات العليا
-لقد نسيت ذلك ،حصل خير …يمكن أن نعوض ما فات الان
-غير ممكن فلدي ضيف
-الموضوع لا يحتمل التاجيل وهو لن يستغرق أكثر من ساعة
التفتّ الى مجمان مستنجدا ،لكنه قال…لا بأس يمكنك الذهاب وعند العودة طمّني.
عبرنا جسر الأحرار ….اجتزنا معرض بغداد الدولي ، لم نتبادل أي حديث ،كنت مشغولا بظاهرة ان مجموعات متناقضة تحاول جري الى العمل معها ، لم اكن قريبا من أي نشاط سياسي ،وكل ما ساهمت به هو بعض المداخلات في نقاشات مقهى خليف الزاير ،إبتسمت وانا أفكر بانهم يصدقون انفسهم بالحديث عن مشاركة الشباب وقضية الوجوه الجديدة التي يتدولها الشارع في حمى الدعاية الانتخابية التي بدأت قبل الموعد المقررلها ، وجدت ان في هذا مفارقة تكشف أن لا شيء سيتغير، قرأت مرة ان الامر مثل منفاخ الحداد يمتلئ ثم يفرغ ،الجميع يندفعون بقوة ولكنهم يتراجعون بذات الزخم الى الوراء، انعطفت السيارة يمينا لتدخل في زقاق نظيف ، الاسفلت فيه كأنه قد تم غسله بالماء للتو ، من وراء أسيجة المنازل ترتفع أغصان خضراء بنضارة زاهية لأشجار الحمضيات ،بعض تلك المنازل أسيجتها من أشجار الياس الداكنة الخضرة والتي تم قصها باشكال مختلفة ،كان أحدهذه البيوت بوّابته على شكل قوس من الياس يرتفع ليسمح بالدخول ،
في مدخل الزقاق نقطة حراسة مكشوفة ،مسلحان يجلسان على كراس خشبية وراء طاولة حديدية عليها جهازي هاتف، شخص ثالث يضع في حزامه مسدسا حربيا يقف وسط المدخل ،أنزل مرافقنا الجالس الى السائق زجاج النافذة وأشار بيده دون ان يتكلم، افسح المسلح الطريق والى اليسار توقفت السيارة ،
كان البيت مسدل الستائر ويتكون من طابقين وفي الواجهة (بالكون )صفّت فيه أربعة كراس وطاولة ، كانت ستارة الشباك المطلة على البالكون مسدلة الستائرأيضا ،ستائر بدا لي انها من النوع الثقيل الذي لايسمح لضوء الشمس ان ينتشر في الداخل ، ستة درجات من مرمر رصاصي يتوجب صعودها لتصل الى الباب الخشبي المصبوغ بلون بني لامع ، في المدخل على اليمين مرآة كبيرة والى اليسار لوحة لأهوار العراق ،ثم باحة واسعة ومجموعة من الأبواب الموصدة ، سكون غريب يسكن البيت وكأنه ينذر بخطر قادم ،العكعك الى جانبي يقودني صامتا ،شعرت بخوف مبهم فقد داخلني شعور بان كل ما أراه ليس واقعيا ،وكأن الزمن الان ليس الزمن في حي النصر وما سيجري لا يمكن التكهن به ، فكل ما يخطر على البال متوقع الحدوث،كان ذات الشعور الذي داخلني ليلة نفّذت رهانا للدخول الى مقبرة في الكرخ .
طرق مرافقي بابا خشبيا مصبوغا بذات لون الباب الرئيس ، صوت عميق وهادئ قال :ادخل
فتح مرافقي الباب وطلب ان أتبعه
-استاذ هذا شاكر من حي النصر
رفع الاستاذ يده مشيرا لنا بالجلوس ،كان شكل الاستاذ وصوته العميق ونظراته المتفحصة والتي تتسم بحدة على استعداد للتصعيد بعدوانية في أية لحظة ، تفسر الجو المحيط بالمسكن.
وضع ورقة كان يطالعها على المنضدة
-اخ شاكر ،هل تعرف السبب لطلب رؤيتك
-بشكل محدد ،لا
-قبل ان نبدأ الحديث أود ان أعرف ما إذا كان خلدون قد تصرف معك بحماقة.
