“فاجعة قرقنة”.. الشباب التونسي يواصل امتطاء قوارب الموت

كاتب وبا


حث وإعلامي تونسي


2018-06-20

فاجعة أخرى عُدّت الأعظم ضرراً في تاريخ الهجرة السرية هزّت شاطئ البحر الأبيض المتوسّط مؤخراً، مخلّفة أكبر حصيلة غرقى من التونسيين والأجانب، طارحة من جديد أعتى الأسئلة وأشدّها حرقة: من المسؤول عن موجات الهجرة السرية إلى الضفة الأخرى من المتوسط؟ وكيف السبيل إلى الحد منها في ظل ظروف أمنية صعبة ووضع اقتصادي هشّ؟

تلك أبرز الأسئلة المستعادة التي طرحت بعد “فاجعة قرقنة” لم يتضح إلى حد الآن العدد الإجمالي للغرقى الذين ابتلعهم البحر في ليل 3 حزيران (يونيو) الجاري بعد أن تعطل المركب الذي يحمل قرابة أربعة أضعاف حمولته.

الحصيلة الأثقل!

في حصيلة مؤقتة بتاريخ 9 حزيران (يونيو)  الجاري، كشف رئيس قسم الطب الشرعي بالمستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بصفاقس، سمير معتوق، أنّ عدد الجثث التي تمّ انتشالها إثر كارثة غرق مركب مهاجرين بسواحل قرقنة بلغ 81 جثّة، علماً أنّ الحصيلة مرشحة للارتفاع في ظلّ تأكيدات بعض الناجين أنّ المركب كان يقل 180 مهاجراً على الأقل، وقد أعلنت وزارة الداخلية في بلاغ لها أنّه تم إنقاذ 68 شخصاً من بينهم 8 أجانب.

وأوضح معتوق، في تصريح إعلامي، أنّه تم تسليم جثث 49 غريقاً لعائلاتهم ودفن 20 جثة تعود لمواطنين أفارقة في مقابر فردية بالتنسيق مع منظمات دولية، وأضاف “من المستحيل العثور على مجموعة من الجثث بسبب التيارات المائية.. كل يوم تجذب التيارات المائية الجثث بمعدل 90 كلم، وإلى غاية هذا اليوم بلغ معدل الجذب 500 كلم، وبالتالي من الوارد جدّاً أن تكون الجثث قد وصلت إلى أقطار أخرى على غرار ليبيا وإيطاليا ومالطا وعدد من السواحل التونسية”.

فاجعة قرقنة تعُدّ الأسوأ في تاريخ الهجرة السرية للتونسيين عبر البحر المتوسّط

واعتبر الحقوقي والناشط في المجتمع المدني عبد الرحمان الهذيلي أنّ الحادثة أسفرت عن “أكبر” حصيلة في تاريخ الهجرة السرية أو ما يعرف بـ”الحَرْقَة”، خصوصاً أنّ عدد الضحايا فاق حتى حادثة المركب الذي اصطدم بباخرة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي مخلفاً العشرات من الضحايا والمفقودين، كاشفا في هذا الصدد أنّ عدد الضحايا في مركب قرقنة يفوق 110 ضحايا “ولم نعرف هذا العدد في تاريخ الهجرة”، حسب ما نقلته إذاعة “موزاييك إف أم”.

تفاصيل مرّة

بعض الناجين أدلوا بشهاداتهم بعد الحادثة لوسائل الإعلام كاشفين حقيقة ما حصل؛ وقال فخر الدين الناجح، وهو أحد الناجين من الفاجعة وهو أصيل معتمدية البئر الأحمر بتطاوين (الجنوب التونسي) في حديث لإذاعة “موزاييك إف أم” إنّه بعد الاتصالات الأولية مع منظم “الحرقة” تحول الشباب إلى صفاقس ومكثوا أياماً إلى حين تنظيم عملية التحول إلى جزيرة قرقنة؛ حيث تنقل الجميع في سيارات معدة للتبريد frigo إلى جانب الشاطئ من جهة صفاقس ليجدوا في انتظارهم قوارب صغيرة نقلتهم إلى قرقنة ليقيموا بمنازل معدة الغرض.

اقرأ أيضاً: الهجرة غير الشرعية تحيي تجارة الرقيق في ليبيا!

وبعد 8 أيام، تحولوا ليلاً عند موعد الإفطار إلى مكان قريب من الشاطئ ليتم نقلهم في زوارق صغيرة إلى قارب “الحرقة” الذي لا يتسع إلا لـ50 شخصاً، وإثر استكمال نقل كافة الشباب الذين يتراوح عددهم بين 180 و210 انطلق القارب في عرض البحر.

وبعد ساعتين من الإبحار نبّه منظم “الحرقة” إلى وجود خلل في المحرك وصعوبة المواصلة، وهو ما تسبب في حالة من الذعر في صفوف الجميع وبدأ الماء ينفذ إلى القارب وبحركة غريبة من الربان اتجه عكس الأمواج فانقلب القارب وغرق، على حد تعبيره.

تحرك وزير الداخلية، المُقال إثر الحادثة، إلى جزيرة قرقنة للوقوف على الحادثة وأسبابها

تحرك وزير الداخلية، المُقال إثر الحادثة، إلى جزيرة قرقنة للوقوف على الحادثة وأسبابها

تحرك رسمي

وتحرك وزير الداخلية، المُقال إثر الحادثة، إلى جزيرة قرقنة للوقوف على الحادثة وأسبابها على عين المكان، وأكّد أن القوات الأمنية ستتمركز عاجلاً بالجزيرة “من أجل سد الفراغ الأمني بها والتصدي للجريمة المنظمة مع العمل في كنف التناغم والتكامل مع أهالي المنطقة”.

