حتى هتلر وجد في البكاء الدواء الشافي !

* د. رضا العطار

كان ادولف هتلر دكتاتور المانيا، يحمل في صدره قلبا من صخر، هكذا وصفه تشرشل. لكن هتلر كان له رأي آخر عن نفسه. لقد كتب في مذكراته يقول :
( لقد كانت دموعي طيعة، بكيت كثيرا، ولكنني كنت احرص دائما على ان ابكي وحدي بعيدا عن عيون الاخرين – كنت اذهب الى حجرة مكتبي واوصد الباب – وعندما أتأكد انه لم تعد هناك عين واحدة تراقبني، انفجر باكيا كما يبكي الاطفال – –
ويضيف قائلا : لقد تقدم بي العمر وانقضى منه الكثير ولم يبق منه الا القليل. وعرفت خير هذه الحياة وشرها وذقت حلوها ومرها مستمدا منها اروع المعاني والعبر واجل الافكار في الايمان والاطمئنان، مسجلا اخلد الاحداث في ذهني = احداث الحق والعدل والتضحية والايثار والصدق والصبر على المكاره – – لقد قضيت من عمري شوطا كبيرا وانا افتش عن السعادة الابدية في كل مكان، فدخلت القصور الشامخة واكواخ الفقراء والمساجد والسجون وتنقلت بين احضان الطبيعة بحرا وبرا وسعيت اليها في المجتمع الانساني على اختلاف حالاته، لكن دون طائل – وفي اخر المطاف حين كان العمر ينقضي، ادركت ظلال السعادة وعلمت انها لا توجد الا في ذات الانسان – نفسه )
ولسان حاله يقول :
وعلمت حين العلم لا يجدي الفتى * * ان التي ضيعتها كانت معي

بين زملائي الاطباء لدي صديق متخصص في علم النفس، فسألته رأيه بهذا الشأن – فقال : اذا ضاقت بك الدنيا، اوصد الباب على نفسك وابك حتى تشعر بالراحة – فذاك هو الدواء الشافي لمن هو في عمرنا، ثم قال : الا ترى بياض راسي ؟ ألم يك ذلك علامة حزني على شبابي ؟ ألم تتذكر ما قاله الشاعر :

اذا كان البياض لباس حزن * * لأندلس فذاك من الصواب
ألم ترني لبست بياض شيبي * * لاني قد حزنت على شبابي

فقلت له : اما انا فقد وجدت ضالتي والزاد المفضل لعمري – فقال وكيف ؟ قلت : في عالم الكتب كما قال : وليام جيمس – وهو من مشاهير علماء النفس الامريكيين :
( ان عالم الكتب هو اعظم خلق حققه الانسان – فلم يبق شئ، خلد الانسان مثلما خلدته كتبه – – – فالاثار تتهاوى، والامم تنمو وتزدهر لكنها لا تلبث ان تشيخ وتموت وعصور النور تختفي وراء عصور الظلام والاجناس تنقرض وتقوم فوق قبورها اجناس اخرى جديدة – كل هذا يحدث – بينما نجد ان عالم الكتب تلك المجلدات الضخمة التي تحوي في بطونها كل هذه الاحداث التي مرت وتمر بالبشرية – باقية بعد ذلك حية شابة لا تهرم ولا يتقدم بها العمر وكانها ولدت اليوم لتنتقل الى قلوب الاجيال الحاضرة – ما كان يدور في قلوب ورؤوس الملايين الذي سبقوهم منذ قرون بعيدة خلت )

فقلت لصديقي الا تتذكر ما قاله – سومرست موم – الكاتب الانكليزي حينما طلبوا منه ان يترك القراءة ويطلب من السكرتيرة ان تقرأ له بعدما ظهرت اعراض الضعف على عينيه – – قال : ( انكم كمن جاء يطلب مني ان اعيش بلا غذاء واتكفي بما تأكله سكرتيرتي لأشبع انا – – انني لا استطيع ان اكف عن القراءة رغم ضعف بصري لان القراءة مصدر سعادتي واني كلما انتهي من قراءة كتاب، اشعر بان اسلوب كتابتي قد تحسن)، فقلت لصاحبي كلامك حق ولاباس من ان تسمع الشاعر ما يقول :

المرء كالظل ولا بد ان * * يزول ذاك الظل بعد امتداد
ما تمه في الارض لكن له * * عرس على السبع الطباق الشداد
طرقت يا موت كريما فلم * * يقنع بغير النفس للضيف زاد

* مقتبس من كتاب (عالم بلا سياسة) لمؤلفه نذير فنصه.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close