العراق بين التوجيه الخارجي و التنفيذ الداخلي

عبدالله جعفر كوفلي /ماجستير قانون دولي
[email protected]
20/8/2018
ان جميع عمليات التغيير تتكون من توجيه أي ارادة موجهة و تنفيذ أي ارادة منفذة و من اجل تقريب الفكرة الى ذهن القارئ الكريم نذكر جهاز التحكم عن البعد في الاجهزة الالكترونية من التلفاز و اجهزة التبريد و السيارات او مايسمى ب (كونترول) ففي سبيل قيام هذا الجهاز بعمله بشكل سليم يجب ان يكون هناك من يوجهه و يطلق الايعاز المرغوب أي انه التوجيه و في الجانب الاخر يجب ان يكون هناك الاستقبال لتلك الايعاز لتنفيذه و هو المنفذ و هذا يعني بأن المنفذ يخضع لأرادة الموجه يلعب فيه حسب رغبته , هذه العملية متكاملة و متبادلة أي ان فقدان او عطل أي منهما تؤدي الى عدم تنفيذ الأمر و ان سرعة تنفيذ الامر يعتمد على قوة التوجيه و المسافة التي تفصل بينه و بين المستقبل بالاضافة الى استعداد المستقبل للأمر الموجه اليه , و كثيراً ما تتعثر الاشارات و لاتصب هدفها عند بُعدها او عدم توجيهها التوجه الصحيح ..
لنعود الى اصل الموضوع و نجيب السؤال المطروح الى أي مدى يتم توجيه العراق خارجياً للتنفيذ داخلياً ؟
ان قراءة التاريخ السياسي العراقي و المواقف التي اتخذتها حيال القضايا الاقليمية و الدولية تدلنا بوضوح بأن التدخل الخارجي كانت السمة البارزة في المشهد العراقي منذ تأسيسها الى يومنا , و كل التوقعات تشير الى استمرارها في المستقبل لأن الاصل في تأسيسها كانت استجابةً للمصالح الدولية و خاصة بريطانيا التي كانت الامبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس و بقيت تحكم العراق عن طريق المستشارين في الوزارات و كافة المؤسسات و ترسم سياسة العراق و توجهها طيلة الحكم الملكي أي ان الملك و التشكيلات الوزارية كانوا منفذين لتوجيهات بريطانيا و يعملون وفق رغبتها الى ان تم الاطاحة بالحكم الملكي في عام 1958 و الاعلان عن النظام الجمهوري الذي لم يكن اكثر استقلالاً من ذي قبل بل و ان كل الانقلابات و الثورات التي شهدتها العراق لم تكن لتحدث لولا التوجيه الخارجي لها و بشهادات الخبراء و السياسيين . ان درجة التوجيه الخارجي للمشهد الداخلي العراقي يعتمد على قوة النظام السياسي الحاكم و هشاشته و قبوله للايعازات الخارجية و المصالح الدولية .
و تدلنا المواقف الى صحة ماذهبنا اليه , فأن اتفاقية جزائر المشؤومة في 6/3/1975 ضد تطلعات الشعب الكوردي كانت بتوجيه خارجي من ايران و امريكا هذه الاتفاقية التي كانت سبباً في نشوب الحرب العراقية الايرانية التي استمرت ثمان سنوات كان ايضاً بتوجيه خارجي (عربي و دولي) بأعتبار العراق حامي البوابة الشرقية في وجه ايران و حتى غزو دولة الكويت كانت بمباركة دول خارجية منها امريكا و هكذا .
و في عام 2003 دخل التوجيه الخارجي مرحلة جديدة بدأت بالتدخل العسكري لتغيير النظام السياسي لتصبح العراق ساحة صراعات مفتوحة لقوى خارجية امريكية و ايرانية و جماعات ارهابية لتجد في الشعب العراقي الجهاز الانسب لاستقبال مؤشراتهم و تحقيق اهدافهم بين إشعال الحرب الطائفية و إبعاد السنة من العملية السياسية انتقاماً لهم لحكمهم العراق في السابق و مسايرة الكورد و مشاركتهم الصورية للحكم .
بعد مرور اكثر من ثلاثة اشهر على اجراء الانتخابات النيابية في 12/5/2018 صادقت المحكمة الاتحادية على نتائجها بعد النظر في الطعون المقدمة و عمليات الفرز اليدوي للصناديق المشكوك فيها و يشهد الساحة السياسية حراكاً قوياً و اجتماعات طويلة متواصلة من اجل تشكيل اكبر كتلة نيابية تتمكن من تشكيل الحكومة القادمة و تشهد الصراع بين (قاسم سليماني / الايراني) و (بريت ماكغورك / الامريكي) حيث يجر كل منهما الحبل لصالحه لتكون الحكومة القادمة اكثر استقبالاً لذبذبات و توجيهاتهم لتنتهي المشهد بانتصار واحد منهم .
اياً كان من الامر في فوز احدهم بالكأس بعد اجتياز المراحل الصعبة فأن الشعب العراقي المسكين يبقى الضحية و الاداة لتنفيذ الامر الصادر اليه .
و نخلص الى القول بأن العراق كان و مازال انسب جهاز لاستقبال الترددات الخارجية و تنفيذها من اين كانت ؟ شرقية و غربية المهم ان لا يكون داخلياً فالانظمة العراقية مستعدة لاستقبال اضعف الترددات الخارجية و تنفيذها و غير مستعدة للاستماع الى اعلى الاصوات الداخلية بضرورة الاستقلال في القرار السياسي و تحسين الحياة العامة بتقديم الخدمات و توفير الامن و الاستقرار . و هذا هو القدر المكتوب للعراق .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close