لماذا يحصل خلط الموقف بالتحليل؟

حميد الكفائي

يخلط كثيرون في مجتمعاتنا الموقف السياسي المنحاز المنطلق من المصلحة والتحليل السياسي المحايد المبني على أسس معرفية رصينة، وبين السعي الجاد إلى معرفة الحقائق وإطلاق العنان للتمنيات الطوباوية أو المشروعة. وهذا الخلط يحصل حتى في أعلى المستويات أحياناً، عند صناع القرار والمثقفين.

إن اكتساب المعلومات وحده لا يكفي لأن يتوصل المرء إلى تشخيص العلل ومعرفة الحقائق، وقد صور القرآن هذه الحالة في وصف جميل (مثله كمثل الحمار يحمل أسفارا)، فحامل المعرفة غير القادر على تحليلها والاستفادة منها، أو الإفادة بها، لا يمكن أن يكون عضوا فعالاً في المجتمع في أقل تقدير.

في حرب تحرير الكويت، جمع صدام حسين جنرالاته كي يستعدوا لمحاربة العالم والانتصار عليه! ولا أدري ما إذا كان صدام حقاً مؤمنا بأنه قادر على إلحاق الهزيمة بالعالم، لكنه بالتأكيد حاول ذلك ما يوحي بأنه كان يأمل بحصول معجزة من نوع ما. جمع الرئيس جنرالاته من أجل وضع خطط الحرب وكيفية التصدي لـ «العدوان الثلاثيني». لم يكن أحد من الجنرالات قادراً على الإفصاح عن رأيه ومصارحة الرئيس بأن العراق سيخسر الحرب سوى الفريق نزار الخزرجي الذي ما إن تفوه برأيه حتى قاطعه صدام قائلاً: «هل تريد منا أن نستسلم؟»، فرد الخزرجي: «سيدي، أنا جنرال ومهنتي الحرب ولكن من واجبي أيضا أن أقول الحقيقة». لكن الحقيقة لم تعجب صدام فأنهى الاجتماع، وبعد عودة الخزرجي إلى بيته بوقت قصير وصله أمر إقالته من رئاسة أركان الجيش. وقعت الحرب ودُمِّر العراق وما زال يعاني من آثارها وسيبقى لعقود مقبلة.

الخزرجي عبّر عن رأيه المهني بعد أن حلل الوضع العسكري تحليلاً دقيقاً لكن صدام الذي لا يعرف الكثير عن الحرب والسياسة، اعتبره متخاذلاً انهزامياً.

يعود سوء الفهم هذا إلى حالة الخلط السائدة في عالمنا بين الموقف المنحاز المنطلق من المصلحة أو الأهواء، والتحليل المبني على أسس معرفية رصينة، فلا فائدة من المعرفة إن كان المرء غير قادر على استخدام مكوناتها في التحليل والغوص في أعماق القضية وإبراز الكامن والمسكوت عنه فيها. لذلك، ترى كثيرين في عالمنا يحذرون من الإفصاح عن تحليلاتهم إن كانت ستزعج الآخرين، فتراهم يظهرون غير ما يبطنون، وتجد هؤلاء حتى بين وزراء مستشاري الحكام الذين يبدون لهم ما يسعدهم ويخفون عنهم ما يسؤهم.

يقول الأكاديمي عقيل عباس في إحدى مقالاته إن الثقافة بمعناها الدقيق لا تعني اكتساب المعرفة التفصيلية فحسب، بل تعني القدرة على التحليل الدقيق للمعلومات والأحداث، ومن لا يمتلك هذه القدرة لا يمكن أن يعتبر مثقفاً.

حياتنا العربية تعج بهذا الإشكال المعرفي، ونحن الكُتّاب والمحللين الذين ندعي الحيادية، مبتلون بالاتهامات شرقاً وغرباً، فكلما عبَّرنا عن رأي مبني على تحليل للأحداث التي نفهمها بعمق ونتابعها عن كثب، يأتينا البعض متهماً بأننا «جانبنا الحقيقة» أو «جاملنا فلاناً» أو أننا «دسسنا السم في الدسم»، والأسوأ من كل هذا أننا «مأجورون» أو «مدفوعون» لقول ما قلناه لأسباب سياسية، أو دينية أو طائفية. وما يقود إلى سوء الفهم هذا هو القفز إلى استنتاجات جاهزة من دون تفكير وبحث عن أسباب أخرى ومعرفة الظروف التي صنعت الرأي المعني. للأسف، هناك عقول مسطحة لا تستطيع أن تهضم أكثر من المعتاد أو تفكر خارج المألوف.

