مباديء ثورة تموز لا زالت ساطعة في سماء العراق

دكتور : علي الخالدي
تقييم أي حدث يجب أن يأخذ بنظر اﻹعتبار، الطروف الذاتية والموضوعية الملموسة السائدة في المكان الملموس ، وبعكسه يصبح التقييم مشوه ، بعيدا عن الحقيقة .
تمر على جماهير شعبنا الذكرى المئوية الستون لثورة الفقراء تموز المجيدة ، التي تفجرت لنصرتها فتماهت مع أحلام وتطلعات كافة مكوناته الإجتماعية ، ذلك أن تباشير إنطلاقتها كانت تبشر بحياة حرة كريمة في وطن يسع لكل العراقيين ، قائم على نظام وطني متحرر من التبعية اﻷجنبية ، ومن هيمنة فئة إجتماعية صغيرة أرهنت مشيئتها للأجنبي ، وتصدت لنضال الجماهير الشعبية بأبشع اﻷساليب القمعية ، بما فيه إستعمال القوة المفرطة في إضراب كاورباغي ووثبة كانون وإنتفاضة تشرين وغيرها من المعارك البطولية التي خاضتها الجماهير الشعبية ضد الطغم الحاكمة ، و راح ضحيتها العديد من الشهداء من ابناء الشعب المطالبة بالحرية والحياة الحرة الكريمة التي حجبها عنهم الطغاة .
و يكاد ما يجري حاليا في أغلب المدن العراقية متماهيا مع هبات الجماهير الشعبية التي سبقت وما تلت ثورة تموز المجيدة ، والتي فيها تحركت الجماهير الفقيرة شيبا وشبابا مطالبة بتحقيق مصالحها التي هضمتها الحكومات القمعية التي توالت بعد ثورة تموز المجيدة . حيث منذ أيام تواصل الجماهير الشعبية هبتها ، من أجل كنس معوقي التغيير والإصلاح الحقيقي ، ومحاسبة الفاسدين والمزورين منهم والذين وجدوا في تبني نهج المحاصصة الطائفية والقومية سبيلا لسرقة أموال الشعب وفتح أبواب نهب خيراته ، فكانوا وراء ما يكتنف الشعب العراقي من مآسي وويلات منذ تسلمهم العملية السياسية التي أجْهضَت على أيديهم
فعلى الرغم من معارضة القوى الرجعية والقومية وحتى الدينية لمسيرة الثورة وأهدافها التصحيحية إستطاعت على الرغم من قصر عمرها ، أن تنجز الكثير من الإصلاحات التي كانت تطالب بها الجماهير الشعبية ، والتي شملت كافة اﻷصعدة السياسية واﻷقتصادية واﻷجتماعية ، فاتحتا بذلك آفاقا رحبة أمام بناء عراق جديد ، على اساسه ، إكتسب يوم 14 تموز بحق شرعية أن يكون عيدا وطنيا للعراقيين . هذا ما أثار حفيظة الذين ضُربت مصالحهم الذاتية ، فإلتحمت مخططاتهم في الداخل والخارج بهدف إجهاض الثورة ، لكن الإسناد الشعبي حافض على تحقيق أهدافها الوطنية رغم ما صاحب قادتها من ضعف الحزم في إتخاذ الإجراءات ولقرارات اللازمة ضد تحرك أعداء الشعب من إعداد مؤمرات لاجل إجهاضها ، ورغم شدة وكثرة التآمرعليها ، إستطاعت مواصلة مسيرتها ، وتمكنت من إسترجاع حقوق الشعب بثرواته الوطنية التي نهبتها الشركات النفطية اﻷحتكارية ، وتخلصت من كل أمر يمس إستقلال العراق السياسي واﻷقتصادي ، ورفعت الغبن الذي لحق بالمواطنين ، بسنها قوانين تصب في صيانة حقوقهم السياسية والإجتماعية كالخروج من حلف بغداد ومنطقة الإسترليني وسن قانون الإصلاح الزراعي وقانون الأحوال الشخصية الذي عُد من أكثر القوانين المجتمعية تقدما في المنطقة ، ناهيك عن قانون شركة النفط الوطنية وغيرها من القوانين التي أنصفت الشعب
واليوم إذا يسترشد فقراء ألشعب ومهمشيه بالنضال المطلبي الجماهيري الذي تراكمت تجربته لديهم خلال الستين عاما المنصرمة ، تعيد الجماهير الشعبية المهمشة الساعية لحياة حرة كريمة عبر مطالبتها بتنفيذ ما عُطل تنفيذه من تنشيط لفعالية العملية السياسية التي تلت إسقاط الصنم وكنس متبني نهج المحاصصة الطائفية والاثنية المقيت من مواقع القرار ، والذي أقترحه العامل الخارجي وهللت له دول الجوار ودعمت إستمراره
إن إستمرار التظاهر وتصاعد حراك الجماهير الشعبية بعد أن نفذ صبرها من سوء الخدمات المتأتية من عدم توفير الكهرباء( إذا وجدت الكهرباء وجد كل شيء تنموي ) والماء الصالح للشرب علاوة على الفساد والمحسوبية التي تصاعدت وتيرتهما في كافة الأصعدة الإدارية والأمنية منذ تبني النهج الطائفي المقيت . وإصرارهم عن عدم الحيد عنه ، إلا بإيقاف اللغط والمناكفات وخداع الشعب بتشكيل كتلة عابرة للطوائف ، و بنفس الوقت يواصلوا السير في تعميق خصوصيات شعاراتهم المذهبية والطائفية والقومية ، والرد عل المتظاهرين سلميا بإستعمال القوة المفرطة ، بنفس الطريقة التي لجأت اليها القوى الرجعية والعميلة في التصدي ﻹنتفاضات وحراك الجماهير الشعبية ، بما في ذلك إستعمال السلاح الحي مما أدى لسقوط عدد من القتلة والجرحى ، مما يدل بشكل ساطع أن تشابه وتماهي المطاليب الشعبية هي واحدة وإن إختلف الزمان ، لكون أهداف 14 تموز ترسخت في ضمير الأجيال ، وبقيت نبراسا يهدي الجماهير الشعبية في حراكها بمواصلة المطالبة بالتغير والإصلاح ، والكف عن المساعي الهادفة لعودة العراق الى المربع الأول ، و بمصادرة حق الجماهير في السعي لتشكيل حكومة عابرة للطائفية ، تضع مصالح الشعب والوطن العليا في مقدمة ما تسعى لتحقيقه ، خاصة وإن العراق إكتسب بثورة تموز المجيدة وزنا سياسيا وإقتصاديا على الصعيد الدولي واﻷقليمي ، بفضل تمسكه بمنجزاتها التي يُحاولون دثر مآثرها . فالمظاهرات المليونية والحراك الشعبي إلا دليل يعكس تضامن الطبقات الشعبية الفقيرة والمهمشة ، معطية بذلك صورة حية ودليل قاطع على أن مفاهيم ثورة الفقراء تموز المجيدة باقية ساطعة في سماء العراق وفي ضمير أجياله

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close