ماء البصرة: كيفية الخَلاص من طعنات الملح.؟

ا.د. حسن خليل حسن
جامعة البصرة- مركز علوم البحار
تستمر الكوارث البيئية وتتصاعد في محافظة البصرة، وما يستجد منها ليس سوى صرخات محتضر تشتد عليه الالام وينأى عنه المسعفون، وكـأن قَدَر البصرة التي يقطنها ما يربو على 4 ملايين نسمة انها اول من يفتدي العراق على مر الازمان، اليوم مشكلة اخرى اثقل من سواها صنعتها ظروف موقع المحافظة في اقصى ذنائب نهري دجلة والفرات، فقد طالت رماح الملح القاتلة شريانها المائي الوحيد شط العرب مع بداية حلول ازمة نقص المياه خلال اشهر الصيف الحالي، ففي مركز مدينة البصرة سجلت قيم ملوحة مياه الشط مطلع تموز الجاري قيماً عالية اقتربت من 10000 جزء بالألف بعد يومين من تسجيلها لقيم 7000 جزء بالألف لنفس الموقع، والى الجنوب وتحديداً في ناحية السيبة على مسافة (50 كم تقريبا جنوب مركز مدينة البصرة)، سُجلت قيم ملوحة شديدة في خلال اليومين الماضيين اذ وصل مجموع الاملاح الذائبة الى اكثر من 25000 جزء بالألف، الامر الذي تسبب بهلاك الاسماك النهرية المستزرعة، ان هذه الحالة ستؤدي لجعل الأراضي الزراعية جرداء في عموم الاجزاء التي تقع على جانبي الشط لمسافة تزيد عن 200كم ، مما يعني ان شط العرب اصبح خور بحري حاله حال خور (فكّان) في الامارات او (جون) الكويت المرتبطين مباشرة بالخليج العربي. وبالرغم من ان محنة محافظة البصرة مع مياه شط العرب تتكرر كل عام، فنقص المياه وتدهور نوعيتها واقترابها من خصائص مياه البحر تكاد تغزوها كل صيف وخصوصا الاشهر (حزيران – تموز – آب) بسبب المد الملحي القادم من الخليج العربي، الا ان هذا العام يبدو الاكثر ايلاماً للبصرة من الاعوام السابقة وربما سيشهد شط العرب ملوحةً اعلى من معدلاتها السابقة التي سجلت خلال الاعوام(2009 و2015)، اذ من المتوقع زحف قيم الملوحة العالية شمالاً لتصل الى شمال الدير خلال ايام، وسوف يسوء الوضع اكثر خلال شهري أب وايلول القادمين، خصوصاً مع تراجع المخزون الاستراتيجي لمياه العراق في سد الموصل الذي لايتجاوز 3 مليار م3 حاليأ مقارنة بمعدلاته في نفس الاشهر من السنوات السابقة التي كانت بمقدار 8 مليار م3 بحسب اخر تصريحات صحفية لوزارة الموارد المائية العراقية.
ومن المؤكد عدم تحرك الحكومة الاتحادية ازاء هذه المحنة لشط العرب لان وزارة الموارد المائية العراقية تعتبر تصريف المياه في شط العرب (تصريف بيئي) بمعنى ان مياهه حالها حال تجمعات مياه الاهوار التي توصف بانها لأغراض بيئية تتغير بتغير المنظومة البيئية المحيطة، تلك المنظومة التي تتأثر مستقبلاتها بكمية المياه المتاحة ونوعيتها، ولان الاهوار في جنوبي العراق جف وسوف يجف باقي انحاءها بشكل كامل عن قريب، فان نظرة الحكومة المركزية لشط العرب لا تعدو كونه مسطح مائي ارتبط في البصرة ديموغرافياً وثقافياً فقط، وستكون الحجة في اهماله على ما يبدو ان الاستهلاك المائي للبصرة سيتحول بشكل كامل على قناة البدعة وقناة كتيبان ومشروع ماء البصرة الذي يجري العمل عليه حالياً، واذ صح ذلك فان المصير المحتوم لشط العرب سيكون التملح التام والمسألة مسألة وقت لا اكثر.
