عن الديموقراطية في بلاد العرب

بقلم: د. كمال خلف الطويل

ما لمصطلح ذاك القدرُ من الاشتهار والتداول , عبر ثلث القرن المنصرم , كما ل”الديموقراطية” في ديار العرب. لكن الشهرة لم تعن جلاء المعنى , كما أن التبني لم يفض الى إدراك محدداته .. بل إن حتى تعريفه غرق في لجّة انتشاء كاد أن يطوطمه ويبني له دار تعبد.

أولى الأثافي كانت في التعريف: فما الديموقراطية إلا عملية تنظيم ممارسة الحرية , اّلياتٍ ونواظمْ .. هي إذن إجرائية الطابع لا عقَدية الطبيعة. من هنا فربطها بماهيّة العروبة وببنية الإسلام .. بطقس الحرب وبمفهوم السلام , بنجاح التنمية وبدوام التخلف , فيه من العسف ما يلوي عنق المنطق. فليس من علاقة بينية أو سببية بين أي من المنظومتين أو الحالات الأربع وبين الديموقراطية: قد تقوم وحدة بين قطرين أو أكثر وتنهج ديموقراطياً أو لا تنهج .. قد تنتصر دولة تعتمد الإسلام مرجعيةً في حرب تخوضها أو قد تهزم .. قد تنجح دولة شمولية في إدارة عملية تنمية ناجحة وتفشل أخرى “ديموقراطية”: أمثلة صين- 78 لتاريخه في التنمية .. روسيا- ستالين في الحرب بيّنة

ثانية الأثافي كانت في الخلط غير الفاهم بين الديموقراطية والليبرالية (بمعناها السياسي): الليبرالية هي ترسانة الحريات والحقوق الفردية والجمعية من قول واجتماع وتكافؤ فرص .. وتوفرها لا يتزاوج بالضرورة مع تسيد الاّليات الديموقراطية لتداول السلطة السلمي , ولمأسسة السياسة بما هي توازن سلطات بصمامات أمان .. ولنا في أمثلة “الليبراليات” العربية بين الحربين – بل والى الخمسينات عند بعضها – أطنان شواهد:

كانت حريات القول والاجتماع ميسورة عموماً في مصر- ما قبل 52 وسوريا- ما قبل 58 , بل وكانت برلماناهما يعجان بصخب السجال حول حتى جنس الملائكة .. ولكن , أين كان مستودع القرار في أيهما ؟ هو منذ دستور 23 المصري قابع في القصر والسفارة , فيما لم تستطع حكومة الغالبية البرلمانية والشعبية – الوفد – أن تشارك في الحكم إلا سنيناً ستة من ثلاثين. بل حتى عندما كانت هناك وزارة قصر (نقراشي السعديين) اتخذ فاروق قرار الحرب في مايو 48 بعكس إرادتها سالفة الإشهار.

وفي سوريا , حكم الجيش – مباشرةً أم من خلف ستار – ثلاثة أرباع المدة بين الجلاء والوحدة (وكلها في الانفصال). هذا في الجانب السياسي , أما في الاقتصادي-الاجتماعي فويلٌ للغافلين عما كانت عليه أحوال البلاد في تلك الفترات: في مصر , ركود تنموي لنصف قرن (من خزان أسوان إلى 23 يولية) , مصحوب باستقطاب طبقي حاد ملك معه نصف مائة من الناس نصف الدخل الوطني للبلاد , ومعطوف على استملاك الأجانب والمتمصرين واليهود لجلّ الاقتصاد , ومفضٍ الى فاقةً طاحنة لسواد الناس. في سوريا , إقطاع خانق للريف , وفوارق ضوئية بينه وبين المدينة , وإملاق ناتج عن الاثنين لشرائح واسعة من الناس.

ثالثة الأثافي كانت في أن “الوله” الديموقراطي غفل عن استقلاب السياق التاريخي للحوادث والملامح المؤسسة في حياة العرب الحديثة: نازلة صهيون .. الحرب الباردة .. أوضاع “الأقليات” .. فوارق الريف والمدينة .. العروش التبعوية .. “من يملك البلاد” .. دكتاتورية الجيولوجيا , وغيرها.

