اشكالية بين النظرية والتطبيق

بهاء الدين الخاقاني
……
ندوة: اشكالية بين النظرية والتطبيق
المحاضر: بهاء الدين الخاقاني
تقديم: السيد صالح المحنا
معهد اولادي: امريكا: 21 ذوالقعدة 1439 – 4أب أوكست 2018

تعتبر إشكاليةُ التنظير والتطبيق، وصلتُهُما بأمور الحياةِ المختلفة، من إشكالياتِ المهتم بها على المستويات المختلفة للمؤسسات والمفكرين، حيث تتعدد الأشكالياتُ، وترتبط بأسسٍ تصوغ نظريةُ ما، وكذلك بخصوصياتِ الواقع الذي يتمّ التطبيقَ عليه.
حيث اِنّ النظريةَ باحثةٌ عن مبادئء الوصول الى مطلق الأشياء ومفاهيم الحصول على نتائج اليقين بالأمور، أما التطبيقُ باحثٌ عن التجربة وفاعليتِها بالمتغيرات. فالاشكاليةُ استنادا لذلك هي انعكاسٌ لرد أفعال الادراكات العقلية بالقبول أو الرفض، والتي تثيرُها كلٌّ من النظرية والتطبيق، فيكون التطبيقُ بنتائجه الايجابية والسلبية أبعدَ دلالة من النظرية، من أجل اثباتِها او تطويرِها أو التخلي عنها، وتكون النظريةُ أبعدَ دلالة من التطبيق، للرغبات والمثاليات ومعالجاتها الفكرية من عدمها، وبذلك تتعمق مفاهيمُ الاشكالية وتحدياتها، ومثل هذا الصراعُ بين النظرية والتطبيق، نحتاج لعقلٍ متحرك واعي، يتحمّلُ الصراعَ ويحللُ الاشكاليةَ.
عندما نقرأ نصا ما لنظرية، نمدحُها ونقولُ جيدة أو ننتقدُها ونقولُ غيرَ مناسبة، وعندما نعودُ لمجرياتِ كيفية تطبيقها نرى أنها لم تطبق، أو أنّها مرّعليها فترةٌ من الزمن وباتت قديمةً أو أنها مهمولةٌ، أو أنها صادرةٌ من جهة لا نحبذُها أو لدينا رأيٌ أو موقفٌ منها، فنحكم عليها فاشلة، في الوقت الذي لا يوجد تطبيقٌ لها عمليا من قبلِنا أو في المحيط، فكيف نحكم عليها بذلك، فاِذن هناك خللٌ في طريقة التعامل مع النظريات وحتى مع النصوص عموما اِن كانت شرعية أو غير ذلك، عندما نرى أثرَها في المجتمع والفرد لنكتشفَ أنّ الخللَ في سلوكيةِ من يتابعَ النصَ من قبل الأفراد وليس في النص، لأننا نفتقدُ لهمّةِ اِعداد استبياناتٍ واستطلاعات لمعرفة فشلِ الأمور أو نجاحِها، وتطبيقِها لسنواتٍ على عدد علميّ مناسبٍ من الأفراد، لتكون صفتُنا الجدلَ والتنظيرَ والتجمدَ على صفات سلوكياتنا من المعتقدات والأعراف والتطرفِ والعصبية، والتي ايهاماتُها ومغالطاتُها الثقافية باتت مسلمةً لدينا وكأنها هي الصوابُ المطلق، لنفرضُها على غيرنا وبالأخص على الأجيال، وبحكم هذه السلبيةِ لا يمكن للفكرة أن ترتقيَ كنص، أيّا كان واضعه، من رسول أو اِمام أو أيّ مفكر وعالم، ولهذا نفتقد لأهمية العلاقة بين النص والعمل، في مقابل سطوةِ الأعراف والمعتقدات، التي تغذي الاشكاليات التي لابد من دراستها عند كلّ مستجد، مع افتقادنا للأسس المعرفية للتطبيق.
فالطبيعة البشرية لمجتمعاتنا، دون غيرها ولنفس الأسباب التي ذكرناها كما هو ثابت، بسبب تراكم الموروثات بسلبياتها وايجابياتها، خلقت فوضى فكرية، تكرس جلّ قدراتها للنيل من النظرية والتطبيق، في تناقض حادٍ بين الادعاء بمحبة محاسن النظريات، ولكن يحصل النفاقُ الداخليّ غيرِ ظاهر أحيانا لعرقلة تطبيق النظرية، وان كانت لنبي او امام او عالم او مفكر، وبين الرغبة بالتطبيق الأحسن للتجربة، ولكن يحصل التحريفُ بحجة عدم القناعة، وعندها يقع الفردُ المسؤؤول بالأمر أيّا كان، في ايهامات ردود الفعل، ومغالطات معايشة الواقع .
وبالتالي نكتشف أنّ الاختلاف مع فهمنا للنظرية والتطبيق على حد سواء، لأننا لا نريد لأحد أنْ يتجاوز على حدود معتقداتنا للموروثات، أيّا كانت والتي لقنا بها، استسلاما للواقع الجامد، وليس كما يدعى احترام الثوابت ومنها الأخلاقية والشرعية.
فاذن الخطأ ليس في النظرية وان كانت ضعيفة وايضا ليست في التطبيق وان جاءت النتائجُ مغايرةً لما هو أفضل، بل الأخطاءُ تكمن في مسلماتنا المسبقة لما نفكرُ به تجاه النظريةِ وتجاه التطبيق، مما يسبب الوقوعَ في النتائج الفاسدةِ، وهذا يعكس اِنّ المعنيَّ بالأمر، اِمّا يكون جاهلا أو يتغافل عن الحقائق لأسباب كثيرة ومنها ثقافته المتوارثة غير مناسبة لعصر الجيل القادم، وبالتالي نكتشف منهاجَ المدّعين بالأمر فيه من التخبط والتشتت، عندما يتم مخالفةَ النظرية والتطبيق عمليا، كي لا يتم اِحداثَ التغير في التفكير البشري، لتظهر الحقائق مشوهة .
