يريفان وبابل والجنائن المعلقة

بقلم : عبد الهادي كاظم الحميري

يرى المسافر على طريق حلة بغداد عام 1986 و1987 زحمة من النعوش الملفوفة بالأعلام العراقية قادمة من جبهات الحرب العراقية الإيرانية في طريقها لزيارة ذويها للمرة الاخيرة أو في طريقها الى مثواها الأخير في وادي السلام بعد إكمال تلك الزيارة ويندهش عندما يرى أيضا تزاحم ناقلات النعوش مع الشاحنات الكبيرة المحملة بالأتربة الداخلة الى بابل والخارجة منها فارغة لجلب المزيد من التراب .

تساءل البعض آنذاك عما يحدث والحرب الهوجاء تحصد الآلاف من الشباب وأجاب الآخرون أن الرئيس القائد يشيّد جبالاً في بابل ربما لبناء جنائن معلقة جديدة أو قصور ويهمس الآخرون ولم لا إنه حفيد نبوخذ نصر .

في تلك الأيام جاءني صديق بطران وفي يده نسخة من صحيفة قرأ منها أن الحكومة العراقية أعلنت مسابقة عالمية وخصصت جائزة ضخمة لمن يستطيع أن يُقنع الماء بالصعود الى الجبل والجنائن المعلقة دون إستخدام المضخات والتقنيات الحديثة وتساءل هل هذا ممكن ؟

قلت له ممكن جداً .

تحفز صاحبي مستغرباً وقد ضاع عليه الجد من الهزل وقال أعطني الفكرة وسأقاسمك الجائزة . قلت متصنعاً الجد سأعطيك الفكرة التي تبدوا منطقية بشرط أن لا تبوح لأحد عن مصدرها مهما حصل لك وسيكون جزاؤك أحد أمرين : الجائزة الكبرى وهي حلال عليك وأما أن يقطع رأسك و يرمى بجثتك من أعلى الجبل كما رمى النعمان المعمار سنمار من أعلى قصر الخورنق للحفاض على سر بنائه .

قلت له : تتفق معي أن هناك عدد هائل من الرفاق الحزبيين منهم من يقاتل في الجبهة بدون مقابل في الجيش الشعبي ومنهم من يحرس المقرات الحزبية والمباني الحكومية بدون مقابل ومنهم من ذهب يحش قصب البردي في الأهوار دون مقابل وليس من الصعب على الرئيس القائد أمر العدد الكافي منهم للتناوب على سقي الجنائن المعلقة .

وهنا قال صاحبي ولكن كيف ؟

قلت : يقام درج (سُلّم ) بعرض مترين مخفي داخل نفق متدرج الصعود في جسم الجبل ينفتح في قاعدته السفلى على شط الحلة وفي نهايته العليا على حوض كبير تؤخذ منه أنابيب أو سواقي لسقي الجنائن ( على أن تخفى البداية والنهاية عن الأنظار لتتحقق المعجزة ).

يصطف الرفاق في طابورين على مدرجات النفق ويبدأ اولهم بملأ سطل أو دلو الماء وتمريره الى الرفيق الذي يليه وعند القمة يسكب آخر رفيق في الطابور الصاعد الماء في الحوض ويسلم الدلو الفارغ الى أول رفيق في الطابور النازل ليمر على الرفاق حتى القاعدة ليملأ بالماء مجددا ويصعد عبر الرفاق بنفس الطريقة في النسغ الصاعد حتى الحوض وهكذا …

والشيء بالشيء يذكر فقد بحثت في موضوع تصعيد الماء للجنائن المعلقة الآن ويبدو أن العلماء لم يتوصلوا الى نظرية أكيدة بهذا الشأن لحد الآن ويرجحون أن الماء كان يصعد بواسطة عجلتين كبيرتين واحدة في الأسفل عند النهر وأخرى في الأعلى عند الحوض يرتبطان بسلسلة تحمل سطول / دلاء الماء التي تملأ أثناء دوران العجلة السفلى ودخول جانب منها الماء وتفرغ في الحوض الأعلى بدوران العجلى العليا ويبدو لي أن نظرية الرفيق والسطل قد لا تكون بعيدة عن الواقع آنذاك حيث توفر لنبوخذ نصر في حينه أعداد كبيرة من الأسرى والعبيد والتابعين وأَمرُهم بالمناوبة على السطل غير مستبعد .

في وسط يريفان عاصمة أرمينيا عند رأس الحدائق المخصصة للمشاة والملضومة بالروائع الفنية الطريفة كالقط الأسود الضخم والمقاتل العاري الضخم من القرون الوسطى بكامل عدته القتالية والغزلان المتطافرة والأرانب الأكروباتيكية يرتفع صرح من حجر الكلس بزاوية خمسة عشر درجة ولمسافة 302 متر بعرض 50 متر يربط بين وسط المدينة المنخفض وأعلاه المرتفع .

يتخلل الصرح خمسة مستويات منبسطة( سطوح ) وفي وسط كل سطح تصب فوهات ماء من جداره الخلفي في حوض واسع تتوسطه أعمال فنية جميلة وعلى كتفيه تستمر مدرجات واسعة من حجر الكلس التي تصل بين القاعدة والسطوح حتى قمة الصرح وبجانب هذه المدرجات تتدرج أيضاً مستويات حدائق مستطيلة غناء بالورود والنباتات .

بطبيعة الحال قد يصعب على الكثير صعود المدرجات وقد يبقون في الأسفل أو يصعدون الى السطح الأول ليكتشفوا لاحقاَ أن في المركز الفني بإسم جيرارد كافسجيان الموجود داخل جسم الصرح والتي تقع بابه يسار الوسط سلالم كهربائية (اسكيلاتورز ) تنقلك من طابق الى طابق على نفس مستوى السطوح الخارجية وعلى جانب سطحها الداخلي الأيسر تحف فنية وعلى جانبه الأيمن باب الى السطح الخارجي وبالإمكان الخروج منها والتمتع بالسطح الظاهر والمناظر . وهناك باب أيضا لمتحف في جسم الصرح ممكن زيارته .

إن أول ما يخطر ببال أي عراقي يقف متأملاً منظر هذا الصرح هو بابل والجنائن المعلقة التي قرأ وسمع عنها الكثير ولم يراها وأن إستنساخ هذا الصرح على أرض بابل ولو بحجم متواضع جداً سيريح نفوس أهل وأطفال بابل المتعبة ويجلب السياح الى هذه المحافظة الشحيحة الموارد . وسيكون معلما حضاريا يضاف الى قصر الرئيس السابق ومنتجعه كمنتج سياحي .

عند أقدام صرح الكاسكيد(Cascade) أو الكاسكاد كما يسميه أهل يريفان … تذكرت بابل والجنائن المعلقة … بعد الإذن من بوني أم !!.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close