ومن المهم هنا ان نذكر ان العراق صمّم مشاريعه المائية منذ عهد السومريين ولأيامنا هذه وفق نظام الفيضان المتكرر، وان مشاريع الجفاف اكثر تعقيدا وصعوبة منها خلال الفيضان، لذا ستبقى مدينة البصرة تصدر النفط وتستورد الملح، وهي الضحية الاولى لنقص المياه كما في كل مرة حين تكون جبهة العراق الاولى في جميع الحروب المفروضة عليها، وعلى ما يبدو لن تجد من يقف معها لحل مشكلة نقص المياه وهلاك المزروعات وتغلغل جبهة المد الملحي في شط العرب، مدينة ربما اعطت 80% من شهداء العراق الابرار من الحشد الشعبي والقوات الامنية، ولم تجد من يعطيها شيئاً من الموازنة لحل مشكلة تلوث البيئة وملوحة المياه بالرغم من المناشدات المتكررة على مر الاعوام الماضية. وبناءا على ما تقدّم ومن اجل توفير مصدر آمن لمياه الشرب بمواصفات مقبولة وبتنفيذ واقعي ينبغي على المؤسسات المحلية القيام بالإجراءات التالية على ارض الواقع والبدء بها حالاً، وهي:
اولاً: الاجراءات القانونية والقضائية: وتشمل النقاط التالية:
1- تشكيل هيأة عليا للمياه مرتبطة بأعلى سلطة تنفيذية وامنية في المحافظة وبكوادر وطنية ومهنية يُلقى على عاتقها مسؤوليات عاجلة تتمثل بما يلي:
1- رفع التجاوزات على مياه قنوات البدعة والقناة الإروائية (قناة كتيبان) التي يقيم عليهما بعض المتنفذين مزارع اسماك كبيرة ومتوسطة وبنظام بعضه مكثّف وهذا النظام يستهلك كميات كبيرة جدا ويسبب تلوث بكتيري كبير في المياه العذبة، بينما يستهلك عدد كبير من سكان البصرة (اقضية جنوب البصرة واحياء الجانب الشرقي من المدينة) مياه اسالة شديدة الملوحة مصدرها شط العرب.
2- تشكيل جهاز شرطة حماية المياه لمراقبة التجاوزات والتنسيق مع الجهات القضائية لحماية الانهار والجداول من التلويث المتعمد من قبل المصانع ومحطات الكهرباء والمحال والورش والانشطة الخدمية الاخرى، والاسراع بتفعيل قانون غرامات الضرر البيئي.
ثانياً: الاجراءات الادارية: وتشمل اجراءات حكومية عاجلة لمواجهة نقص تدفق المياه المنزلية وانخفاض منسوب مياه شط العرب واهمها:
1- اعداد جداول برمجة يومية لضخ مياه الاسالة بمعدل 12 ساعة للجانب الشرقي من محافظة البصرة ومثلها للجانب الغربي، وهذه البرمجة تضمن خلط افضل في محطات الاسالة للمياه المالحة ومصدرها شط العرب مع المياه الاقل ملوحة ومصدرها مياه قناة البدعة، كما انها تضمن استفادة اكثر من المياه المتاحة، علما ان ضخ نوع واحد من مياه الاسالة لمدة يومين او اكثر يشكل ضغط على المصدر المائي ويقلل من جودة مياهه، وربما يشجع على تجاوزات على شبكة الاسالة.
2- اعتماد طريقة سحب مياه الاسالة خلال فترة سكون حركة التيارات المائية في شط العرب خلال الفترة الواقعة ين نهاية المد وقبل بداية الجزر، اذ يذكر خبراء فيزياء الكتل المائية ان طبيعة الاملاح تميل الى التشتت عندما تضعف حالات المزج بين الكتل في فترة السكون المائي Slack Water كما ان التطبق الملحي يكون شبه معدوم خلال تلك الفترة، مما يضمن قيم اقل من ناحية التركيز الملحي في المياه المسحوبة.
3- الاسراع بتحوير مستقبلات المياه في المحطات الكهرومائية لتحاكي نوعية المياه شديدة الملوحة، وتعزيز محطات الاسالة بمحطات تحلية المياه البحرية شديدة الملوحة.
4- متابعة التسرب في انابيب شبكة الاسالة وضبطه وتشكيل غرفة عمليات خاصة ترتبط بالهيأة المذكورة في الفقرة ثانياً.
5- تفعيل مختبرات كشف نوعية المياه في جميع انهار محافظة البصرة لتحديد المخاطر المتزايدة لمشكلة التلوث البيئي (الفيزيائي والكيميائي والبيولوجي) لمياه شط العرب والقنوات المائية المرتبطة به.