وهنا أقول لا يتفاعل عقلُ الانسان لهذه الأسباب، ليعيش جهلا، لعدم وجود المحفز للحركة، كونها تناقض البراهين، ونحن نلقن أنفسَنا مسبقا بسذاجتها وبساطتها، واِنْ ادّعينا رياء وظاهرا بمدحها أو استحسانها.
فالاشكالية عندها تتبلور، بكيفية التصدي لشعور كلّ منهما بأحقيّته بالنتيجة المرجوة، وهذا ما سبب تشتتا في أيّ منهج كان، سياسيا واقتصاديا وتربويا، الى آخره، وبالأخص في أسرنا ومؤسساتنا وبلداننا لصفات الموروثات فيها التي عززت صعوبة قبول المتغيرات وثقافة تحويل الفكرة الى مقدسات بمرور الزمن، فضلا عن التطرف في الفكرة والتعصب في المنهج دون احترام حركة الزمان وتجدده، وروح النصوص والنظريات التي توجه باحترام متغيرات العصور، فالاشكالية، على ضوء ذلك هي التحسس بوجود الأخطاء.
واذا عدنا الى التربية، فهي بحكم ذلك فانها ميزانُ الحياة، في تقييم النظرية والتطبيق، واذا ما حصرناها بما نرغب أن نوجّهَ به بحثنا، فهي ميزان التنمية البشرية أو فقدانها، واستقامة الأسرة والمجتمع من عدمها، ونهضة البلدان أو انتكاستها.
وقد اشرت هذه الاشكالية، لثقافة التوهين وان كان مزاحا، والتضعيف للشخصية وان كان حقيقة، من أجل اطفاء انفاس الحقيقة، بقصد نتيجة التعصبات أو دون قصد نتيجة الجهل ..
فالتربية ليست قوانينا مخترعة بالمطلق بل هي نتاجُ ضروراتٍ مترسخة في العقلية البشرية لادارة الحياة، وما فيها من بديهيات تغالطها أنفسُنا، عند تحديها العصبية أو الجهل، وفيها من المسلمات نوهم بها المحيط بالضد منها، عندما تتملك رغباتُنا المغالاةَ بالتقديس، فحقيقة التربية أخلاقيا وشرعيا، عند تحقق الوعي وفاعلية ادراكاتنا العقلية، لا يمكن ان يتم فيها النزاع لضرورات توجهاتها القيمة لاستقامة الانسان والحياة حضاريا وعلميا وتربويا، والا عززنا الفوضى والعبثَ، عبر ما يحدث من مغالطة وايهام، ولهذا لم نلمس أيّ متغير لحالتنا الاجتماعية مثلا، رغم الاستثنائات، هنا وهناك متصفة بالقلة والفردية،، وهذه لا تغني من جوع، وان الاشكالية تتعزز، عندما تتعرض الى الانتقادات من التطبع والتلقين البشري، الذي لا ينتمي للتنمية والارشاد، رغم ما ندعو اليه للبدائل، ونحن مازالنا لم ندرك نتائجَ ما بين أيدينا، حيث نخالف الصوابَ في البحث، لأننا مازلنا لم تتعرف على مواطن الخلل رغم الانتقادات، والتي طالما تحول النقد منها الى مهنة الادعاء والظهور، ونعرف جميعا بأنّ كلّ المناهج المعرفية وأختصاصانها، تعتمد على حركة العلم وتطوره..
فالتربية اِذن، ليس بحد ذاتها مشكلةً، بل الاشكاليةُ تكمن بأننا ماذا نريد منها، صراحة وليس أعرافا أو جهلا.
وعند هذا الحد اكتفي بما يؤكد تقييمَنا لكلّ النتائج وانتقاداتِها أيضا، بين انهيار الأساليب لدينا ومحاولة اختراع البدائل، لاظهار أنفسَنا بأننا على معرفة بالأمر والمشكلة، ونحن بذلك نكشف مباشرة وغير مباشر للمتتبع الواعي، عن ضعفِ القراءة وضحالةِ المعتقد، وفشلٍ حتى استنساخ ما ورثناه وبالتحديد في التربية، مما نصنع أحيانا وحوشا نرسلهم الى المجتمع من أبنائنا أو متمردين أو فاشلين، بسبب أخطائنا، أو نولِد غرباء عنّا، لا توجد بيننا لغة مشتركة، واِن كان الأبناء مبدعين ومنتجين وكفاءات في الحياة، لأنّنا أقل مستوى منهم وعيا، رغم ادعاءاتنا، فاذا كان هذا مستوى الفهم للموضوع فلا يمكن أن تعتمدَ الأجيالُ على ما يوجهون به، لأقولَ من العقل أن نقرأ أخطائَنا أولا، كي نتحملَ معالجة أخطاءِ ما نقرأ من نظرية وما نرى من تطبيق، فعندما نتحمل مثلَ هذه القراءةِ والمعايشة، تعزز معالجاتُ الأشكاليةِ التربوية بل وأيُّ اشكاليةٍ أخرى حتى السياسية والاقتصادية وغيرها، لأن الجيل القادم والزمن الجديد معنيٌّ بها، ولا يحتاج الى انتظارنا رغم انهم بحاجة الى توجيهاتنا، وعلينا أن نوجهه بالصواب..
…………………………..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close