الارهاب القادم من العراق … معاني و دلالات

عبدالله جعفر كوفلي /ماجستير قانون دولي
[email protected]
6/8/2018
في خبر ليس بالمعتاد عند المختصين و اصحاب الشأن حيث حذرت وزارة الخارجية الامريكية , من امكانية ظهور جماعة ارهابية جديدة على مستوى العالم ، و تبدأ ظهورها من الوحل العراقي عندما لا تقوم الحكومة العراقية بالاصلاحات الجذرية في المجال الاقتصادي و السياسي و الاجتماعي .
و على نفس المنوال قال المستشار البارز في الوزارة نفسها (دوكلاس بادغيث) في يوم السبت 4/8/2018 في معهد (هدسون) في واشنطن عند مناقشته و السؤال عن احتمال ظهور الارهاب بلباس جديد قال : (ان منظمة ارهابية على شاكلة داعش قد تظهر في العراق على الرغم من هزيمتها عسكرياً ، و لكن الظروف السياسية و الاجتماعية و الثقافية وانعدام المصالحة و عدم المسألة كفيلة بأرجاعها مرة اخرى .
ان التصريحات الامريكية المتكررة من جهات متعددة بأن الارهاب بزي جديد سيظهر في العراق يمكن ان يكون خبراً صحفياً و اعلامياً عند الكثير ، و لكنه ليس بذات الشكل عند المراقبين و المتابعين للواقع العراقي و الجماعات المتطرفة ، بل ان هذا التصريح يحمل بين جنباته العديد من المعاني و الدلالات ، و هو قابل للتحليل و التمحيص للخروج بنتائج تستند على التجربة و التدقيق المستمر لملفات الجماعات الارهابية التي تشترك في الاسلوب و الاهداف و تختلف في التسميات لتظهر في كل فترة و مرحلة بأسم جديد اكثر فتكاً و أعم رعباً و اشمل دماراً من ذي قبلها .
ومن هذه الدلالات و المعاني :-
ان ظهور الجماعات الارهابية المتتالية من عدمها تكون وفقاً للمصالح الدولية ، و هي التي تحركها أي ان الارهاب بات وسيلة و اداة لتحقيق اجندات دولية ، و ان خير دليل على ما نذهب اليه هي اتهام الدول لبعضها البعض بالدعم و إيواء العناصر الارهابية و استعمالهم وفق ما تشتهيه أهدافهم ، و ان كان ثمنها حياة الابرياء و دمائهم و تشريدهم و تدمير المدن و اضعاف سلطات الدول او انهاءها ، و اكثر الاتهامات المتبادلة هي , بين امريكا و ايران المتخاصمين المشتركين .
ان هذا التصريح الوزاري يبين قدرة الاجهزة الاستخبارية الامريكية على جمع المعلومات و قوة اختراقها للمنظمات المعادية لها ، بل و انها تتنافس في الحصول على المعلومات قبل غيرها ، و يمكن ان نقول بأن جهاز الاستخبارات المركزية (CIA) تعمل كدولة داخل دولة امريكا و تلعب اللعبة الكبرى و ترسم حدود الخطة الاستراتيجية الامريكية في الشؤون الخارجية ، و له باعاً طويلاً في منطقة الشرق الاوسط و تتدخل في شؤنها بشتى الاساليب .
ربط التصريح الامريكي عدم ظهور الجماعة الارهابية الجديدة باسباب تكون مستحيلة التنفيذ في العراق من اجل اجهاض عملية ولادة هذه الجماعة و منها القيام باصلاحات سياسية و اقتصادية و القضاء على الفساد الاداري و المالي و انعدام المصالحة أي انه حددت المشاكل التي تعاني منها العراق و جعلت منها الحاضنة المناسبة لنمو الارهاب بزي جديد كما ظهرت (داعش) من تحت انقاض القاعدة التي كانت تطعمها الطائفية و الاقصاء و التهميش السياسي لمكون معين . و ان استحالة معالجة هذه الازمات و المشاكل تعجل من ظهور المولود الجديد الذي سيرضع من ثدي امه التي كادت تفارق الحياة و تغرب شمسها ليكمل المولود مشوار من سبقوه و ان كان مختلفاً عنهم بالاسم فالعراق بات المنبت المناسب و التربة الخصبة لتبدأ بذور الارهاب الجديد دورتها الحياتية فيها لذا فقد خص التصريح دولة العراق دون غيرها .
ان اتهام امريكا المتكرر لأيران بدعم الارهاب و ادارة الجماعات الارهابية في شرقها و غربها ، فأن التصريح يأتي ضمن هذه السلسلة و ان كانت بصورة غير مباشرة و ربما يكون التصريح جزءاً من الحملة الامريكية الاخيرة ضد ايران بعزلها سياسياً و تدميرها اقتصادياً و اضعاف دورها في المنطقة و تشويه صورتها في العالم الخارجي و بالتالي حمل ايران على الرضوخ لارادتها و القبول بشروطها او الجلوس معها على المستديرة كما فعل مع كوريا الشمالية و لكن يبقى الباب مفتوحاً لكل الاحتمالات مع الفارق الكبير بين كوريا الشمالية و ايران من حيث القوة والنفوذ .
هذا التصريح يؤكد ضرورة استمرار الوجود الامريكي في العراق لأن الارهاب من اكثر الاسباب التي تنادي بها امريكا وتدفعها مبرراً لوجودها في المنطقة بصورة عامة ، لذا فأن اطلاق هذه التصريحات تجعل من الوجود الامريكي امراً لازماً و مهماً لحماية المنطقة و العراق من تداعيات الارهاب الجديد .
و اخيراً على الحكومة العراقية و الكوردستانية و اجهزتها الامنية ان تأخذ التصريح بجدية و ان يستعدوا لمحاربة الجماعة الجديدة التي ستحمل ادوات و اساليب جديدة لتنفيذ برامجها الى حين ولادة جديدة و الذي نتمنى ان تكون هذه الجماعة عقيماً لا تلد و تنتهي الى الابد .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close