ابو نؤاس في سطور ،

د. رضا العطار

لم يقتصر نظم الشعر في العصر العباسي على الغزل الأباحي فحسب انما كان هناك الشعر العفيف الذي كان شعراء نجد في الحجاز يمدونه بالأدب الرصين , وكانوا يدعونه بالحب العذري او الحب الأفلاطوني المتسم بالأدب السامي الرفيع , نورد منها نموذجا على سبيل المثال للشاعرة العباسية عريب :

ادور في القصر لا ارى احدا * * اشكو اليه ولا يكلمني
حتى كأني اتيت بمعصية * * ليس لها توبة تخلصني
فمن شفيع لي الى حبيب * * زارني في الرؤيا وصالحني
حتى اذا الصباح عاد لنا * * عاد الى هجره وقاطعني
يتضح للقارئ الكريم ان صفحة الحياة التي كانت مثقلة بالفضائح الأخلاقية في المجتمع العباسي , كانت تقابلها صفحة اخرى مضيئة بشعر الورع والتقوى , ففي الوقت الذي كانت المواخير في ضواحي بغداد تعج بالجواري والغلمان تفوح منها رائحة المعاصي والموبقات , كانت مساجد بغداد والمدن العراقية الأخرى عامرة بالصالحين من العباد يعلو فيها صراخ الوعاظ في وجه الفساق والفجار من فوق المنابر ان يخافوا الله ويزدجروا , كان بينهم الشاعر الزاهد ابو العتاهية الذي يناجي ربه قائلا :

الهي لا تعذبني فأني * * مقر بالذي قد كان مني
ومالي حيلة الا رجائي * * لعفوك ان عفوت وحسن ظني …..الى اخر القصيدة
لكن ما ان اذن سن ابي نؤاس بالمغيب وخطه الشيب ورأى نفسه يقف على اخر عتبة نخرة واهية من عتبات الحياة حتى اخذ يفيق من سكره مفكرا في الحياة وعواقبها وفي البعث والنشور والموت والفناء , وبدأ ينيب الى ربه مرددا انغاما مختلفة في الزهد والدعوة الى الأنصراف عن شهوات ومتاع الدنيا الزائلة والأعداد للأخرة بالتقى والعمل الصالح , فقد تصوف , وتحول الى ناسك وعلته مظاهر الزهد والتقوى , فظهرت علامات السحود في جبهته واطال لحيته وحمل التسابيح في يمناه والمصحف في يسراه , مبتهلا الى الله ان يغفر له ذنوبه مستعطفا عفوه ورحمته :

لهف نفسي على ليالي وايا * * مي تجاوزن لعبا ولهوا
واسأنا كل الأساءة يا رب * * فصفحا عنا الهي وعفوا
وهذا النظم من الشعر العفيف يكتبها في ايامه الأخيرة :

يا طالب الدنيا ليجمعها * * اسلك سبيل الخير واجتهد
واعمل لدار انت جاعلها * * دار القيامة اخر الأبد
مات ابو نؤاس الرجل وبقى ابو نؤاس الشاعر بكل ما في شعره من مفارقات وابعاد وضروب من الفكر والكفر والخواطر , حاملا في كنهها عظة الأيام وامثولة الدهر ,
ونحن مدعوون لألقاء الضوء على اعماله الشعرية لمعرفة اهدافه وارائه وخصائصه وتقييم فنه وتحديد مكانته , علما ان النقاد اعتبروه بالأجماع سلطان شعر الغزل جلس على عرشه بأستحقاق , فكان في القمة عبر الدهور دون منازع .
توفي ابو نؤاس عام 199 للهجرة , بعد ان عاش 59 عاما . وعندما رفعوا جنازته , وجدوا تحت فراش موته هذه الأبيات :

يا رب ان عظمت ذنوبي كثرة * * فلقد علمت بأن عفوك اعظم
ان كان لا يرجوك الا محسن * * فمن الذي يدعو ويرجو المجرم
ادعوك ربي كما امرت تضرعا * * فأذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي اليك وسيلة الا الرجا * * وجميل ظني , ثم اني مسلم

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close