أسأل: أندرك كم كان لمفاعيل الحرب الباردة (بما شملته من حرب الاستعمارين القديم والجديد على حركة التحرر العربية) من سلبي الأثر على الاحتمال الديموقراطي في كثير من أقطار العرب ؟ ليس غرضي تسمية أحد , لكن مثال “مؤامرة” أكتوبر 56 في سوريا وما ضمته من مشاركين – من مرتبة رئيس وزراء وأدنى – يفي بالغرض. أليس واقعياً سؤال أن لو أُشرعت الرياح أمام حرية تشكيل الأحزاب , وسط حرب ضروس بين حركة التحرر العربية وذينك الاستعمارين ما بين 55 و67 , لكان محذور نفاذ القوتين الأعظم لحشايا المجتمع , عبر حزبين يقتتلان لصالحهما على أرض وطنه , محققاً ؟

وأسأل: هل استطاع قطر عربي – حتى التاريخي منها – أن يُنضج مفهوم “الدولة” بما يفي بغرض تمكينها أن تدار ديموقراطياً ؟ وكيف يستطيع وثروته في قبضة مهيمن نهّاب خلف البحار: ما أشرت اليه عن حال مصر , وما عاناه العراق من امتيازات النفط البريطانية , وكابدته الجزائر من نواهب النفط والمعادن الفرنسية , واكتوت ليبيا من سطو امتيازات النفط الأنجلو-أمريكية .. ناهيك بقصة نفط شبه الجزيرة , والتي اشترى سباعي النفط الأمريكي امتياز التنقيب عنه – في ثلاثينات العشرين – بخمسين ألف باوند , ليدرّ ذلك عليها – لتاريخه – تريليونات من الدولارات لاتعدّ … إن هي إلا شواهد حسيّة على ما ساد , وكان التعرض له والنيل منه (ما بين الخمسينات والسبعينات) سببا تصميم الناهب على “استرجاعه” بهذه الوسيلة أم تلك , مذّاك.

ثم , أليست معظم أقطار العرب محتلة اقتصادياً من الاستعمار الجديد الاّن: العقوبات الأمريكية والأوربية .. اّلية سويفت للتعامل النقدي .. تسعير الطاقة العربية بالدولار .. فرض الشراكة الاقتصادية مع إسرائيل على دول الصلح .. روشتات صندوق النقد الدولي القسرية .. اقتحام المصارف اللبنانية (وغيرها) .. مبيعات السلاح الغربي المهولة للمحميات .. تدوير البترو- دولار العربي في أوعية المصارف الغربية .. صراحة ترامب في طلب استملاك ريع النفوط العربية ؛ هل من مزيد ؟ يقدّر أن عائد الثروة العربية ما بين 1974 و2014 بلغ 7 تريليون دولار: ذهب 2 تريليون منها على مشتريات السلاح الغربي , 2 تريليون أخرى على البنية التحتية والنمو (وفي الحالتين فالغرب هو المنتفع أو منتفع) , فيما طار 3 تريليون ليندسّ في جيوب الناهب: الوكيل منه وحتى الأصيل.

فإذا أضفنا لواقع الاحتلال الاقتصادي خريطة الاحتلال العسكري , ممثلاً بانتشار قوات الناتو فوق كامل اّسيا العربية وفي ثلث أفريقيا العربية (الصومال وليبيا وتونس والمغرب) , لشخصت للعين صورة قاتمة لوطن العرب الأكبر , بالمقارنة مثلاً مع 1970 عام أساس.

قطرٌ لا يملك زمام نفسه أمامه أولاً واجب الانعتاق , وهو ما يعسُر على كلٍ وحدَه لفرط جسامة ما يواجه .. ومن ثَمّ انبثاق ضرورة الوحدة: ليس المقصود بنياناً دستوريا مؤطِّراً وإنما مرجعية قابضة , لنقل كومنولث عربي .. يضم – أقلّه – أقطاراً رئيسة: في البال بالذات سوريا والجزائر والعراق ومصر , تكون طليعة مشروع تصدٍ للنهب والناهب , ورافعة تقدّم بعده.

