الحوت، هذا الكائن العجيب ! ح 2

د. رضا العطار

في عام 1891 روي ان حوتا ابتلع رجلا يدعى جيمس بارتلي قرب جزر فوكلند، وعندما تم القبض على الحوت في اليوم التالي انقذ زملائه، صيادي الحيتان الذين ايقظوه من غيبوبته، وقد تطلب الامر من بارتلي ثلاثة شهور ليستعيد وعيه بالكامل.
وبالرغم من عدم التأكيد على صحة هذه الرواية، إلا انها سرعان ما انتشرت في العالم انتشار النار في الهشيم. واصبحت بذلك ذريعة، لنشاط الاساطيرالقديمة، وما جاء في الكتب المقدسة، منها قصة نبي الله يونس في بطن الحوت، ووسعت آفاق الرزق لدى اصحاب المصلحة ما يشجعها على ترويج بضاعتهم، و(ظهر) الحوت الخرافي الذي في حجم الجزيرة في حكايات الف ليلة وليلة، وخلال مغامرات السندباد البحري السبعة. ففي رحلته الاولى انضم السندباد الى مجموعة من البحارة تغادر خليج البصرة الى جزر الهند. فكانت الحكاية كالتالي :

عندما هدات الريح فجأة وجدنا انفسنا متوقفين قرب جزيرة صغيرة تشبه المرج الاخضر وترتفع قليلا عن سطح الماء. كانت اشرعتنا مطوية واعطى القبطان الاذن لجميع من يرغب بالنزول الى اليابسة برهة من الزمن لتسلية انفسهم، وكنت بين هذه المجموعة
ولكن بعد تجوالنا لبعض الوقت اشعلنا نارا وجلسنا لنستمتع بالطعام الذي جلبناه معنا،
بيد اننا جفلنا بفعل اهتزاز مفاجئ وعنيف للجزيرة، في حين ان هؤلاء الذين بقوا على ظهر السفينة بدوا بالصراخ وهم يدعوننا بالصعود الى السفينة للنجاة بحياتنا، إذ تبين ان ما اعتبرناه جزيرة لم يكن في الواقع سوى ظهر حوت نائم. فالقى القريبون من القارب انفسهم عليه. وقفز آخرون الى البحر ولكن قبل ان اتمكن من انقاذ نفسي غطس الحوت الى الاعماق تاركا اياي متعلقا بقطعة خشبية كنا قد احضرناها معنا لنشعل منها نارا.
وقد اعتبرت هذه الحكاية فرع من شجرة الحكايات في الثقافتين الاسلامية الاوربية.
ومن المعتقد ان يكون المصدر الاساسي للقصة موجودا في الادب الشعبي الهندوسي ـ الفارسي.

الحوت يمكن ان يجد نفسه في المياه الضحلة، او بسبب انه تائه، او مريض، او جريح، او ربما لانه عجوز فقط. او كون ان الحوت اتجه نحو الشاطئ اول مرة، فلا يعرف كيف يتصرف، .ففي المحيط ثمة بعض الحيتان تعوم بثبات وتطفو نحو السطح عندما تكون في حالة راحة، في حين ان انواع اخرى تبقى محايدة، فهي قادرة على الغوص والطفو بسهولة، ولمن لا يمكن لاي من الحيتان ان تعيش طويلا على الارض. فعندما ينهار جسدها الهائل على الرمال و الصخور وينسحب المد ((يحدث الجزر) يظهر تل عالي من اللحم على حافة الماء. له زعنفة سوداء تتجه نحو السماء.

لقد استقطب طعم لحم الحوت الصيادين نحو البحر، وبدوا يقتلون الحيتان دون ان يمنعهم احد، على امتداد كوكب الارض. فمنذ قديم الزمان كان صيد الحيتان شائعا في المحيط الهندي عند شواطئ زنجبار وكانت الحيتان المختارة تقتل قرب شواطئ فلوريدا، وتمت مطاردة الحيتان على طول الشواطئ القطبية لسبيريا، وقتلت الحيتان بالسهام السامة في شمال المحيط الهادئ.
وتعود اوائل التصاوير عن الحيتان الى الرسومات المنحوتة في العصر الحجري الحديث، ففي كويا الجنوبية يحمل جدار صخري لقارب محمل بالرجال وهو يجر حوتا يعود تاريخه الى 6000 سنة قبل الميلاد.

عندما يقترب صيادو الحيتان من الحوت، يقوم القبطان بتقييم مزاج الحوت.
تبدو الفتحات التنفسية للحيتان المسالمة بشكل مسطح على سطح الماء، في حين ان فتحات التنفس للحيتان العدائية ترتفع الى فوق، ويعد من الخطر الاقتراب من مثل هذه الحيتان. كما ويتم تجنب الحيتان النائمة، إذ ان ضربة من احد طرفي ذيل الحوت عندما يستيقظ يمكن ان يتسبب في غرق سفينة الصيادين. اما اذا كان زفير الحوت يبدو وكانه صوت تكسًر الجليد، فهذا يعد تحذيرا للطاقم الذي سيقوم بالتخلي عن المطاردة.

يعد الحوت في الدائرة القطبية الشمالية، مصدرا اساسيا للعيش بالنسبة لسكان تلك المناطق بضمنهم جماعات الاسكيمو. فجلد الحوت غالبا ما يؤكل نيئا، وهو غني بفيتامين سي، الذي يصعب الحصول عليه بسبب ليالي الشتاء الطويلة، يوفر الحوت البروتينات وزيت الحوت، المستعمل عندهم لأنارة المصابيح.

وقد كتب القبطان جورج فانكوفر عام 1793 ما يلي : بينما كان صيادو الحيتان يزورون مناطق شمال غرب المحيط الهادي كان الخبز والدبس اعظم متعة يمكننا ان نقدمها لهؤلاء القوم. وفي مقابل هذه المائدة اللذيذة كان زيت الحوت لديهم تفوح منه رائحة كريهة بشكل لا يحتمل، تم احضاره داخل مثانة فقمة، ثم استفاض كبيرهم في اطراء ميزاته السامية، وحاول ان يعطينا الانطباع لنفهم بانه طعام شهي، يعادل مذاق الدبس. وقد استطعت الاعتذار بصعوبة شديدة عن المشاركة في وجبتهم المثيرة للغثيان. وهم يستمتعون بها الى اقصى حد. وانهوها باحتساء كأس كبير من الرُم وهي رفاهية لم يبد انها غريبة عنهم على الاطلاق.

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

* مقتبس من كتاب الحوت التاريخ الطبيعي والثقافي لمؤلفه د. جو رومان، ترجمة ايزميرندا حميدان، ط 1 ، 2913 هيئة ابو ظبي للسياحة والثقافة و(الكلمة).

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close