6- البدء بالعمل على الاصحاح البيئي والاشراف الحكومي على المياه باعتباره ملف امن مجتمعي لمواجهة المخاطر المتزايدة لشحة المياه وتردي نوعيتها.
7- تفعيل مواد دستورية تنظم تقاسم المياه العذبة بين محافظة البصرة والمحافظات الاخرى والتخطيط المحلي لمعرفة قابلية المياه على تلبية الاحتياج الزراعي والصناعي والخدمي وفق الواقع المائي الجديد.
8- مراجعة خطط التقنين في مياه الارواء وتحديث وسائل واساليب الري والمحاصيل المزروعة وبالأخص المحاصيل الصيفية، والاشراف المباشر عليها لان الزراعة تستهلك اكثر من 80% من واردات المياه وتسبب تلويث الانهار والاستنزاف نتيجة غياب الرقابة.
ثالثاً: الاجراءات التفاوضية:
1- من المهم التفاوض الذكي والعلمي على الحقوق المائية للعراق مع الدول المشتركة في حوض نهري دجلة والفرات، ويجب ان يكون التفاوض على محورين اساسيين..
الاول: تعزيز الاتفاق حول الاطلاقات من نهر الفرات واعادة النظر بالاتفاق الحاصل بين تركيا وسوريا والعراق عام 1987 والذي طاله التعدي على النسب المتفق عليها، كما انه لم يفعل الاهتمام بنوعية المياه الواردة واقتصر على كميتها.
الثاني: فتح باب الحوار على تقاسم مياه نهر دجلة اذ لايوجد اتفاق حاليا مع الدول المتجاورة تركيا وايران وسوريا والعراق، بل لا يوجد اتفاق على ماهية النهر هل هو (عابر للحدود) ام انه (نهر دولي)، ويبدو ان المستفيد من المماطلة بعدم وضع خطط للاتفاق هما الجانبان التركي و الايراني لانهما ماضيان في توسيع خططهما الزراعية على روافد نهر دجلة داخل اراضيهما والتي اضرت بالعراق بالرغم من انها لم تصل الى نسبة 30% مما مخطط له حسب الاعلان التركي، وبشكل اكثر غموضاً من الجانب الايراني. بينما تتراجع المساحات المروية داخل العراق كل عام وبالأخص الاراضي المخصصة لزراعة المحاصيل الصيفية ويتعاظم التصحر بسبب خروج مئات الالاف من الهكتارات خصوصاً خلال الاعوام الاخيرة 2009-2018.
رابعاً: اجراءات توفير البدائل:
1- ضرورة التوجه العاجل لأنشاء مشاريع تحلية المياه البحرية وتوخي الدقة في اختيار مواقع انشائها.
2- وضع آلية إدارية ومالية للاستفادة من القرض الانكليزي الممنوح للعراق والبالغة قيمته 10 مليارات جنيه استرليني والذي خُصص جزء منه لمعالجة شحة المياه في محافظة البصرة بقيمة 2.8 مليار جنيه استرليني لإنشاء خمس محطات لتحلية المياه لسد الحاجات الاساسية للسكان، وبمعدل 250 لتر يومياً للشخص الواحد.
3- تشكيل لجنة اكاديمية متخصصة من الكليات المعنية بمسالة موارد المياه وضم عدد من المتخصصين من الدوائر الأخرى لتقديم الاستشارات العلمية والإدارية من اجل إنجاح مشاريع ادارة الازمات المائية التي تهدد العراق عامة والبصرة بشكل خاص.
4- الإدارة المستديمة لموارد المياه الجوفية والنهوض بواقعها وحمايتها من التلوث والاستنزاف الناتج عن اعادة صرف المياه الناتجة عن التحلية في الخزانات الجوفية، اذ علمنا انها المورد الاهم لسد العجز في الميزان المائي العراقي مستقبلاً.
خامساً: اجراءات توعوية-تثقيفية:
استغلال التوعية الثقافية والتربوية من خلال المنابر الإعلامية والمؤسسات الدينية وبالاخص خطب الجمعة ومنابر الخطب في الحسينيات والجوامع ومنصات التواصل الاجتماعي، للحث على الترشيد في استهلاك المياه وصيانتها من التدهور النوعي والكمي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close