كيف تنشأ اللغة في بيئات متباينة ؟

(*) د. رضا العطار

استمد الانسان المصطلحات اللغوية من بيئته بهدف التواصل بين افراد الجماعة. ونظرا لتنوع البيئات والابداعات وتعدد المجموعات الانسانية بدات ارهاصات اللغات المتعددة بالظهور متميزة في كل مجموعة عن الاخرى.
ان هذه المصطلحات تعبر عن المدارك وتتسع طردا باتساع هذه المدارك وشمولها، مشكّلة مقياسا، لوعي هذه المجتمعات ومدى معارفها اي ثقافتها، ما تكون رابطا اضافيا بين افراد كل مجموعة بظهور النمط الفكري الذي يميزها عن غيرها، المعززة لقدرتها على التفاهم على اسس ثقافية القبيلة بمرور الزمن، والتي ستقود الى ظهور الامم.
سيما وان الحواجز الطبيعية كانت تفصل بين التجمعات البشرية وتجعل من الصعب تواصلها.
فالقبائل التي تعيش بتواصل فيما بينها ضمن حوض طبيعي تشكل لديها ثقافة موحدة على رقعة ارض محددة تسهل طبيعتها وتميزها عمن عداها من تجمعات وثقافات ستتشكل الامم منها.

هكذا تصبح ثقافة الامة اساسا لترابطها العقلي. – الشعوري وبالتالي حافزا لترابطها الاجتماعي – الاقتصادي – السياسي.
وحينما ابتكر الانسان وسيلة لتدوين معلوماته، اي في بداية الالف الثالث ق م توفرت لنا الحجة الاستدلالية على نشؤء اللغة.

فالكتابة الهيروغليفية، وهي اول النصوص المدونة والمكتشفة بطبيعتها التركيبية لصور حسية للدلالة على المقاطع اللفظية للكلمة، هي الدليل على ارتباط نشوء اللغة بالاصوات البيئية. ففي الغيروغليفية، كل صورة تمثل مقطعا للكلمة المراد كتابتها، فمثلا اذا اردت كتابة (طحن) تصور طائرا لحرف الطاء وحمارا لحرف الحاء ونارا لحرف النون. هذه كانت الوسيلة لتعليم الاطفال. وهي بكل الحالات تتناسب مع وعي الانسان في مراحله الطفولية الاولى وستكون الرموز المشتقة من هذه الصور، هي بديل لها في الكتابة الشعبية المصرية. نظرا لما يتطلبه رسم الصور من كفاءة فنية عالية، ولعل الكتابة المسمارية التي ابتكرت في الحضارة السومرية كانت السابقة لها على شاطئ البحر المتوسط الشرقي، هي رموز منشؤها الصور في عملية اتصال ثقافي مع الحضارة الفرعونية او بانفصال عنها انما تأسيسا على قواعدها نفسها.

هذا الترميز للصور هو تطوير في التعبير عن المقطع الصوتي الى التعبير عن الصوت الاحادي (الابجديات)، ولعل اول ابجدية وجدت هي الابجدية الكنعانية (الفنيقية) تؤكد صحة ما ذهبنا اليه في تعليلنا. فالشاطئ الشرقي الذي سكنه الفنيقيون كان دوما مركز التقاء الحضارات للهلال الخصيب. وبالتالي فان الابجدية الاولى كانت حصيلة وتطور الابداعيين للهيروغليفية والمسمارية.

فالكلمة بكونها تعبيرا عن مكنونات العقل، هي الفعل الاول للانسان في بناء حضارته الاولى، ولعل ما ورد في الانجيل (في البدأ كانت الكلمة) هو دلالة على هذا المعنى. وكذلك فان ما ورد في القرآن الكريم ( اقرأ بأسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق) يختصر عملية نشوء الامم وبدء الحضارة !

* مقتبس من كتاب : الانسان والحضارة، جدلية المادة والوعي لعبد المجيد عبد الملك.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close