الهجرات العربية بأتجاه الشرق قديما، حضرموت ودورها المحوري في نقل الثقافة الاسلامية الى اقطار جنوب شرق آسيا ! ح 14

(*) د. رضا العطار

ان الجموع الغفيرة من العرب التي هاجرت بأتجاه الشرق خلال القرنين السابع والثامن الميلادي، كانت دوافع الهجرة اقتصادية بالنسبة الى التجار من العرب، وعقائدية بالنسبة للمسلمين الشيعة من العرب، خاصة العلويين منهم الذين كانوا يقاسون من ظلم وجور حكام بني اميّة وبني العباس، ولذلك لم يكن امامهم خيار آخر سوى ترك الاوطان والملاذ في مناطق نائية آمنة، حيث وجدوا فيها البيئة الملائمة لنشر عقيدتهم الاسلامية، خاصة بعد ان حظوا بالأستقبال والقبول من قبل سلاطين تلك البلدان التي توطنوا فيها، وقصة ملك الفلبيين في جزيرة يوايان ما زالت طرية في الذاكرة، كيف انه اسلم على يد عربي علوي، وعلى اثر ذلك اعلن جميع السكان في الجزر التسعة التابعة له، اسلامهم.

اما الدوافع الاقتصادية، فلم يكن لها تاثير كبير عموما خاصة وان الشعوب العربية كانت تعاني الفقر قرونا عديدة وقد اعتدت عليه مع الزمن تحت وطأة حكامهم المستبدين وغياب نظام العدل الاجتماعي، فكانت هجرة العربي في البادية، انتقالا محليا، اتسم به البدو الذين كانوا يتركون مكان سكناهم في حالة الجفاف، سعيا وراء الماء والكلأ.

لكن الذي حدث في اعقاب الحرب العالمية الاولى وتحديدا في الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين ان سائت الامور المعاشية في بلاد الشام بشكل غير مسبوق . مما دفع شعوبها وخاصة شعب لبنان الى الهجرة للخارج، فكانت امريكا هي الهدف، بعدما توقعوا ان يتعرضوا الى خطر المجاعة، فركب الهوس رؤوسهم في ترك بلادهم حتى فرغت من نصف ساكنيها .

ما اسخف البلد الذي يباهي ابناءه بأنهم يبنون في الغرب ناطحات السحاب بينما تكون قراهم في الوطن الأم خاوية خالية ينعب فيها الغراب، وانهم يولدون في وطنهم في الاكواخ، ويموتون في الغربة في الأبراج، وما اتعس الشعب الذي يتضائل في بلاده ويتعاظم في بلاد الغربة. تود الحكومات العربية اليوم التي ينتمي اليها المهاجرون، لو تسترجعهم الى ارض الوطن، فتوسد ذلك بالوعود المشوقة، حيث يلتقي حسن النية بقصر النظر، فعودة المغتربين هي غربة ثانية بالنسبة اليهم. لقد توثقت الصلات التي تربطهم بالمهجر ووهنت صلاتهم بالوطن الأم في عشرات السنين التي مضت. فإذا عادوا اليه لم يجدوا فيه الاواصر والارحام التي انسلخوا منها يوم هجرتهم – وكانت مناط حنينهم في غربتهم — فقد قيل في المغترب العائد:

رب كهل عاد منهوك القوى * * كان يوم البين طلاع الثنايا

لم يجد من عهده في قومه * * باقيا غير المخازي والشكايا

اللذاذات التي يشتاقها * * اصبحت في ارذل العمر رزاياها

يا لها من غربة ثانية * * في صميم الدار ما بين الولايا ـ1

1 ـ القروي شاعر لبناني من المهجر.

* مقتبس من كتاب دائرة المعارف الاسلامية للباحث حسن الامين بيروت 1990

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close