من جهته قام رئيس الحكومة يوسف الشاهد بزيارة جزيرة قرقنة بعد يومين من الحادثة للوقوف على الوضع مباشرة، حيث التقى القيادات الأمنية و”أبدى امتعاضه مما حصل”، رغم التعليمات التي أسداها في تشرين الماضي (أكتوبر) إثر حادثة غرق مشابهة.

وأعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد خلال الزيارة تركيز مجمع أمني في جزيرة قرقنة خلال الأيام المقبلة، إضافة إلى مراجعة المنظومة الأمنية في الجزيرة وتشديد الردع ضد منظمي رحلات الهجرة السرية.

في حصيلة مؤقتة بلغ عدد الجثث التي تمّ انتشالها 81 جثّة والعدد مرشح للارتفاع

وأكد رئيس الحكومة عزمه على تعزيز الحضور الأمني في جزيرة قرقنة وتلافي الإخلالات المسجلة، وتتبع من وصفهم بـ”تجار الموت” والعصابات المنظمة التي تغرّر بالشباب التونسي، وذلك بالتوازي مع معالجة الإشكاليات التنموية والعمل على تفعيل الإتفاقات المبرمجة في الغرض سابقاً، وفق تصريح لـ”موازييك إف أم”.

توطؤ أمني؟

حال انتشار خبر الكارثة عجّت مواقع التواصل الاجتماعي وخصوصاً فيسبوك بالتحليلات التي كان أبرزها ما تم تداوله عن وجود تواطؤ أمني والتلميح إلى رشاوى سهّلت عبور الشباب إلى جزيرة قرقنة.

وأعلن الناطق الرسمي باسم محاكم صفاقس مراد التركي أنّ وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بصفاقس قد فتح بحثاً تحقيقياً “حول ما راج من وجود تواطؤ أمني في عملية الإبحار خلسة التي جدت في الليلة الفاصلة بين 2 و3 حزيران (يونيو) الحالي والناجم عنها الموت، طبقاً لأحكام الفصل 31 من مجلة الإجراءات الجزائية”.

أحد الناجين أكد أنّ حمولة القارب لا تتجاوز 50 شخصاً لكنه كان يقل قرابة 200 مهاجر

وأكد التركي في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء أنّ هذا التحقيق مبني على ما راج على مواقع التواصل الاجتماعي من تدوينات متعددة تشير إلى وجود “تواطؤ في عملية الإبحار بقرقنة بما تولدت عنه فاجعة وهي موضوع القضية التحقيقية بذات المكتب المذكور”.

إقالات بالجملة

وفي بلاغ لها بتاريخ 6 الشهر الجاري أعلنت وزارة الداخلية عن إقالة عشرة مسؤولين كبار من القيادات في سلكي الأمن والحرس الوطنيين بقرار من وزير الداخلية، وأشار البلاغ إلى أنّ “الأبحاث العدلية والإدارية لاتزال جارية لاتخاذ المزيد من الإجراءات اللازمة في الغرض”.

غير أنّ الإقالات لم تكتف ببعض القيادات الأمنية؛ بل طالت وزير الداخلية لطفي براهم نفسه الذي أعفي من منصبه في اليوم نفسه، وكلف رئيس الحكومة وزير العدل مهامّ وزير الداخلية مؤقتاً، ويرجح أن إقالة براهم كانت على خلفية كارثة قرقنة الأليمة بالأساس.

في غياب الحلول.. الجرح ينزف

 

عادة ما تسارع الحكومة في كوارث مماثلة إلى تشديد الإجراءات الأمنية، وإجراء حملات أمنية وإقالة عدد من المسؤولين وتقديم مساعدات الإحاطة بالناجين من حوادث الغرق، غير أنّ حلولاً كهذه لا يمكن أن تحد من رغبة الشباب في اجتياز الحدود البحرية إلى الضفة الثانية من المتوسط أمام انسداد الأفق في وجوههم، وتعطل عجلة التنمية وضعف الإرادة السياسية والرغبة في التغيير الحقيقي.

فبعد كارثة بهذا الحجم كان يفترض أن تتقلص محاولات فرار الشباب اليائس إلى الضفة الأخرى من المتوسط هرباً من حيتان البر التي استحوذت على رأس المال وعلى القرار السياسي، وعطّلت التغيير الحقيقي وتحسين وضعية مئات الآلاف من الشباب العاطل من الّذين ثاروا منذ أعوام على التنمية المعطوبة، غير أن حيتان البحر يبدو أنها ماتزال بالنسبة لهم خياراً أقل قسوة وإيلاماً.

في غياب الحلول الجادة والجذرية يواصل الشباب التونسي امتطاء قوارب الموت رغم الفاجعة

وفي غياب الحلول الجادة والجذرية يواصل الشباب التونسي امتطاء قوارب الموت رغم الفاجعة، فقد أحبطت القوات الأمنية محاولة 7 أشخاص بينهم 5 مغاربة اجتياز الحدود البحرية خلسة بعد الكارثة بيوم واحد؛ وفي اليوم التالي (بعد الكارثة بيومين) تمكنت الوحدات الأمنية بجزيرة قرقنة ولاية صفاقس من القبض على 12 شخصاً بشاطئ “العطايا” بجزيرة قرقنة أصيلي ولايتي القصرين وسيدي بوزيد، كانوا يعتزمون اجتياز الحدود البحرية خلسة بإتجاه إيطاليا من بينهم الوسيط في العملية؛ وفي 9 حزيران (يونيو) الجاري داهمت الوحدات الأمنية منزلاً بقرقنة وضبطت بداخله 24 شخصاً من مختلف ولايات الجمهورية تمّ إيواؤهم بالمنزل المذكور تحضيراً لعملية اجتياز للحدود البحرية خلسة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close