لغتنا العربية و ازيائنا

* د. رضا العطار

قد يقال ان الملابس هي زي الجسم، فملابس رجل الدين هي غير ملابس الافندي، وهي عند الفلاح غير عند التاجر ، وهكذا، فلكل واحد منهم له اسلوبه وشكله ولونه في اختيار ملابسه، طبقا لثقافة لغته الوطنية، مثلما تكون اللغة زي العقل.

لقد اوردنا هذا المثل كي نزيد موضوعنا ايضاحا. ذلك ان كثيرين من شبابنا وفتياتنا يعنون اكبر العناية بهندام ملابسهم ولا يعنون بهندام لغتهم، فهم يكرهون المبتذل من اتخاذ حذاء بال او جورب تقادم زيه ولكنهم لا يبالون ان يتبذلوا في لغتهم، فتخرج كلماتهم عوراء، يتفكك حديثهم كانه بلا ازرار لم يحبك.

اذا اردت ان تتعرف الى اخلاق الكاتب، فأبحث عن الكلمات التي تتكرر في كتاباته، اذ هو لا يكررها الاّ لأن اغراءها هوى له. واذا اردت ان تزيد هذا التعرف، فأبحث عن الاسلوب الذي يتخذه، وعن اللهجة التي يكتب بها. هل هي حزينة ام بهيجة ؟ هل هي متكبرة متعجرفة ام ذليلة مترددة ؟ هل هو عدواني او استكاني ؟ اذ هو لا ينساق في نهجه باسلوب معين، الاّ لأن عواطفه قد عينت له لحنا محببا الى نفسه واسلوبه هو سِمَته التي يترنم بها في صمت.

واذا اردت ان تعرف اكثر واكثر عن هذا الكاتب فأبحث عن الموضوعات التي تشغله عفوا دون تكليف. اذ هو لا يختارها الاّ لأن اهتمامه بها عظيم. فالكلمة والأسلوب والموضوع، كل هذه تعين الشخصية وتدل على الاخلاق، بل هي تعين الأفكار، نوعها ووجهتها وقيمتها، ذلك لأن الأفكار كلمات.

انهم بهذا التبذل يكشفون عن نفوسهم ويفضحونها لأن المستمع اليهم الذي يدري قيمة الكلمة والاسلوب والموضوع سرعان ما يسبر اعماقهم ويصل الى نخاع عظامهم. فكان احرى بهم ان يعنوا بالتأنق في الزي الذي اختاروه لنفوسهم – التي تتمثل في كلمات لغتهم – من ان يتأنقوا في الزي الذي اختاروه لأجسامهم. وليس شك ان التأنق في اختيار الزي النفسي اشق من التأنق في اختيار الزي الجسمي ولكن هذه المشقة نفسها برهان على الذكاء والجمال كما هي ادعى الى السعادة.

ان المحدث الذي استثرى في الحرب، يعرف بفجاجة ذوقه في اختيار الملابس ولكن الخياط يستطيع ان يعالجه من هذه الفجاجة. ثم تبقى فجاجة اخرى وهي فجاجة لغته وشعث اسلوبه وتفاهة موضوعاته وهو في حاجة الى عمر جديد كي يصل بأتقان هذه الأشياء الى هندام النفس وجمال الشخصية.

ولنذكر على الدوام ان عنايتنا باللغة هي في النهاية العناية بالتفكير بل بالأخلاق الفاضلة ، وان الكلمات المختارة و المنقاة في لغتنا تبعثنا على الرقي والسمو،

انها دليل على سلامة النفس واستقامة الخلق ونضج الشخصية.

ومن البديهيات ان نقول اننا لا نعرف الصحة، سواء كانت نفسية او جسمية، إلاّ من المرض. فما دمنا لا نجد علامة من علامات المرض فنحن في صحة جيدة، فالصحة سلبية اي انها ليست مرضا، ولغة المريض هي لذلك غير لغة السليم. فاذا نحن تعقبنا الكلمات والاسلوب والموضوعات التي يستعملها المريض استطعنا ان نعرفه المعرفة السيكولوجية وان نهتدي الى الاصول التي ينتمي اليها والى المستقبل الذي يبينه او يخشى ان يبينه.

وعندما نجد مريضا يشكو حاله نفسية سيئة كالخوف او الشك او التردد او العجز الجنسي او الرغبة في الاجرام، نستطيع ان نصل الى بؤرة هذا الاضطراب في نفسه بان نلاحظ لغته ونلتفت الى الكلمات التي تتكرر في حديثه. اذ هي لا تتكرر الاّ لأنها قد ارتبطت بمركبات معينة في نفسه وهو هنا لا يختلف من الكاتب الذي يفتأ يكرر كلمات معينة في مؤلفاته. غير ان مركبات الكاتب ثقافية تتصل بالعلم والفن والادب او الاجتماع. اما مركبات ذلك المريض فتتصل بهمومه الشخصية التي ترهقه وتؤلمه.

والمشابهة بين المريض وبين الكاتب كبيرة. فإن الكاتب يضيق بأفكاره حتى يبوح بها ويدونها في كتاب او مقالة او قصة لان هذا التدوين يحمله على شرحها وترتيبها بالكلمة والمعنى فيذهب عنه الكبت. ومن هنا احساسه بأنه يحمل رسالة كأنه نبي. وفي هذا الاحساس جنون حسن اذ هو يكسبه وهْما لأنه عظيم، فيرتفع بقوة هذا الايحاء، ثم هو لذلك لا يطيق ان تقيد حرية الرأي وكثيرا ما يضحي بكل مصالحه الاخرى من اجل هذه الحرية.

والمريض كذلك يحس انه يكبت مخاوفه او شكوكه فهو حين نطلب منه ان يقعد في خلوة ويكتب شارحا هذه المخاوف انما نحيله الى اديب يحاول بالكلمات ان يشرح كارثته وان يتعقلها باللغة، لان كلمات اللغة هي ادوات للتعقل. وهو بهذا الشرح بفرج عن كبته من ناحية وايضا يوضح مشكلته بالكلمات اي بالمنطق من ناحية اخرى فيستريح.

واعتقادي ان دراسة اللغة، من ناحية القيمة السيكولوجية لم تأخذ الى الان حقها، وان كان السينمائيون في ازيائهم قد فتحوا لنا هذا الباب.

* مقتبس من البلاغة العصرية واللغة العربية لسلامه موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close