التظاهر والتقاهر!!

منذ صبيحة اليوم الدامي في الرابع عشر من تموز عام ألف وتسعمئة وثمانٍ وخمسين وحتى اليوم , تحول المواطن العراقي إلى رقم في حسابات الكراسي والمتسلطين على مصير البلاد والعباد , ففي ذلك اليوم سقطت قيمة الإنسان العراقي وأصبحت أقل من الصفر بكثير جدا , ومنه إنطلقت مسيرات الإعدامات والإعتقالات والتنكيلات والتفاعلات الدامية ما بين أبناء العراق.

فعلى مدى ستين عاما أُعدِم مئات الآلاف من العراقيين , وغُيّب عشرات الآلاف في متاهات المعتقلات وزنازين التعذيب الموحشات , وسُحقت الإرادة الوطنية وألغيت المواطنة , وتحولت الوطنية إلى مقاييس فردية وتحزبية وفئوية , وضاعت المعايير والأخلاق , فأمضت البلاد عقودها الستة على مذهب الإستباحة والإستحواذ , وهي تدين بعقيدة الإستلاب والقهر والحكم بالحاجات والإستثمار بالمشكلات.

فما حلّت الأنظمة الجمهورية أية مشكلة بل تنامت أثناءها المشكلات وتعاظمت الخطوب والويلات , وأصيب العراق بأفدح الخسائر وتكالبت عليه التداعيات وتراكمت في أروقته الملمات.

ومن الواضح أن ديدن جميع الأنظمة هو الحكم المطلق والإستبداد , وبأنها على حق دائما , وأي معارض يتم وصفه بما يسوّغ إفناءه والقضاء عليه , والمسميات معروفة ومتجددة , كالعميل والخائن والمندس والمتواطئ , والتابع والمتآمر والمتحزب, ولكل نظام قاموسه وطوابير من الذين يجيدون إبتكار التوصيفات , كما هي الحال اليوم , إذ لا تزال إسطوانة أعوان النظام السابق تدور , وأن نظام الحكم ممتاز وما هؤلاء المتظاهرون إلا من الحزب البائد , ومن الإرهابيين , ومن هذه المجموعة أو تلك , والقائمة طويلة وخطابات ذوي العاهات الكرسوية ذاتها , لم تتغير منذ ستين عاما.

فلا جديد بالأمر , لأن المواطن يعيش تحت وصايات متنوعة دينية وفئوية وطائفية وإستحواذية , وما شئت من التسميات التي يعج بها الواقع , الذي إنتخبَ الذين سرقوه وقهروه وما إستشعر ما يقوم به من فعل خطير , مما عزز فسادهم وقهرهم له.

واليوم يتظاهر الناس , وكعادة التظاهرات السابقة لن يجنيَ العراقيون شيئا , بل سيزداد الفساد والقهر والحرمان , مادام المواطن مُستعبد بالعمائم المتاجرة بالدين وبالفئويات والتحزبيات , وقد إرتضى لنفسه أن يكون بضاعة في مزادات الكراسي اللعينة.

ومادام المواطن يستهين بقيمته وحقوقه الإنسانية , ويعيش بلا كهرباء ولا ماء صالح للشرب وبلا خدمات صحية معاصرة , فأنه يعطي الضوء الأخضر لإمتهانه من قبل الفاسدين المستحوذين على السلطة والعابثين بالمال العام.

فهل وجدتم شعبا في الدنيا يقبل أن يعيش بلا كهرباء لخمسة عشر عاما , ويأنس لدوي المولدات ويساهم في إثراء المتاجرين بها والمتعاقدين مع شركاتها , والتي أصبح العراق من أكبر دول الدنيا إستيرادا لمنتوجاتها , والدولة تتفاخر برهن المواطن وقهره بالحاجات , وهو يستلطف العوز والحرمان , وهم يعيشون في قصور فخمة ويزينون عروشهم ويشترون الأملاك في أصقاع الدنيا , وعوائلهم تعيش في بذخ وإسراف , والشعب في نكد وإملاق.

لو أن الكهرباء إنقطعت في أية مدينة في الدول المتقدمة لبضعة ساعات لأقيمت الدنيا ولم تقعد , ولأطيح بالمسؤولين , ولثار أبناء المدينة بعنفوان مطلق , أما العراقيون فأنهم بالكهرباء مُستعبدون ومحكومون , وبالحرمان مرهونون , ويتحملون ويرتضون الإمتهان , وينتخبون جلاديهم والفاسدين فيهم , ومن ثم يتظاهرون , وبتظاهرهم يعيدون ذات الحالة التي تنتهي إلى إنكسار وعدم , وسيردد الفاسدون ذات المصطلحات كالمندسين والإرهابين وأزلام النظام السابق والمتآمرين والمغفلين , وغيرها التي سيتم إبداعها وإشاعتها بين الناس المقهورين بحياتهم , والمحرومين من أبسط حقوق الحيوان!!

وستأتيكم العمائم واللحى بتصريحاتها الفاسدة وفتواها الرائدة وستقود الجموع كالنعاج إلى صمت القبور , وهكذا يبقى ناعور التظاهرات يدور , ويفور التنور , ولا خبز يُرتجى , بل دخان يعمي العيون!!

تلك تظاهرات العراقيين الخائبة منذ عقدٍ ونصف , فعقب التظاهرات والإنتخابات هناك وعيد شديد وإتهامات وتهديد وتشريد!!

فما هي قيمة المواطن العراقي , وما هو تأثير صوته , ومَن يُصغي لأنينه وحسراته؟!!

أملنا أن تكون تظاهرات تموز ألفين وثمانية عشر , حدا فاصلا وقولا فيصلا , تعيد للمواطن العراقي قيمته وكرامته , وتأخذ البلاد إلى ميادين العلاء والرقاء!!

وقل: “إذا الشعب يوما أراد الحياة….فلا بد أن يستعيدَ الظفَر”!!

د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close