كنت على وشك ان أقول له ان العكعك غير مؤذ بطبيعته ولكني تداركت ذلك،
-كان السيد خلدون غاية في الظرف
طلب الاستاذ شايا دون ان يسألني ، التفت الى خلدون وقال بعد الشاي يمكنك ان تذهب الى عملك ،
كان النور الخافت الذي يتسلل الى الغرفة والسكون العميق والحديث المرسوم بعناية يبعثان فيّ نعاسا خشيت معه ان تأخذني غفوة ، شعرت اني غريب تماما، وفي هذا المسكن كأني قد قطعت الصلة بعالم حي النصر ،مقهى خليف وابو برنيطة وعادل الاستراتيجي يتباعدون كذكريات قديمة ضاعت في تتابع الواقع،
المفارقة هي ان هذا الواقع بطيء في حركته ولكنه ضاج بدلالاته التي تتفاعل في فكري ، كيف يمكن ان أتعاون مع الاستاذ وانا أشعر اني أمام محقق أمني محترف يفرض علي ان أفكر بعمق قبل الاجابة ، وكيف لمثل هذا المحقق ان يكسب في الانتخابات! مع الشيخ صالح يمكنني التنبؤ بالخطوة التالية الي سيتخذها ولهذا كنت اشعر بالثقة وانا أقف أمامه في مقهى خليف الزاير أو في بيته حين دعاني ،كنت أشعر ان المناورة مع الشيخ صالح مثل لعبة (الغميضة ) التي يمارسها الأطفال فهم يتوقعون مكان الاختباء كما ان لديهم قرائن أين سيلجا الاخر ، ولكن مع الأستاذ الأمر مختلف ،أشعر وانا ما ازال مسترخيا بخطر يحفز ذهني ولكنه يترك جسدي للاسترخاء ، كان هذا التناقض المتوازن هو الذي حدد استسلامي للموقف بانتظار ما سيقع ،
قال الاستاذ-أخ شاكر منذ مدة ونحن نبحث في الأحياء الشعبية عن ركائز يمكن ان نبني عليها ، ليس عملنا في الانتخابات ، ولكن عملنا السياسي ، الانتخابات ستتكرر، واذا لم نحقق فوزا اليوم فسنحققه غدا إذا عملنا بجد في خلق ركائز شعبية، أعني بهذا اننا نعمل لقاعدة شعبية واسعة ، ومن هذه المناطق كان حي النصرالذي تسكنه مجموعة كبيرة نسبيا كما انه حي فقير ولكن العديد من ساكنيه يتمتعون بحيوية ، وشبابه في معظمهم متوسطي الثقافة ، كل هذا يجعله موقعا نموذجيا لعملنا ، ما أريد قوله اننا نعمل للمستقبل ،
شعرت اني مقدم على الاشتراك في منظمة سرية تخطط للإستيلاء على السلطة ،ربما جمعية ما سونية ! ما دفعني الى ذلك طقوس الصمت والضوء الخافت والعزلة ،أو ربما حزب البعث بلباس جديد ،
-وبماذا يمكن ان أساعد
كان تساؤلي ساذجا ،لم يكن اختياري إعتباطا ،فهم ربما راقبوا نشاط مركز الزاير الثقافي في المقهى وشخّصوا من يمكن ان يستفيدوا منه وبهذا فهم يعرفون جيدا أين يوظفون جهودي وجهود الاخرين ،
-هذا أتركه لنا ويمكن ان تعيد سؤالك بصيغة أخرى
-كيف … لم أفهم
-ان تسألني وماذا أستفيد أنا ؟
صمت وهو يحدق مباشرة في عيني
-ستكون أحد أعضاء منظومتنا وسيحدد راتب ثابت لك وسنرعى دراستك العليا في الجامعة ، وقد تذهب في بعثة الى امريكا ،
شعرت اني ما زلت أفكر على نحو محدود وكأني من عالم منعزل قضاياه محصورة في حدوده ، لماذا لا تكون المنظمة التي يتحدث عنها الأستاذ تابعة لدولة عظمى أولأحد أذرعها الاستخبارية ،العالم كله مشغول بمستقبل العراق ليس بسبب النفط والغاز والثروات ولكن لموقعه في المنطقة ،
-كل ما تقوله أستاذ،جميل ومنطقي ولكني لا أعرف مع من أتعامل
– ببساطة نحن حزب من ائتلاف مجموعة من رجال الاعمال العراقيين توصلنا الى قناعة بانه يجب استثمار المرونة المتاحة أمام العمل السياسي والبدء بوضع خارطة عمل على مدى ثلاث دورات انتخابية .
