القمة الروسية الامريكية في فنلندا : إستعراضات سياسية دون إتفاقات ملموسة !

هلسنكي ــ يوسف ابو الفوز

في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، انعقد الاثنين، السادس عشر من تموزالجاري، أجتماع القمة، الذي جمع رئيس الولايات المتحدة الامريكية، دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسط اجراءات أمنية مشددة، لم تألفها فنلندا من قبل، شملت مطارات وحدود البلاد وأماكن اقامة الرئيس الامريكي، حيث أغلقت العديد من الشوارع القريبة من مكان الاجتماع في القصر الجمهوري، واغلقت باحكام حتى منافذ المجاري الصحية المؤدية الى القصر الجمهوري.

وصل الرئيس الامريكي الى فنلندا مساء الاحد قادما من اسكتلندا، حيث قام بجولة اوربية توقف خلالها أيضا في بروكسل ولندن، وسادها التوتر، حيث انتقد حلفاء الولايات المتحدة بشدة فيما يتعلق بالتجارة والإنفاق العسكري.

بينما وصلها الرئيس الروسي يوم الاثنين، الساعة الواحدة ظهرا بتوقيت فنلندا، متأخرا بعض الشيء عن موعده المحدد مما أجرى تغييرا في مجمل جداول العمل، وعلقت بعض الصحف الفنلندية بأنه جزء مما سمته “الحرب النفسية”. ووصل العاصمة هلسنكي، حوالي 1800 صحفيا، من 61 بلدا، لتغطية أعمال القمة، علاقات فنلندا، البلد المضيف، مع كل من روسيا وامريكا، وتسليط الضوء على الزيارات السابقة التي قام بها كل من بوتين وترامب الى فنلندا. وأذا كان الرئيس ترامب قد زار البلاد عام 1992 وعام 2006 ،كرجل اعمال ولاغراض تجارية، فأن الرئيس الروسي الجار، والذي خلال توليه مهام رئيس الوزراء ومهام رئيس الجمهورية في روسيا الاتحادية، كان قد زار فنلندا اكثر من عشر مرات، لاغراض سياسية واقتصادية، وعرف بأرتباطه بعلاقات ودية مع الكثير من سياسي البلاد بمن فيهم الرئيس الفنلندي الحالي، ساولي نينستو، الذي تحضى سياسته برضا الدوائر الروسية، مما دفع البعض الى القول بأن فوزه في الانتخابات الرئاسية، مطلع هذا العام ومن المرحلة الاولى، وهذا حصل لاول مرة في تاريخ فنلندا ، كان بدعم من الرئيس بوتين، لكون الرئيس الفنلندي لا يزال يمانع من دخول بلاده عضوية حلف الناتو، بالرغم من رغبات حزبه الذي يدعو لأنضمام فنلندا الى الحلف.

ومن بين كل الاسئلة، التي سلطت وسائل الاعلام عليها الضوء كان : لماذا هلسنكي مكانا للاجتماع؟.

كل الاطراف المعنية بالاجتماع، اوضحت بان هناك عدة اسباب، منها التأريخ الذي تمتع به فنلندا في استضافة مؤتمرات وقمم دولية تعني بالسلام العالمي، ودورها كدولة خارج المحاور، فهي ليست عضوا في حلف الناتو، وان كانت لها علاقات تنسيقية معه في نشاطات متعددة، وحسب ميكا أتولا، مدير معهد السياسة الخارجية الفنلندي، فأن الرئيس الفنلندي، ساولي نينيستو، حافظ على خط حيادي واضح للسياسة الخارجية مع توازن في الالتزامات تجاه موسكو وواشنطن، وفق ما يسمى بـ “سياسة الاستقرار النشطة”، التي تشمل ركائز أساسية: منها الحفاظ على سياسة دفاعية، علاقات طيبة مع روسيا، احترام حلف شمال الأطلسي”الناتو” ودعم المؤسسات الأوروبية. وايضا قرب هلسنكي الجغرافي من العاصمة الروسية، حيث أرتبط الرئيس بوتين بحضور نهائيات كأس العالم في كرة القدم، التي جرت مبارياتها على ارض بلاده، من جانب اخر كان الرئيس الامريكي يقوم بجولتة الاوربية على مقربة من مكان القمة.

ويعتبر هذا الاجتماع رسميا، الاجتماع الاول، الذي ضم الرئيسين بشكل مستقل وليس على هامش مؤتمرات واجتماعات دولية، فقبل عام التقى بوتين وترامب لأول مرة في هامبورغ بألمانيا على هامش اجتماع مجموعة العشرين، ثم اجتمعا لفترة وجيزة في فيتنام في تشرين الثاني / نوفمبر 2017 في قمة أبيك. وكان الكرملين قد قال في وقت سابق إن الرئيسين يعتزمان خلال القمة مناقشة آفاق إعادة العلاقات الثنائية المتدهورة إلى طبيعتها، والقضايا الدولية الراهنة على الساحة العالمية.

