“الإدارة الأميركية ومواقفها ..أين العراق من هذا ؟ 2 – 2”

الكاتب: لقمان عبد الرحيم الفيلي

تطرقنا في مقالتنا الأولى الى الإدارة الاميركية ومواقفها من الملفات المهمة، وفي هذا المقال الثاني دعنا نتحاور لندرس تأثير منهج الرئيس ترامب على منطقتنا المضطربة وعلى وجه الخصوص على بلدنا العراق. لا يمكن للمرء أن ينظر إلى الاتفاق النووي الإيراني بمعزل عن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة وشركاءها الخمسة كانوا يعتقدون ان هناك ميزة جانبية من الصفقة، وان الوقت سيؤدي إلى عملية تعافي في العلاقات وتطبيع، وسيحدث تقارب مع إيران ولو بعد حين.

وقد تم التوصل إلى هذه الصفقة بينما كان التوتر الجغرافي السياسي والحرب الباردة بين الولايات المتحدة وإيران من جهة، وإيران والمملكة العربية السعودية (من اكبر حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة)على الجانب الآخر، تزداد سخونة في اليمن وسوريا والبحرين ولبنان والعراق. بالإضافة إلى ذلك، اعتقدت الولايات المتحدة أنه بالتوصل لهذه الصفقة الجديدة، ستقلل إيران من تركيزها على برامج تطوير واختبار الصواريخ الباليستية. إلاّ ان إدارة ترامب توصلت إلى نتيجة مفادها أن الصفقة لا تحقق فوائدها المرجوة، كما أنه ليس من الضروري ان تلتزم هي بها وخصوصاً وان شعارها اثناء الحملة الانتخابية كان الانسحاب من الاتفاق المذكور. لذلك بدء منهج إدارة ترامب بشأن ايران عن طريق المزيد من الاحتواء القاسي، ومعاقبة هذا البلد وإهانته، والسعي الى شل اقتصاده، مع الاشارة إلى استعدادها لمواجهة طهران في أنحاء الشرق الأوسط، وهنا بيت القصيد بخصوص العراق.

هل أن لهذا الأمر من علاقة مع العراق؟ نعم بالتأكيد، ولعدة أسباب، حيث يعتبر العراق شريكاً اقتصادياً رئيساً لإيران وتجري يومياً أنواع مختلفة من الصفقات التجارية عبر العديد من القطاعات ومن خلال عدد كبير من المعابر الحدودية. من ناحية أخرى، الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي وقع العراق معها اتفاقية الإطار الستراتيجي عبر العديد من القطاعات الحيوية، وسيظل العراق بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة في مجالات مختلفة مثل مشاريع البنى التحتية فضلاً عن أهمية الملف الأمني وتطوير قدرات العراق العسكرية وخصوصاً ان “داعش” انتهى عسكرياً ولكن خطره وتهديده الأمني والايديولوجي لا يزال.

لا يمكن للمرء أن يقول بثقة ما الذي سيكون عليه شكل ردود الافعال الإيرانية لهذه التدابير الاميركية الشرسة، هل ستنحني إلى الضغط في حال وجود جبهة موحدة قوية ضدها؟ أم أنها ستسعى إلى الحد من التواجد الأميركي عبر دول ثالثة مثل العراق؟

وهل يمكن أن تصبح هذه الحرب الباردة بين إيران والولايات المتحدة أكثر سخونة لتتحول الى حرب فعلية؟، وهنا يجب الاشارة الى صعوبة ايجاد دعم داخلي للإدارة الاميركية حيث سبق وأن ألقت إدارة ترامب باللائمة على أسلافها في إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في حروب لا يمكن الفوز بها وغير قابلة للاستمرار.

من جانبنا، لا نعرف بعد هدف الولايات المتحدة بالضبط، هل هو تغيير النظام في طهران أم مجرد احتواء فيما يتعلق بتدخل الجغرافيا السياسية الإيرانية المقترنة بزيادة تسليحها وتهديدها لإسرائيل؟

وبالمثل ما هو الأثر السلبي المحتمل على الامن الوطني والتنمية الاقتصادية للعراق؟ كلا البلدين مهمان بالنسبة الينا كثيراً، وكلاهما شريكان في معالجة التحديات الرئيسة التي نواجها. مع عدم معرفتنا بالضبط للأهداف الاميركية، علينا في الوقت نفسه ان لا نكون ضحية للتناقضات والمخاطر التي قد يريد الاخر ان يدخل فيها.

في ظاهر الأمور ترى مشروع اميركي للخروج من سوريا والدخول في صراع مع ايران من خلال سياسة احتواء اولاً. هل يمتثل العراق لهذه الرغبات لكي لا نخلق لأنفسنا من الولايات المتحدة عدواً؟ لا اظن، اذ المنافع محدودة جداً ناهيك عن انها ستضر العراق ايضاً، وسرعة تغيير المنهج الأميركي لايبعث فينا الاطمئنان. فالمتغير الأميركي الرئيسي الجديد هذا يجعلنا نفكر ان لا نكون طرفاً في رهان إقليمي لأميركا او ايران، لأننا حينها لا يكون رهاننا على ارض غيرنا بل في عقر دارنا، اين المنطق في ذلك؟

وخصوصاً وان عواقبها الداخلية ستكون مؤثرة سلباً على استقرار وتنمية العراق. ولقد انهى العراق تواً إجراء انتخابات عامة جديدة قد تظهر فيها قيادة جديدة أو قد تتجدد القيادة الحالية لرئيس مجلس الوزراء د. العبادي. فيما يتعلق بنوع العلاقة بين البلدين، على مدى السنوات القليلة الماضية، أدرك المسؤولون الأميركيون والخبراء المعنيون انهم متفائلين بحذر مع العراق. بالنسبة لهم هناك قناعة انه بغض النظر عن شخصية رئيس مجلس الوزراء العراقي القادم، فمن غير المحتمل أن يضع مصلحة إيران فوق مصالح العراق.

