قراءة في رواية الجزء الاول من ثلاثية محطات ( العربانة ) للاديب حميد الحريزي

الرواية تستلهم ركيزة التوثيق لمرحلة من مراحل العراق السياسية , وصياغتها في اطار البناء الروائي بالتقنيات المعاصرة الفن الروائي . الذي يتجلى بوضوح , في براعة المتن السردي في آفاقه الواسعة في الخوض في المنظور الروائي . الذي يستند على براعة التوثيق للواقع الاجتماعي والسياسي وتفرعاتهما , ليدخلا , كمحاور اساسية , في المتن الروائي . الذي يرتكز على معطيات واقعية وموضوعية , من الحقائق والوثائق التي افرزتها تلك المرحلة آنذاك ( العهد الملكي ), في ظواهرها البارزة للعيان , في الواقع الحياتي والمعاشي . في جوهر احداثها في الصراع السياسي والطبقي . بين السلطة الملكية القائمة على العسف والاضطهاد والتبعية الاستعمارية . واليسار العراقي المتمثل بالحزب الشيوعي العراقي , الذي ينطلق بالضد من هذه المنطلقات الغاشمة التي لا تخدم الشعب والوطن . لذلك ان الفضاء الروائي , يدخل في تفاصيل هذه المعطيات , وتأثيرتها على الوضع العام , في المشهد الواقعي والحياتي . في تفاصيل تداعيات الصراع السياسي , وتسليط الضوء الكاشف عليه في رواية ( العربانة ) , في سرد توثيقي لتاريخ الصراع الناشب بين الجانبين , وتتبع مسار نضالات الحزب الشيوعي في الواقع العراقي , من خلال النضال الشرس , في الدفاع عن الوطن واستقلاله , والذود في الدفاع عن المحرومين والمسحوقين , من الشرائح المجتمع الاساسية , والوقوف بصلابة في وجه الظلم والاستغلال , الذي تتبعه نهج السلطة الملكية آنذاك , وازلامها من الاقطاع والرجعية , الذين أتخذوا من الفلاحين والفقراء , عبيد وخدم اذلاء, في ممارسة ضدهم الظلم والجور والمعاناة والاستغلال , بأن يكون الفلاح وعائلته , حصة شرعية من ممتلكات الاقطاعي الخاصة , يتصرف بها , بمايشاء ويرغب , في اباحة كاملة , ليمارس عليها الانتهاك والاحتقار , واستغلال الجهد العضلي والبدني الى اقسى حد , ليرمي لهم كفاف العيش , ليسد رمقهم من الجوع . وما معاناة الفلاح ( مظلوم ) إلا صورة لبشاعة الاستغلال . الذي اضطر الى الهروب لينجو بحياته وحياة عائلته . من الاستغلال الفظ والبشع . لذا فأن مجريات رواية ( العربانة ) هي تنتمي الى بيئتها وحاضنتها الاجتماعية . والى زمنها المحدد , في بدايات الخمسينات من القرن الماضي . ومكانها , الانتقال من ريف مدينة ( النجف ) الى مركزها المدني . والرواية تتابع في تفاصيلها , مسار تسارع وتيرة الاحداث في الشارع العراقي , الذي يقوده الحزب الشيوعي , ومن المنطقي ان يكون لرواية , وجهة نظر ايدلوجية مرتبطة بنضال الحزب الشيوعي , وتطرح نفسها بقوة , في عالم روائي متكامل , يتقصى محصلات الواقع وانتاجيته العقلية والثقافية , ودرجة الوعي والادراك , وكذلك تأثيرات العشيرة وناموسها واعرافها وتقاليدها , التي تلعب دوراً حيوياً في المجتمع والواقع المعاشي . وأن الرواية تفتح آفاق عالمها الروائي , على الحقائق والوثائق التاريخية , لنضال شعب , جسده بجدارة نضال الحزب الشيوعي , من خلال الشخوص المحورية في الرواية . فهناك تناسق منسجم في العلاقة , بين تحرك هؤلاء الاشخاص ومجريات الواقع وافعاله , في تحركها في المسار السياسي . لهذا تقدم الرواية , انموذج البطل الايجابي في المنظور الروائي , اي انه يمتلك القدرة على التحرك والتفاعل , وتنامي قدرات الوعي والادراك لديه , ومحاولة فهم الواقع ومعطياته المكشوفة . وما شخصية ( مظلوم ) إلا أنموذج للبطل الايجابي , في صراعه مع الواقع وتكيفه , بعد هروبه من الريف من جور وظلم الاقطاع . وحط الرحال به في مركز مدينة ( النجف ) , وتنامي الوعي عنده , من خلال التحولات في التجربة الحياتية الصعبة , في كفاحه اليومي , في توفير اقراص الخبز لعائلته .