ولعلنا نلحظ أن جائحة الهيمنة قد قوضت وتقوض مجتمعاتٍ بقضها وقضيضها: ألم يطوح حصار العراق الشامل 1990-2003 بمجتمعه أرضاً وأباد – منضافاً الى جداول ضحاياه ما ألحقه الاحتلال وعقابيله – مليوناً ونصف المليون من بنيه ؟ لا حاجة لإضافة كوارث سوريا واليمن وليبيا لنرى ماّثر الناهب ونواطيره. إن فتك الهيمنة شامل الطابع: تحريك فتن .. تدمير انتاج .. تمكين سرّاق .. خلخلة بنيان .. نهب موارد .. قتل جماعي .. واستلاب إرادة. أسائل نفسي وأياً يجيب: أما وأصابع الهيمنة الغربية مطبقة على شرايين حياة العرب , ومعظم أقطارهم مبتلىً بواحد من تظاهراتها أو يزيد , كيف إذن لديموقراطيةٍ أن تقوم وتتوطد في أي منها ؟ اللهم إلا إذا كان المجيب من المنتمين لحلقات ذكر “الغربية – المركزية”:

, وماهم – بالقصد أم بدونه – إلا شركاء جونيور في منظومة السطو على أوطانهم وإدامة تجزئتها. Western-Centris و”الدولة” في أوطان العرب , منقوصة في حواضرهم ومغيّبة في بواديهم .. لمَ يسائل المرء؟ تركض الإجابة عائدة اليه: إن أخطر سببين موضوعيين هما الهيمنة والتجزئة , إضافةً لأسباب ذاتية تصطف بجانبها – وإن علت قامة الأولَين بالقياس – منها: ريعية الدولة ؛ طاغيةُ في البوادي وأقل طغياناً في الحواضر .. تملّك الأسر المالكة لها .. ازدياد منعتها وقدرتها على مغالبة عصيان , فالدولة الحديثة بطبيعتها تسلطية وزاجرة .. إمّحاء الفواصل بينها وبين سلَطها الحاكمة .. وسواها من أسباب.

إن هشاشة بنيان الدولة (السلطنة) القطرية تجعلها عرضة سائغة لضغوط الخارج وتفسخ الداخل , وأمثلة العراق وليبيا وسوريا واليمن والسودان ومصر والجزائر شاخصةً لكل ناظر. ثم أن مضاعفات التجزئة عنت وتعني انعدام قدرة بناء تقدم منعزل لمنفرد قُطر , بل وانصياعه لشرائط منظومات الرأسمالية الغربية.

ولقد تسببت مفاعيل الهيمنة والتجزئة ونواتج “الذاتيات” باحتجاز التطور المجتمعي عن ان يصعد من الرابط الأهلي الى الوشيجة الشعبية (أمقت تعبير “المجتمع المدني” لسوء ما استعمل وممن .. وأستعين بتعبير “المجتمع الشعبي” كسويةٍ تعلو على “الأهلي” وتطغى). وأدى ذلك الى “انفجار” مجتمعات دوهمت , عزلاء فرادى , من قوى الهيمنة .. وتهشُّم بنيانها وتشظّيه.

لقائل أن يقول: ما هذه المطالعة إلا تبريراً مفذلكاً للاستبداد وتغييب الديموقراطية , بدعوى عوائق الهيمنة والتجزئة … وأن الهند والبرازيل وغيرهما قد تمقرطا فيما الهيمنة سائدة , فلم نحن العرب من يتوجب عليه الانتظار؟ وبدءاً , فليس هناك من انتظار ولا تأجيل وإنما محض إعمال لفقه الأولويات .. ثم ان المنطقة العربية هي , بالأخص عن سواها , مَن تعرّضت عبر قرن من الزمان – وما انفكت – لغارةٍ إثر غارة من قوى الهيمنة العالمية ومن نواطيرها في الإقليم , وتحت وطأة موازين قوىً مختلة وطابشة لصالح المغيرين عليها.

لا ينتظر السعي الى مقرطة السياسة في أوطاننا هزيمة قوى الهيمنة وتوحد أقطار العرب. هو نعم يقتضي ان يكون قطران أو أكثر – من الوازنات – على درب الهدفين. لكن ما نحتاج تبصره , ونحن نحثّ خطى السعي , هي الحاجة لعلامات طريق .. تضمّ:

1-أن أولوية الأولويات هي الضغط السلمي والمكثف لإحقاق حريات القول والاجتماع وتكافؤ الفرص للفرد والجمهور .. أي توفير المناخ الليبرالي , بمعناه السليم (إذ لطالما شوّه المعنى سلوك “ليبراليات” حكمت و”نيو- ليبراليات” تبعت).

2- أن ذلك يقتضي إعمال مبدأ سيادة القانون , والعادل.