في اول ظهور صحفي لهما معا، في القصر الجمهوري في فنلندا، قبيل اجتماعهما المنفرد بدون مساعدين، اشار الرئيس الروسي الى ان التواصل مع الرئيس الامريكي كان مستمرا، سواء عبر التلفون، او على هامش بعض اللقاءات الدولية ، واكد ان اللقاء المباشر سيوفر الفرصة للحديث في الكثير من الملفات المهمة. من جانبه قال الرئيس الامريكي إنه يتوقع علاقة “استثنائية” مع فلاديمير بوتين. وابتدأ حديثه بالثناء على روسيا في تنظيمها بطولة كأس العالم، واشار الى ان هناك الكثير من الملفات للحديث عنها في الاقتصاد والسياسة ،الترسانة النووية وايضا الصين. واكد ان العلاقات مع روسيا في السنوات الاخيرة مرت بمواقف صعبه، ولكنه متأكد ان العلاقة ستتحسن. وشمل برنامج اللقاء محادثات ثنائية بين ترامب وبوتين بدون مساعدين، كان مقررا لها ان تستمر ساعة ونصف، لكنها استمرت ساعتين وربع، ثم تواصل الاجتماع بوجود مساعدين، ثم المؤتمر الصحفي المشترك.

في المؤتمر الصحفي، الذي طرد قبيل بدأه صحفي، كان بحوزته لافتة صغيرة ضد الاسلحة النووية، أشاد الرئيسان ترامب وبوتين بأجواء المباحثات التي وصفاها بالصريحة، ووصف الرئيس الروسي القمة بـالناجحة والمثمرة، وان اجواءها كانت بناءة وإيجابية، وأنها مثلت الخطوة الأولى في سبيل إزالة الأنقاض في العلاقات بين البلدين. وبنفس الوقت أكد أن هناك مشاكل كثيرة بين البلدين، وان توحيد جهود روسيا والولايات المتحدة سيساهم في مواجهة التحديات وهي كثيرة، واشار الى الازمات الاقليمية، استقرار الامن الدولي، الارهاب الدولي وأيضا مشاكل الاقتصاد العالمي .

وأشار الرئيس الامريكي دونالد ترامب، من جانبه ، الى أن العلاقات الروسية الامريكية كانت في اسوأ حالاتها قبل القمة، محملا الادارات السابقة مسؤولية ذلك، وانها ستكون بشكل اخر بعد اربع ساعات من المفاوضات، التي قال انها شهدت حوارا مثمرا ومنفتحا لاجل ايجاد سبل للتعاون وفق القواسم المشتركة.

في المؤتمر الصحفي المشترك للرئيسين، احتلت قضية 12 روسيا اتهموا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الامريكية 2016، حيزا ليس قليلا في اجوبة الرئيسين، وبدا الرئيسان متوافقان في الرد حول هذا الموضوع . تحدث الرئيس الامريكي عن الموضوع بانفعال واعتبر القضية مثارة من قبل الديمقراطيين لانهم خسروا الانتخابات وانه فاز بحملة انتخابية متميزة، ومن جانبه نفى الرئيس بوتين أن تكون روسيا قد تدخلت في الشؤون الداخلية الأميركية، وخاصة في الانتخابات الرئاسية، وأشار الى ان تدخل افراد بصفتهم الشخصية لا يمكن تحميله لأي دولة، ووجه الدعوة للمحقق روبرت مولر ان يطلب من روسيا استجواب المتهمين وفق الاتفاقات الدولية بين البلدين.

ولم ينس الرئيسان تناول موضوع الشرق الاوسط ، فاشارا الى انهما عازمان لايجاد حلول دبلوماسية سياسية لاحلال السلام في المنطقة . وقال الرئيس بوتين انه بما يتعلق بسوريا، فإن مهمة إحلال السلام والوفاق هناك قد تكون أول فرصة لإبراز نموذج للعمل المشترك واكد على ضرورة تنشيط الجهود لتقديم المساعدات الانسانية واعتبر ان عودة الكثير من النازحين الى مناطقهم سيخفف الضغط على اوربا . ومن جانبه قال الرئيس ترامب ان البلدان يريدان مساعدة الشعب السوري ، وشدد على أهمية الضغط على إيران ، من جانبه قال الرئيس بوتين إنه يدرك معارضة الولايات المتحدة للاتفاق النووي الدولي المبرم مع إيران والذي تؤيده روسيا وبين ان الاجتماع تناول ضرورة الحفاط على امن اسرائيل ، وبادر الرئيس الامريكي للقول بان لجانبين يودان في توفير الأمن لإسرائيل.

يذكر ان اجتماع القمة، استقبل في الشارع الفنلندي بتظاهرات حاشدة قبل واثناء وبعد عقد الاجتماع، ساهم فيها مختلف منظمات المجتمع المدني، التي تنادي بحماية وضمان حقوق الانسان ، حرية التعبير، الديمقراطية وحرية الصحافة وكانت منظمة العفو الدولية نشرت بيانا قبيل القمة تمنت فيه ان يتدخل الرئيس الفنلندي لتذكير ترامب وبوتين بواجباتهما في حماية حقوق الانسان. وكانت استطلاعات سبقت القمة بينت ان هناك شيء واحد يوحد معظم الفنلنديين بغض النظر عن الجنس أو الدخل أو مكان الإقامة، وهو وجهة النظر الحذرة بشأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فان هناك فقط 4 % من الفنلنديين ترى أن ترامب جعل العالم أكثر أمنا ، وان حوالي 70% يعتقدون بأن الرئيس الأمريكي قد أضعف الالتزام بحماية البيئة.

من الطريف ايضا ان الصحافة الفنلندية اثارت خلال ايام القمة كون ملكة جمال فنلندا لعام 2006 ، ضمن قائمة النساء، اللواتي اتهمن الرئيس دونالد ترامب بالتحرش الجنسي وكونه لمس مؤخرتها بشكل اثار اشمئزارها، اثناء تسجيل برنامج تلفزيوني خلال وجودها في الولايات المتحدة الامريكية.

طريق الشعب العدد 230 ليوم الخميس 19 تموز 2018 . صفحة عربية دولية

 

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close