× مسار احداث الرواية :

تبدأ احداث الرواية , من يوم سقوط نظام ( صدام حسين ) واحتلال الفوضى خناق الحياة بالهرج والمرج , وانفتحت زنازين السجون وسراديبها فجأة . ليجد السجين السياسي ( كفاح ) فجأة نفسه في عرض الشارع في هيجانه المجنون , وحالة الاضطراب في حالة الشارع , وحرائق والدخان تملئ الارض وعنان السماء , فيصبه حالة من الذهول والاضطراب , والغرابة المجنونة لما يحصل من هياج وفوضى , بهذا اللغط العجيب والغريب عند الناس , واكثر غرابة وجود العلم الامريكي يجول بحرية في الشوارع , مرفوع على سارية المدرعات التي احتلت الشوارع والطرقات . تساءل بغرابة عما يحصل ؟ وماذا يجري ؟ وماذا يحدث ؟ , ومن القاتل ومن المقتول ؟ , ومن اعتلى السلطة , ومن سقط ؟ وهل عاد القطار الامريكي من جديد ؟ ولكن كيف عاد ؟ ففي المرة الاولى جاء بالبعث واعوانه في الحكم , فمن يحمل هذه المرة الى السلطة ؟ , ومن يحكم العراق الآن بالقطار الامريكي الجديد ؟ هذه الاسئلة تسبب الصداع والغثيان , ويفقد السيطرة على وعيه ويضبط اعصاب المتهيجة , وهو يرى العالم الخارجي لاول مرة بعد غياب في متاهات السجن لمدة 24 عاماً , هذه حالة السجين ( كفاح ) الذي زج في زنزانة انفرادية مغلقة لمدة 24 عاماً . منقطعاً تماماً عن العالم ومحيطه الخارجي . وهكذا وجد نفسه وسط الهياج , وهو في حالة يرثى لها , لحيته الطويلة , وثياب الممزقة , وهيئته الغريبة , كأنه شبح انسان غريب , او انه مجنون هرب من المستشفى مع الفارين . لا يعرف ماذا يفعل وسط هذه الفوضى العارمة , وهو في حالة متعبة ومرهقة . ويراجع شريط ذاكرته في ( فلاش باك ) ونعرف بأنه كان استاذاَ في الكلية , يدرس الادب العربي , وشاعر معروف ومرموق المكانة , وله منزلة محترمة في الاوساط الادبية والثقافية . وتعرف على أستاذة النقد الادبي في الكلية ( احلام ) وارتبط بعلاقة حب معها , انتهت بعقد الزواج , طال لمدة سنة واحدة , وزج بعد ذلك في السجن بتهمة الانتماء الى الحزب الشيوعي . ثم تلحقه في السجن زوجته ( احلام ) وكانت حامل , وبنفس التهمة , وضاعت اخبارها تماماً , . ولكن عرف بعد ذلك , انها اعدمت بعد ممارسة اساليب التعذيب الوحشية عليها . و( كفاح ) ينتمي الى عائلة ريفية . هجرت الريف من جور وظلم الاقطاعي , الى مركز مدينة ( النجف ) . واشتغل ابيه ( مظلوم ) بعد ذلك في مهنة بيع ( اللبلبي والباجلاء ) يدور في عربانته في الشوارع .ولهذا قلد مهنة ابيه بعد خروجه من السجن في بيع ( اللبلبي ) يدور في العربانة في الشوارع ومسطر العمال , الى ان داهمه الانفجار, وفقد الوعي , لكن يسمع صوت يناجيه بمرارة , كأنه صوت أمه ( يمه كفاح . يبعد عيوني كفاح . يمه هاي اشصار بيك . يبعد أمك وابوه ؟ يبعدعيوني يمه . ولك يمه وين جانو أمضيعيك . يبعدعمري . يمه الله لا يرضه على من كان السبب .. ) ص32 . ويسلط الضوء على حياة عائلته , ومشقة والده المضنية في ايجاد عمل , يسد رمق جوع عائلته , حتى وجد ( العربانة ) لبيع ( اللبلبي والباجلاء ) يدور بها في الشوارع . ويختلط بعد ذلك بشخصيات تمثل الحزب الشيوعي . ومنهم الاستاذ ( منير ) فقد ساعده كثيراً في تخفيف اعباء الحياة الصعبة , وقدموا كل العون له , لكي يقف على قدميه في مواجهة مشقات الحياة , وتخفيف الصعوبات التي تعترضه , وخلق العزيمة والمثابرة في مواصلة الحياة . حتى اخذ يتلمس الوعي والادراك تدريجياً , ويتفهم حقيقة الاضطهاد الاجتماعي , ومدى ظلم عرف العشيرة وناموسها , الذي يركز على انتهاك المرأة ونزع كرامتها وحقوقها الانسانية , دون وجه حق , ومنها الزواج ( الكَصة بالكَصة ) , الذي يكرس الحرمان والخضوع الذليل , ان تكون المرأة سلعة . لذلك جابه بعزيمة صلبة هذا الظلم الذي يقع على المرأة , بعرف الزواج ( الكَصة بالكَصة ) تزويج بنات العشيرة على شباب العشيرة , فكانت المواجهة حادة في ديوان العشيرة , ومع رئيس العشيرة , بالرفض القاطع لهذا الاسلوب الظالم في التقسيم والاجبار على الزواج دون ارادتها ورغبتها , وقدم ادلة حياتية مقنعة في الاجحاف والحيف ضد المرأة وهي صغيرة السن , في اسلوب كلامه وطريقة حديثه بالاقناع . حتى أن احد افراد عشيرته خاطبه قائلاً ( – والله ابو مطشر يبين بيع الباجلة هواي مغير من طبايعك . جالون تبيع الذهب جان صرت بمجلس النواب ) ص131 . وامتلك القوة في مجابهة صعوبة الحياة , بالتحدي والمثابرة , في تجربته الجديدة في المدينة . في سبيل توفير رمق العيش لعائلته . فكان يعود في المساء الى بيته متعباً ومرهقاً ومأزوماً , وبعض الاحيان يعود مفلساً و لا يملك حتى تكلفة اقراص الخبز الى عائلته , اضافة انه في بعض الاحيان , يقع في مطبات في التلاعب والغش والسرقة . لكن اصدقاءه الشيوعيين يقدمون الدعم والمساندة , وفق الامكانيات المتوفرة لديهم . حتى في احد الايام وقع في اغراء امرأة ( غنودة ) الغجرية . زوجة احد وجهاء السلطة ( معيوف ) . فقد مارست عليه الاحتيال بشراء ( الباقلاء ) والدخول الى بيتها واغرته بشهوة الجنسية والمضاجعة , حتى استسلم لها بكل جوانحه , لكنها بعد ذلك اخذت كيس فلوسه ( جيس الفلوس ) وحين رجع اليها متوسلاً اعطاءه نقوده , انكرت وطردته . لكن بعد ذلك تقع في غرامه وتشتاق اليه , حتى انها ساعدته في الخروج من السجن وساعدته مالياً . وسردت له حكاية حبها وعشقها الى ( شياع ) وفقد كانت غجرية مملوكة خصوصياً الى احد الاقطاعيين , ولا يقربها احداً من كان , وحين عرف بعلاقتها مع ( شياع ) قتله بر صاصات مزقت جمجمته , وبعد ذلك لفق تهمة مزورة على العاشق القتيل , بأنه كان مسجوناً سياسياً خطيراً , هرب من السجن , وحين وجده رفض الانصياع , وعودته الى السجن .وظلت ( غنيدة ) الغجرية تشتاق اليه بهيام العشق والهوى , ووجدت ظالتها ب ( مظلوم ) العاشق الذي يسد الفراغ الروحي واحبته واشتاقت اليه و حتى قدمت المساعدة له وانقذته من السجن بنفوذ زوجها او خليلها ( معيوف ) الذي تكرهه ولا تميل له , لكنها مجبرة في الارتباط به , وبعد خروجه من السجن وقفوا اصدقاءه الى جانبة في تدبير شؤون حياته , وخاصة الاستاذ ( منير ) الذي وجد فيه وجه الخير , لم يتوانى في تقديم المساعدة والدعم للمحتاجين , وكان يمدح اخلاقه النبيلة والمتفانية في حب ومساعدة الناس ( – أي والله والنعم من ’’ الاستاذ ’’ منير من أهل النخوه والطيب وما يقصر ويه كل محتاج ) ص116 . ويختلط بعلاقة وثيقة مع اصدقاء الاستاذ ( منير ) , لانهم اصدقاء الخير والنخوه , ويتفانون في تقديم المساعدة وادخال الفرحة والبهجة في نفوس المحتاجين , ويتفهمون معنى الانسانية والتضامن والتكاتف مع الاخرين , ولهم سمعة ومكانة مؤثرة في قلوب الناس , لذلك يمتلكون , السيطرة على تحريك الشارع , وزجهم في المظاهرات والاحتجاجات ضد السلطة السعيدية ( نوري السعيد ) الذي ينتهج اساليب قمعية في الحكم ,لكي يتمكن على اخماد المظاهرات والاحتجاجات المناهضة للسلطة الملكية . في ممارسة نهج القبضة الحديدية , في ارتكاب جرائم بشعة بحق ابناء العراق الاوفياء . الذين يطالبون برفع الحيف والظلم , والخروج من التبعية الاستعمارية , وتحصين الاستقلال الوطني . فكان ( مظلوم ) يسمع ويصغي الى احاديثهم , ويتلهف الى معرفة حقيقة الامور الجارية في الصراع السياسي , ويبدي اعجابه بالروح المتفانية للوطن , وحب الفقراء والمظلومين , ويحاول ان يطور ملاكات وعيه السياسية , ليخلق في نفسه روح النضال الوثابة , وكانوا اصدقاءه يبسطون الامور , بشكل سهل في طريقة الكلام حتى يفهم المضمون والجوهر والغاية والهدف , من اسلوب المظاهرات الاحتجاجات الشعبية ومعرفة حقيقة الجرائم التي ترتكب بحق الناس , في اعدام وقتل العشرات , من المناضلين من احرار العراق , وعن زج المتظاهرين في السجون والمعتقلات , انتقاماً من انتفاضة الشعب عام 1948 . التي هزت اركان السلطة الملكية , التي تماديت في اسلوب العنف في مواجهة الانتفاضة الشعبية بالحديد والدم ( عزيزي ابو مطشر هؤلاء ( الشهداء ) لا قتله ولا سلابه ولا نهابه . وانما كرسوا حياتهم من اجل ايقاف سلب ونهب ثروة الشعب والوطن . ووقف قتل وتعذيب وخطف ابناء الشعب الشرفاء . كل ما يريدونه سلام امن وحرية ورفاه الشعب , وخصوصاً من العمال والفلاحين وكل الفقراء والكادحين , لذلك ناصبتهم الحكومة العداء, وقررت قتلهم حفاظاً على حكمهم , والحفاظ على مصالح اسيادهم …. وان شاء الله تتبدل الحال وتستطيع ان تتعرف انت وغيرك على احدى التضحيات هؤلاء المناضلين وشجاعتهم وحبهم لناسهم ) ص121 . وفي احدى الايام تخبره زوجته , بأنه وصلها خبر , بأن احد افراد عمومته , قتل رجلاً من عشيرة اخرى , وعليه اخذ الحذر والحيطة والتخفي . حتى لايقع صيدة سهلة لعائلة المقتول بأخذ الثار . واخبر اصدقاءه بالخبر المؤلم , وقرروا نقله الى بغداد , وايجاد عمل له هناك , واختيار له اسم جديد ( غضبان ) واسم ابنه ( مطشر ) بأسم جديد ( كفاح ) بعدما اثبت جدارته في المدرسة ونشاطاته الجماهيرية , يديرها بعقل متفاني من الوعي والادراك .

× الجزء الاول ( العربانة ) من ثلاثية محطات

× المؤلف : حميد الحريزي

الطبعة الاولى : عام 2018

× الدار النشر والتوزيع فؤاد

× عدد الصفحات : 200 صفحة

جمعة عبدالله

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close