وستظل أولوية الولايات المتحدة في العراق شراكتها في مكافحة الإرهاب وفي القتال ضد “داعش”، لكن هل سيتجاوز ذلك التركيز الشديد على احتواء إيران؟ بعض التطورات الاميركية الأخيرة تكون قد اختبرت بالفعل هذا النهج الجديد. اذ علينا ان نرى الإدارة على ما عليها الان وليس بعيون العام الماضي او اثناء تسنم الرئيس ترامب لمقاليد الحكم.

يحتاج العراقيون، حكومةً ومجتمعاً، إلى رؤية الولايات المتحدة بشكل مختلف عن ذي قبل، فالواقع الجديد يقول بان المصالح الأميركية هي المحرك الوحيد لسياستهم الخارجية، وأن الأخلاق والديمقراطية والفضائل الاميركية العالية ليست هي الدوافع الرئيسة الان. وحتى يتم الانتهاء من صياغة الصورة الكاملة لهذا الرأي الجديد، يجب على العراقيين توخي الحذر في تعاملهم مع التحديات الإقليمية الحساسة مثل ملف سوريا والنووي، ولا ينبغي أن تضعنا سياساتنا الإقليمية في موقف يجب أن نختار فيه بين جارنا أو شريكنا الدولي عندما يتنافسان في مكان آخر، لأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى نتائج عكسية ويضر بأمننا وتنميتنا.

التوازن في العلاقة ومعرفة الخطوط الحمراء والخضراء والصفراء للأطراف المعنية مهم جدا، كما ان علينا نحن العراقيين ان نبين ونعلن للآخرين الخطوط العراقية الحمراء. هل ينبغي لنا نحن العراقيين، أن نتساءل عما إذا كانت الولايات المتحدة ستبدأ في التعامل مع العراق كمنطقة ساخنة أخرى في حملتها الإقليمية الواسعة المناهضة لإيران؟ علماً ان العراق والولايات المتحدة لا يزالان يشتركان في حملة مشتركة كبيرة في الحرب ضد الإرهاب الداعشي، وهذا المسار لا ينبغي أن ينحرف بسبب الحملة الأميركية ضد إيران، حيث ان هذه المهمة المشتركة لم تكتمل بعد. العراقيون جميعاً قد يكونون متفقين على الخشية من ان يكون العراق ساحة لتصفية الحسابات الإيرانية-الاميركية، لكن السؤال: ما هو رد فعل العراق(حكومة وشعباً)؟ خاصةً في ظل وجود تأثير سياسي قوي للولايات المتحدة والجارة ايران في الساحة العراقية. هل علينا ان نخشى التأثير السلبي لهذا الصراع القوي على صياغة تشكيلة الحكومة العراقية القادمة واحتمالية تقديم بعض الأطراف السياسية العراقية تنازلات على حساب مصلحة البلاد من اجل حسابات حزبية او كتلوية ضيقة؟

بالنسبة لعلاقة الولايات المتحدة مع العراق، فان أمن واستقرار العراق يجب ان يعدان أمرين حيويين لأمنهما الوطني والإقليمي. وبخصوص العراق والمنطقة، فمن الضروري على الولايات المتحدة أن تفكر في العواقب المقصودة وغير المقصودة على عقوباتها القوية والشرسة ضد إيران. وخصوصاً بعد التعافي الأخير للعراق من احتلال “داعش” لأجزاء من بلاده، كما تحتاج إيران إلى النظر إلى أمن العراق كجزء لا يتجزأ من أمنها. وهنا يتعين على الولايات المتحدة وإيران أن يكونا حذرين في عدم السماح بتدفق عداواتهما إلى العراق.

وعلى الجانب العراقي أن يقوم بدراسة تحليلية مفصلة للغايات والنتائج المتوقعة للعقوبات الأميركية على إيران ومعرفة الأثر على السياسة والاقتصاد العراقي لكي لا يكون العراق ضمن منطقة الاستهداف الأميركي في عملية الحصار. وهنا يجب أن تقوم حكومة العراق بتقييم المخاطر الرئيسة لهذه العقوبات وتخفيف تأثيرها السلبي علينا. اذ اللعب في الوسط، كما يحاول العراق ، سيكون أصعب بكثير من السابق.

وأخيرا نقول : إن الحوار بين الولايات المتحدة وايران هو الحل المثل ولكن ربما لا يحدث هذا الا بعد حين. الإدارة الاميركية ستكون قريباً، مع انتخابات الكونجرس في نهاية هذا العام، عند مفترق طرق، فأما ترى ان مساحة حركتها ومناوراتها توسعت ولديها اطمئنان على دعم داخلي لسياساتها الخارجية الشرسة او انها ستكون محددة ومقيدة الحركة وبالتالي تقل خياراتها. علينا الترقب والسعي.

اللهم احفظ العراق

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close