اختلطت علي الامور على نحو شعرت اني أفقد القدرة على التركيز
قام الاستاذ من كرسيه الجلدي الدوار وفتح الستارة ليطل على أشجار الحمضيات الممتدة على طول السياج ،بدت شمس كانون الثاني خجلة وهي تشمل بغداد باطلالة لونت زرقة السماء الصافية بخيوط ذهبية كخيوط التطريز في عباءة الشيخ صالح ، تحركت أغصان الشجيرات بحركة بطيئة أضفت على المنظر سحرا اقرب الى المعجزة ،في مثل هذا الشهر من كل عام تكون السماء ملبدة بالغيوم الداكنة والممطرة فيما تتحرك أغصان الاشجار بحركة مجنونة وتصدر أصواتا غاضبة ،
توجه نحوي ،لحظت انه قصير القامة أبرز ما لفت انتباهي عينان واسعتان تتميزان بنظرة غير مستقرة ولكنها مخاتلة ،تبعث شعورا بانها تراقبك وتتسبب في قلق غامض لأنك لا تدرك ما تهدف اليه .
-يمكنك ان تفكر بالموضوع وأنتظر إجابتك في غضون أسبوع
كان هذا يعني إنتهاء اللقاء ، نهضت لأواجهه ، مد يده مصافحا ،إنفتح الباب ليدخل خلدون ،فكرت انهم يشاهدونا عن طريق كامرة في غرفة الأستاذ،
في الطريق سألت خلدون عن الأستاذ ، قال بانه كان عسكريا عمل في الاستخبارات وفي دوائر أمنية ولكنه تقاعد بعد حرب الدخول الى الكويت وتفرغ للعمل التجاري والصناعي ،
كان مجمان قد غادر المقهى حين وصلت ،قال خليف الزاير خيرا ان شاء الله، قلت في مقهاك تنقطع سبل الخير ! ضحك وقال هذا الجواب يستوجب شاي نومي بصرة على حسابي،قلت مازحا ولكن يبقى الرجاء .
كانت أمي تقف عند التنور منهية وجبة المساء تلتقط الأرغفة التي تخصصها لنا عادة اذا نفد ما لديها،كنت مجهدا فلم أتوقف عندها ،القيت عليها التحية ودخلت،
كان أبي أمام التلفاز يبتسم بحيوية وهو يشاهد مسرحية عراقية ،كان أحد الممثلين يضرب على الطبلة في حين كان الثاني يقوم بدور أعمى يرشده الطبال ،قّبلت رأسه وذهبت الى غرفتي، دخلت أمي،
قالت –أين كنت طوال النهار .
-في المقهى وذهبت الى المنصور
-هل من جديد؟
-لا
نظرت نحوي بحب مفعم بالحنان ،توجهت لتفتح الشباك ، قالت الغرفة بحاجة الى تهوية ،المساء يلامس فضاء حي النصر ناعما ،بدت النخلة التي أرتوت تماما من أمطار الأسبوع الماضي يانعة الخضرة تتمتع بحماية السياج الذي بدأت تعلوه ، فرّت العصافير حين فتحت أمي الشباك الذي أصدر صريرا حادا، ، قالت مفاصل الشباك بحاجة الى قليل من الزيت ،جلست على السرير،
-بماذا تحدثت مع مجمان .؟
فاجألني السؤال المباشر ، إذا فان شيماء أخبرتها ، بالتأكيد هذه علامة ايجابية، أشعرني هذا بالارتياح،أولوياتي تتحقق على نحو أشبه بحلم هادئ تتحقق فيه معجزات متتالية ،توجهت الى الشباك المفتوح تخيلت إن النخلة تبتسم لي وإن المساء لم يكن في يوم أجمل منه الان ،
-مع مجمان !
-نعم مع عمك مجمان
أمي جميلة حين تتخابث معي لتكشف أسراري الصغيرة ، أشعر بحنانها ،لم أشأ أن أستمر بالمواربة،
قلت –طلبت منه موعدا لنذهب اليهم لخطبة شيماء
-ولكن شيماء وهي أصدق منك قالت بأنك خطبتها
-ربما ولكنه طلب ان يسأل الأم والبنت
-حسنا …الخير فيما اختاره الله،سيكون العشاء جاهزا بعد قليل
غسلت وجهي لأطرد نعاسا خفيفا بدأ يثقل عيني ،كانت أمي قد أعدّت صينية كبيرة عليها الطعام ووضعت أمام أبي صحنا من الرز والمرق ورغيفا ساخنا فهو لا يستغني عن الخبز ،
كان نومي مريحا تخللته أحلام قصيرة ولكنها كالرسوم السريالية ، كل ضربة فرشاة بحاجة الى من يشرحها لك ، ولكنها مسلية ،شعرت بالبرد وتذكرت إن الشباك الذي فتحته أمي ما يزال مفتوحا ، أغلقت الشباك ووقفت أنظر الى الليل البارد الذي يمنع سكان حي النصر من الخروج من بيوتهم ،يخيم صمت عميق