3- أن ذلك يتطلب التحصين من اختراق المال الأجنبي – أو الوكيل – لتنظيمات المجتمع الشعبي , مسخّراً إياها لتكون إرسالياته المبشّرة بمفاتن الغربية -المركزية وبدائعها: في البال , هول تلويث الفتق المجتمعي العرطل: الأنجزة

‏NGOization

4- أن ذلك لا ينبغي أن يكون ستاراً أو قنطرةً لدعوات انفصالية أو انقسامية أو “مكوناتية” تحت يافطات حداثة زائفة , تارةً طلباً لتعدد لغوي (هناك لغة رسمية واحدة هي العربية , أما اللغات الإثنية فهي إما مناطقية أو “وطنية” , وتصحب العربية) وطوراً ترويجاً لفدرالية أوحكم ذاتي .. وما سواها من أباطيل وأسمار.

5- أن واسطة العقد في سلّة الحقوق والحريات هي مطلب العدل الاجتماعي , وضامنه دور نشط ل”دولة الرعاية التدخلية” يحفظ لسواد الناس اّدمية العيش وفرصة صعود السلّم الاجتماعي.

6- أن مساحة إحقاق “الليبرالية” والسعي الى الديموقراطية تتسع لقوس قزح من أطياف المجتمع , تجمعها في حومتها – دون تمييزِ – شريطة التزامها بلوازم ثلاثة: انتهاج السلمية , البراءة من مظنة الارتباط بالأجنبي , والنظافة من درن الدعوة الى انفصال .. صريحٍ كان أم مغلّف.

7- أن الشرط اللازب لنجاح مشوار السعي الى الديموقراطية هو فهم الساعين الجازم بتجسّد عائقيها الرئيسين , الهيمنة والتجزئة , في امتحان فلسطين.

ولعل نظرة طائر على حال العراق منذ نيسان 2003 ولتاريخه مكافئة لقوة مجهر مكبّر يشرّح حقيقة “الديموقراطية الليبرالية” في بلد خاضع للهيمنة بكل أشكالها: لقد دُمّرت دولته فقامت على أنقاضها دوقية مكوناتية نكصت به الى كيس مذاهب وإثنيات , بل وفشلت أسطورياً في تأمين حتى أبسط مقومات الحياة اللائقة ناهيك بإدارة عملية تنمية , فصارت ل”الدولة الفاشلة” أسطع مثال.

أصل بعد هذا كله الى تناول مسألتين أراهما جديرتين بالتأمل واستدرار المغازي:

أولاهما, الثورة الرقمية المشتعل أوارها الاّن , والتي يقيم ذكاؤها الاصطناعي- جداراً حديدياً بين الفرد-الأفراد وبين خصوصياته-م وحرياته-م , ويمكّن الدولة – أيما دولة – من عزل من لا ترغب بنشاطه عن محيطه , ومن تشكيل الرأي وتدجين الميول وارتهان الإرادة , فضلاً عن تأثيرها الضاغط على فرص العمالة.

الوعي بهذه المسألة ينبغي ان يضاعف الجهد نحو إرساء توازن مرضٍ بين الدولة وبين المجتمع , إذ ان تغول الأولى على الثاني سيضحي أفدح وأمضى بغياب ضوابط حاكمة.

وثانيهما, أن تناذر “الدولة العميقة” ليس سمةً عربية , وبرغم ان القصد أبعد ما يكون عن تعزية النفس إلا أن فهم الظاهرة مفيد: لقد قاتلت دولة الأمن القومي البريطانية سياسات حزب العمال الحاكم في “سوراقيا” العربية عامي 47-48 , وكادت أن تطيح بوزارة هارولد ويلسون العمالية عام 70 بتهمة جاسوسيته السوفييتية .. ثم ان تساحال إسرائيل كاد ان يقوم بانقلاب عسكري يطيح بوزارة الماباي عشية حرب 67 .. ودبّر جنرالات فرنسيون محاولات اغتيال للرئيس ديغول عشية استقلال الجزائر .. وفكّر “ضباط عظام” أمريكيون بقلب نظام فرانكلين روزفلت أواخر الثلاثينات ؛؛ حدث ذلك عند “ديموقراطيات” مرّت بأوقات شدائد وأزمات وجودية كبرى.

في وسع النخب العروبية أن تؤتمن على ترشيد حركة السعي الى الديموقراطية في بلاد العرب وزرع علامات مسير على طريقٍ اّمن وموصل , إن زاوجت بين رؤية الغابة والمشي بين أشجارها.

16 تموز 2018 – واشنطن

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close