وقفة صراحة : إشكالية الجهل في مجال حقوق التأليف و النشر

بقلم مهدي قاسم

يمكن اعتبار هذه السطور التالية امتدادا لمقالنا السابق الذي نُشر قبل أيام في صحيفة صوت العراق تحت عنوان ” عرب و تقنيات حديثة ” والتي قمت بإعادة نشرها ــ متعمدا و بشكل استثنائي ــ على صفحتي في الفيسبوك لأنني أصلا لم أعد أنشر شيئا في الفيسبوك ، أقول امتداد لأن ثمة جهلا شبه مطبق يسيطر على البعض من ناحية فهم و إدراك حقوق التأليف و النشر ، فيمكن ملاحظة ذلك بكل وضوح في مواقع و على صفحات الفيس بوك حيث ينشر كل من هب و دب منشورات و نصوصا بل ومدونات تحتوي على حكم مواعظ أخلاقية و حتى لوحات و صور فوتوغرافية ، ينشرها و كأنها من نتاج عمله و جهده الشخصيين ، بل و يحصّل على استحسان أيضا على أساس هو كاتب النص أو المدونة !!، بينما كل ما يفعله هذا و ذلك هو مجرد القيام باستنساخ هذا المنشور أو النص و من ثم إعادة النشر بضربة أصبع فحسب !، دون تحمّل أي عناء أو اهتمام باسم المؤلف الأصلي ولا الإشارة أو الذكر ولو بكلمة ” منقول ” ..!!..

نعرف أن الأمر ليس مقصودا هنا دائما ، و ذلك بحكم الجهل المطبق على صعيد حقوق التأليف و النشر في البلدان العربية ، و تاليا عدم معرفة البعض بحقيقة وجود شيء اسمه ” حقوق التأليف و النشر” في معظم بلدان العالم ، وربما في بعض البلدان العربية أيضا وهي مثبتة كمواد وبنود في كتاب قانون العقوبات الجنائية ، تنّظم حقوق التأليف و النشر كحقوق ملكية مثل أية ملكية أخرى مثل ملكية بيت و سيارة أو حصان أو جهاز تلفزيون و نقّال على سبيل المثال و ليس الحصر..

فالمدونة و المقالة و القصة أو القصيدة أو فصل من رواية و مسرحية أم دراسة نقدية وفكرية وعلمية ، فضلا عن لوحة تشكيلية و تأليف موسيقى أو أغنية و الخ الخ تقع ــ حسب مواد القانون الخاصة بأمور الطبع والنشر و التأليف ــ تحت خانة ” الملكية الخاصة ” تكون محمية من قبل مواد و بنود قانون حقوق النشر و التأليف ، و بالتالي أن من يقوم بإعادة أي نص أو منشور تحت اسمه و دون ذكر اسم المؤلف الأصلي فأن عمله هذا يُعد بمثابة ارتكاب جنحة سرقة يعاقب عليها القانون إما بالحبس أو بالغرامة المالية..

فهذا ينطبق من حيث المبدأ حتى على ما يُنشر على المواقع و صفحات التواصل الاجتماعي و المواقع الأخرى فضلا عن منشورات مطبوعة أو مرئية أو مسموعة و غير ذلك من نصوص و أعمال إبداعية ..

كحقوق ملكية خاصة ومحمية من قبل قانون التأليف و النشر في كل الظروف و الأحوال ..

أو على الأقل هذا ما هو سائد في البلدان الغربية عموما و كذلك في غيرها من بلدان أخرى غير العربية ..

طبعا : الغاية من وراء ذلك هي حماية حق المؤلف والناشر كنوع من حقوق ملكية ذهنية و إبداعية لا تختلف كثيرا عن حقوق ملكية مادية أخرى الآنفة الذكر ..

فأذكر في السياق أن بعض القنوات المجرية قد أذاعت لي فيما مضى من الزمن بعض قصائدي المكتوبة باللغة المجرية و دفعت لي في حينها مبلغا معينا مقابل ذلك ، التزاما بحقوق المؤلف ولكنها ـــ فيما بعد ــ أخذت ترسل لي مبلغا من المال كلما أعادت بث البرنامج الذي تمت فيه عملية إلقاء قصائدي من قبل ممثلين هنغار ..

كما اتذكر أن إحدى دور النشر الهنغارية قد دفعت لي مرتين من أجل كوني ترجمتُ كلمة عربية واحدة فقط !..لا غير .. أجل كلمة عربية واحدة فقط ، وردت في رواية جرت عملية ترجمتها من اللغة الأسبانية إلى الهنغارية :

مرة عندما صدرت الرواية باللغة الهنغارية للمرة الأولى و مرة ثانية عندما صدرت الرواية بطبعة جديدة ..

وعندما حاولت رفض المبلغ ، وهو لم يكون كبيرا على كل حال ، فقالوا لي يجب أن استلمه حتما و أفعل به ما أشاء لأنه قد بات ضمن نفقات الطبع للرواية المثبتة في حسابات الشركة !..

طبعا ، لا أذكر كل هذا من باب التبجح أو شيء من هذا القبيل ، إنما و فقط وددتُ التأكيد على أي مدى تجري عملية الالتزام بأنظمة وقوانين حماية حقوق التأليف و النشر و الطبع في البلدان الغربية..

بينما في البلدان العربية تجري عملية الاستسخاف بحقوق التأليف و النشر سواء جهلا و لعدم اكتراث ولامبالاة ..

و لطالما شكا كتّاب و شعراء عرب أنفسهم بسبب تعرض أعمالهم و نصوصهم لعملية سرقة أو انتحال ..

كما تجدر الإشارة هنا إلى أن الروائي الكولومبي غارسيا ماركيز ــ الحاصل على جائزة نوبل ــ قد شكا مرارا معبرا عن امتعاضه و سخطه لكون العديد من دور النشر والطبع العربية نشرت أعماله الروائية والقصصية مترجمة إلى اللغة العربية دون أن تدفع له فلسا واحدا مقابل ذلك .

يبدو أن السبب الأساسي لعدم احترام حقوق النشر و الطبع يرجع في جزء منه إلى الجهل القائم بين شرائح و فئات اجتماعية واسعة على هذا الصعيد و بغض النظر عن مستوى وعيهم الثقافي ..

فمن هنا ضرورة القيام بحملة توعية واسعة لإدراك البعض فهم جوانب هذه المسألة جيدا و احترام حقوق وملكية الآخرين و عدم الاعتداء عليها سرقة أو شيئا من هذا القبيل ..

لكون المسألة بحد ذاتها بسيطة لو جرت عملية توضيحها في نهاية المطاف :

إذ كلما في الأمر أن الفارق الوحيد في العمل الإبداعي بين صنع كرسي أو مائدة طعام و خزانة ملابس من جهة ، و بين كتابة مقالة أو رواية و قصة أو قصيدة أو تأليف موسيقي ــ مثلا ــ من جهة أخرى هو إن أحدهما إنتاج عضلي بينما الثاني ذهني فقط ، غيرأن كليهما يتمتعان بنفس القيمة للملكية الشخصية من وجهة نظر القانون الخاص بالمطبوعات والتأليف والنشر .

أو على ألأقل ، هذا ما هو سائد في بلدان “الكفار و الصليبين “..

أما في بلدان “المؤمنين الأبرار ” فالأمر يختلف تماما ..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close