التسامح في المجتمع العراقي ومضة زمنية إنتهت.

للأسف، لم تخلق بعد مقومات حلمْ التسامح، لغياب الأرضية الصلبة التي تمكنه من الهبوط من سماء الحلم على مدْرَج الواقع بسلام.

لأن لتسامح تراكم تربوي إنساني ثقافي، لشعوب حرة تقرأ وتفكر وتكابد المحن والصعاب وتستفاد منها بأن تعبر عليها، لتلد من رحمها توأم ثقافة التفكير والإنسانية، تترفع عن الأخذ بالثأر، كما هي ثقافة المهاتما غاندي، عندما سُئل: لماذا لاتنتقم من أعدائك؟

فقال لأني لاأستطيع أن أقض عمري في الجري وراء كلب لأعضه كما عضني.

من خلال إستقرائي للمعطيات التاريخية وملامستي لصداها في الواقع.

لم تولد يوماً ثقافة هذا التسامح في الجذور ، فكيف بالساق والأغصان؟

كيف نتسامح ونحن شعب لايثقف نفسه بنفسه، بل تثقفه وتؤدبه المنابر والتيارات المتصارعة الحزبية؟

التي من أهم أجندتها هي الإستعداء والموت أو التكفير لمن خالفها في التوجهات الفكرية أو المذهبية؟

فماضي وحاضر شعوبنا العربية، المنابر ثقافياً سمعيا حتى بات السمع ذاته رمز ودليل ثقافة شعوبنا الأمية.

شعبنا العربي دون مبالغة 99 % من ثقافته سمعية. ولو لم يكن أصل نشأته كذلك لما أنزل الله قرآنه سمعياً وأمر رسوله أن يقرأه لأمته شفاهياً!

ومع هذه الحقيقه، تدعي أمة الفقه الفيلسوفية الروزخونية، أن الأمة الإسلامية العربية بالخصوص أمة إقرأ..!

لم تزورون الحقيقة وهي ماثلة أمام الناس؟ فلو كانت ثقافة أمة العرب القراءة لوجدنا شواهدها شاخصة وماثلة في كلامها وحوارتها وعاداتها القرائية، من إقتناء الكتب ومكتبات بيوتها التي تخلو منها بالتمام إلا ماندر. بل لبعث الله لها كتاباً تقرأه كأهل الكتاب، ومنه لتساوينا مع لقب أهل الكتاب. ولكن الله سمّاها أميّة (الأميون)، وهكذا كانت ولازالت والحمد لله أمة إقرأ كماهي ما حفظته سمعاً شعراً أو قرآناً، تتباها بالحفظ به وتقيم له دوراته، ولاتفكر يوما في تدبره، لأن التفكير ليس من إختصاصها أو إختصاص العامة من الناس ( مصطلح يطلقه الفقهاء أصله العمى) وننتظر مع كل هذا….. التغيير، ومن أولويات التغيير أن نعتكف لندعو الله ونصلي على النبي عسى ولعل أن يقوم هو بما أمرنا به.

فنحن أهل قراءة؛ أي يقرأون لنا نحفظ ماقرأوه لنا في الصدور، كعادة حفظنا للشعر ومنتوجنا الفكري هو الترديد لا أكثر ولا أقل ، ولذلك سماه الله القرآن لأنه ما يُقرأ عند التنزيل ليُسمع ويسمعه للناس. ودليله في سورة القيامة:-

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * القيامة 16و 17 و18.

وعند كتابته – وقد أصبح مكتوب – فهو كتاب وكل سورة هي كتابْ فالتسمية ذاتها عربية معلومة المعنى، فعندما ترسل كتاب إلى دائرة، فأنت لاترسل عدد مطلوب من الصفحاتْ ولذلك إجتهدوا في باديء الأمر بتسميته، فمرة مصحف ومرة كتاب ومرة أخرى قرآن.

ولكي لا أنسَ، نحن أيضا أمة تنتظر يقال لها ماتفعل وما لاتفعل؛ أي محجور علينا التفكير، فأوصياؤنا الفقهائيون أولى بعقولنا منا.

نستطرد قليلاً:

يقول إبن خلدون في مقدمته القسم الخامس عشر ص203 “لما ملك العرب فارس والروم إستخدموا بناتهم وأبناءهم، ولم يكونوا لذلك في شيء من الحضارة، فحكي أن لما قدّم لهم المُرقق*، كانوا يحسبونه رقاعا..فلما أستعبدوا أهل الدول قِبَلَهم واستعملوهم في مهنهم وحاجات منازلهم..تطوروا بطور الحضارة والترف في الأحوال. وأستجادوا المطاعم والمشارب والملابس والمباني والأسلحة والفرش والآنية، وسائر الماعون فأتوا من ذلك وراء الغاية” إنتهى.

*البعض يقول أن المُرقّق هو خبز رقيق لكن في هامش الصفحة ذاتها أعلاه يعرفه إبن خلدون بالنسيج الرقيق.

وفي هذا دليل على غياب حضارتهم في كل مهنة ومنتوج ومبنى وطعام وملبس. فكيف نصدق بثقافتها وحضارتها؟ أمتنا أمية ولهذا لم تنتج ولم تصنع بل ولم تزرع فلاشواهد لها ماضية ولاحاضرة، حضارتها ماضياً عبادة صنم من حجر وتمر وتجارة وخمر وملهى وجواري ومرقص وشعر وسبي وغزو، واستبدلت بعض الأحجار الصنمية بالمال والجاه والأشخاص. ولازالت جاهلة تظن أن القوة مع الجهل يضمن لها الترفع الإنساني والأخلاق والتقدم والحضارة.