حصل ذات يوم أن كاتب السطور استشهد بمقولة يرددها المصريون حصراً، ولكن ما إن قرأها محرر الصحيفة (المثقف جداً) حتى اعتبرها موقفاً سياسياً يختلف عن موقف صاحب الجريدة فحذفها من المقال وأوقفني عن الكتابة كلياً، من دون أن يطلب حتى توضيحاً للمقولة التي كانت واضحة تماماً، لكن حساسيته المفرطة وسطحيته المتأصلة أعاقتا أي تفكير عقلاني لديه.

تعج وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي العربية بالأخبار الملفقة والمختلقة و «القصائد» الهزيلة المنسوبة إلى فحول الشعراء والفتاوى المضحكة المنسوبة إلى كبار الفقهاء والتصريحات المسعورة المنسوبة إلى زعماء دول، سابقين وحاليين، والتي تتناقض مع مواقفهم الحقيقية وأفكارهم المعروفة، والصور المركبة التي تسيء إلى شخوصها، بل تجد أحياناً صوراً حقيقية لكن أسماء شخوصها مزورة. وهذه «المعلومات» تمر على كثيرين من «المثقفين» و «المطّلعين» ويصدقونها، بل يوزعونها على أصدقائهم. هناك جيوش من الملفقين ومطلقي الأكاذيب والإشاعات الذين يبذلون جهوداً مضنية في اختلاق الأكاذيب وتوزيعها على الناس الذين يحملونها على محمل الجد ويصدقونها. وهذه «الجهود» المحمومة التي لا تُعرف دوافعُها الحقيقية ومن يقف وراءها، تساهم في إدامة الجهل السائد وتجعل شعوبنا ضحايا مختارين لتفكير عقيم لا يقود إلا إلى مزيد من التداعي.

وهذه الظاهرة تشكل في الحقيقة مأزقاً كبيراً تواجهه بلداننا، خصوصاً إن كانت المعلومات تمس حياة الناس في شكل مباشر لأنها تخلق أزمات سياسية وحياتية وتديم الجهل والغفلة اللذين عانينا منهما طوال القرون الماضية. إن هذه المشكلة تعطل جهود الانفتاح وتكبل بلداناً عربية كثيرة تسعى جاهدة نحو إطلاق الحريات العامة وتجبر بلداناً أخرى كانت قد أطلقت الحريات على تقييدها كي تحد من هذين التدهور والانهيار وتحد من تأثير المخربين والمدلسين والملفقين.

ليس هناك حل سحري سوى رفع الوعي لدى الناس في شكل عام والمتعلمين منهم، خصوصاً مستهلكي الأخبار ومستخدمي وسائل التواصل. هناك ضوابط في الكثير من البلدان تحكم عمل وسائل الإعلام التي تخضع للمحاسبة القانونية إن أتت بخبر عار من الصحة، خصوصاً إذا ما ترك الخبر أضراراً على المجتمع، ولكن يبقى الحيز الــسايبري (الإنترنت) من دون ضوابط حقيقية تحكم نشاطاته. في الثقافات الأخرى، قلما يساء استخدام الخدمات والحريات، فمنافع الانفتاح والحريات تبقى مصانة وقلما تجد أضراراً كبيرة كالتي تحصل في ثقافتنا. منافع الانفتاح عندنا تتحول بسرعة إلى مضار فتشغل أجهزتنا الإعلامية والأمنية والقضائية، إضافة إلى الأثر السلبي الذي تتركه على حركة المثقفين والمفكرين الذي أصبحوا يترددون في الإفصاح عن آرائهم خشية أن يتعرضوا للتشهير والتسقيط.

العالم العربي في حاجة إلى ثورة ثقافية ومعرفية وقيمية كي يتحول إلى بيئة نافعة منسجمة مع نفسها ومسالمة ويكون فاعلاً ضمن الثقافات العالمية الأخرى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close