على الحي ،يتوقف الزمن وتصبح هذه الليلة نقطة عبور ثابتة الى الغد ، الذكريات التي نستعيدها نسقط منها المصاعب فالأمور بنتائجها ،وحتى يقرر مجمان دعوتنا وحتى إعلان نتائج المنافسة على دراسة الماجستير سيظل التاريخ معلقا ،ان حركته منوطة بالمتغيرات ! شعرت بالنعاس يعاودني،
إستيقظت على صوت الصبية الواقفين بانتظار الخبز ،تناولت الشاي وارتديت ملابسي لأذهب الى الجامعة للوقوف على نتائج المنافسة ،عند موقف الباص كانت شيماء صحبة زميلات لها ينتظرن أيضا ،حييت الجميع وصعدنا سوية الى الباص الذاهب الى المستنصرية، في الممر تخلفت شيماء ،مطر ناعم خفيف تدفع به ريح باردة الى الوجوه ، أسرعنا الخطو الى البهو ،وقفت عند إعلان على الحائط ، وقفت جنبها ، مثل الأحلام الجميلة او الذكريات التي تنشط ونحن بنصف اغماضة ،كنت أعيش اللحظات وانا أشم عطرها ،كان يحمل شذى قداح البرتقال في الخريف،
قالت- لقد اخبرني أبي
حاولت ان أجيبها ولكني شعرت بانه يتعذر علي الكلام ،كنت أشعر اني فقدت صوتي تحت تأثير عطر البرتقال الطازج وحمرة وردية غطت وجنتهيا المرتفعتين ، ربما أدركت ما أعانية ، يقولون ان النساء اقدر على اكتشاف التوتر عند الرجل حينما يكون في حالة حب ،
قالت بصوت هامس-سيدعوكم ابي
غادرت بهدوء ، لم أنتبه الى جلبة الجرس وهو يرن داعيا الطلبة لدخول صفوفهم ،الذكريات تدهمك أحيانا على نحو لا تتوقعه، كان أحد طلاب السنة الثالثة يقف ضاحكا وهو يتطلع الى الطلبة المتوجهين الى صفوفهم ،كان يقف الى الجدار ويقهقه كأنه استمع الى نكتة بالغة الطرافة ،حين سألته عما أضحكه، قال بانه يرى الطلبة يركبون سيارة عجلاتها مربعة ، وهو يضحك على حركتهم مع مسيرة السيارة التي ترفعهم وتنزلهم وهم قلقون وخائفون ايضا، تصور…تصور ،
توجهت الى قسم الإدارة ، قال رئيس القسم لقد تم استلام أسماء الفائزين في المنافسة ، نظر في عيني مباشرة ، شعرت بغصة في قلبي ، لم يكن إسمك فيها، قال ذلك بلهجة تشفّي مشحونة بعدوانية غريبة فانا لا أعرفه ولم يسبق لي الإحتكاك به ، استدرت خارجا ،وشعرت بأن جبهتي مبللة بما نضح من عرق، جلست على مصطبة خشبية،استعدت نفسي ببطئ، ذهبت الى غرفة أساتذة قسم الاقتصاد ، كان الدكتور فلاح وحده ، طلب مني الجلوس ، قال لاتتكلم أنت بحالة صعبة ، طلب لي شايا ، إنتظرني حتى انتهيت،حكيت له الموضوع ، كان الدكتور فلاح أحد اكثر الاساتذة قربا من الطلبة ، كان ايضا متمكنا من المادة التي يدرسها والمعروف عنه انه يجيد أربع لغات غير العربية ، ومن النوادر عنه انه يعرف المراجع الذين يركن الى مقولاتهم بكل تفاصيل حياتهم وافراد عائلاتهم ، لا يقتصر هذا على المعاصرين وإنما يمتد الى أكثر من قرن من الزمان،كنا احيانا نستظرف فنسأله كم عدد اولاد( شومبيتر) أو من هي زوجة (ماكس فايبر) ، لم يكن يتضايق كان يضحك وهو يرد ،قال انتظرني ،ترك الغرفة ونسي ان يأخذ نظارته الطبية معه ، قدرت انه كان منفعلا ،هو رجائي الوحيد في الوصول الى تحقيق أمنية حياتي ،حاولت ان أتلهى بالنظر الى الحديقة الواسعة في الخارج ، بعض الطلبه يتمهلون في الدخول رغم البرد لأنهم يغرقون بأحاديث حميمة ، شقراء كانت تنكس رأسها فيتدلى شعرها حاجبا وجهها في حين تبدو ملامح زميلها غارقة بجدية يغطيها شد عصبي يشيع ظلالا داكنة على وجهه،عاد الدكتور فلاح صارم النظرات ،قال ان الامر لا يخلو من التلاعب ،يمكنك ان تعود غدا وستكون لدي كامل الحقيقة ،للغش دائما رائحة .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close