نعود بعد الإستطراد:

لم تلد يوما مقومات العيش المشترك وطابع الهوية الإنسانية للشعب العراقي ككل، لغياب ثقافتها في أسس التربية البنيوية، من يوم خلق هذا الانسان على أرضه . أما خارج منظومة الحكم المتأسلم العربية. إلا كومضات متقطعة في الحقبة اليبرالية أيام حكم الإنكليز للعراق وزمن عبد الكريم قاسمْ حتى صعود الأحزاب الفاشية والدينية وثقافتها المريضة.

لقد حكم العراق حكام مستبدون لا إنساييون على مر العصور، ولم يهتموا لابالثقافة ولابالإنسان سوى بالغلمان والشعراء ، والجواري والطيور، وثقافة شعبهم لاتزيد عن مزايدات شعرية ، وحكايات داحس والغبراء والف ليلة وليلة بأسلوب يُمتع نواقصهم وعقدهم الجنسية. أما مثقفيهم النخبة، فهم يعتنون بالحوارات الأدبية والكتب الفقهية في الأحكام والشرائع ، أو في المزايدات الكلامية بين المدارس المعتزلية والأشعرية لنيل وسام الأعلمية، أوما يصدر منهم عن طبقات للشعراء وللفحول، وعيار للشعر هنا وهناك، أو رسائل في الكتابة وانواع الخط، والأحبار، وموازنات ووساطات بين شاعر وآخر، وحل المعقود وعقد المحلول، من الشعر، أويتناقلوا ما دار بينهم وبين الحكام والأمراء، من أحوال وفصول ، والتاريخ يشهد على ثقافتهم ، وفي الجانب الديني فهم منكبون على المسائل الفلسفية العقدية والإلهية وهل الله في الأرض موجود أم في السماء!!!. ومن يخرج عما يقروه، يكفروه كما كفروا الكثير من أهل العلم والفلسفة والشعراء وحرقت كتبهم وعذب الكثير منهم أو قتل ، أو صلب، أو قفع، وفلسفتهم وجدوا لها مصطلحا آخر أسموه علم الكلام، وعلومه تجري فيها الألفاظ مجرى الأنهار في البحار، دون توقف أو تورم أو إنسداد في أمعاء الدماغ وقولون الخيال، ثم شيء من فلتات السفن الطائرة في الفضاء، للشعراء الفقهاء الصوفية ، وكل حاكم منهم يجد مايناسبه من ركائز بشرية قومية ، تميل له ويميل لها لتبادل المصالح ، وأصوِّر هؤلاء القوميات والحاكم، كعمال ينتظرون في سوق تسويق العمال لمن يناديهم للعمل من أجل حفنة مال ليبيعوه خدماتهم الجليلة حتى إنقضاء مدة عمله في مشروعه ليغادرهم فيغادروه.

فكل مكون من فسيفساء القوميات والمذاهب، يبحث عن الدعم الخارجي للظهور بقوميته أو مذهبه للوجود السلطوي، ومنه ليضمن حقوق قوميته. والسبب لبوابة التدخل الخارجي؛ هو لعدم وجود الثقة في قومية أو مذهب غيره داخل هذه (الفسيفساء الكارثية) إن صح التعبير.

ولهذا السبب حل ويحل وسيحل فيهم صراع مزمن عن هوية الوجود السلطوي ، ولازالت طلقات رحم الوجود قائمة في مخاضٍ، ينزف بين الحينة والأخرى، والكل ينتظر ولادة عهد إنساني غير معوق، سليم.

فايروس الهِويات القاتلة ، هو ذات الفايروس نفسه الذي أصاب الشعب الجرماني وترشح منه هتلر ليحكم ديمقراطيا ألمانيا عام 1933بعد أزمة إقتصادية حادة ضربت العالم وقتها 1929.. فأفكار هتلر هي إنعكاس لثقافة بيئته ومفكريه وهي صدى واضح لكل من إطلع على افكار المفكر والأديب الفرنسي أرثر دو كونت غوبينو ، وفلسفة نيتشة(الاوبرمان..السوبرمان) فمنها غرف هتلر والشعب الألماني ثقافته وفعلوا كما أرادوا هم، وليس هتلر فقط.

وتأثر بهذه الافكار العنصرية أيضاً الطالب في جامعة السوربون بباريس ، ميشيل عفلق ومنها إستلهم أسس مباديء القومية، التي كانت روح فكر حزب البعث، وصداها في الإناءات الفارغة فكرياً ، لتتلاقفها تلكم العقول المعوقة تلاقف الكرة، فتحي هويتها بطعم خبز قومية البعث، وبعجينتها خبزوا للشعب العراقي نوعان من الخبز (أبو السمسم وأبو السم) فالسمسم لمؤيديهم والسم لمعارضيهم.

وبفضل ثقافة القومية والحزبية قدموا الموالين لهم أجمل الخدمات الإنسانية التعذيبية والإعدامية والتهجيرية لأخوتهم في شرنقة الفسيفساء، مقابل حفنة من المال والمناصب ليُتَوجون معنى الهوية والقومية.

هذه العقلية القومية ثقافياً سواء كانت عربية أو تركمانية أو آشورية أو كوردية، هي ذاتها هِويات قاتلة لاتعرف جيناتها ثقافة التسامح مع أخوتها وتصرخ ليل نهار بأفضليتها وأناها.

هذه العقلية المريضة هي كخنجر مسموم في صدر الهوية الإنسانية والتسامح للعيش المشترك في العراق على الأخص.

ختاماً:-

ليس التنوع العرقي والديني بالضرورة دليلاً على التسامح وثقافة السلم الاجتماعي والنفسي، إطلاقاً، إلا إذا تملك هذا التنوع حصانة الثقافة الإنسانية وقتَلَ الهويات القومية والدينية فإن لم يقتلها قتلته.

علاء هاشم الحكيم

2018-08-21

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close