سنة أولى زواج

فرح أشباب

إن كل الحقائق التي نكتشفها عن الزواج نتعلمها عندما نعيش داخل بيت الزوجية، عندما ينتهي شهر العسل وتدق طبول مسيرة طويلة من الصبر والكفاح اليومي بعيدا شيئا ما عن كل الأشياء التي تخيلناها من قبل بلون زهري، يخيل لنا أن الزواج هو تلك اليد الخفية التي ستنتشلنا من الحزن والوحدة والفشل وتجعل منا أشخاصا أفضل دون أن نفعل شيئا، فقط لأننا حققنا مالم يحققه “العزاب الذين نعتقد أنهم تعساء”، تزوجنا في حين أنهم لا يزالون في الضفة المقابلة بعدما أقلعت باخرة المتزوجين ولم تقلهم على متنها.
يمضي الزمن، ويظل الطرفان يشاهدان بعضهما البعض، كل على ضفته. تمر فترة لا بأس بها فيخرج المتزوج من قصره العاجي وينظر بحسد إلى أولئك العزاب الذين حالفهم الحظ ولم يقعوا في فخ الزواج، ما زالوا ينعمون بحرية التنقل والعيش والسفر وكل شيء دون أن يضيق عليهم الخناق زوج ولا زوجة بعيدا عن النكد الذي يقتل القلب، بينما يرى في نفس الوقت العزاب نفسهم أن المتزوجين هم الأوفر حظا لأنهم يعيشون في بيت دافىء ويتناولون طعاما صحيا ويلبسون ملابس لا يضطرون لغسلها وكيها ويعيشون مع شخص يوفر لهم كل شيء.
رابط مقدس يجمع ذكرا وأنثى يبدآن حياتهما معا، يتعودان على بعضهما البعض ويصبران على كثير من الأشياء المزعجة من أجل أن تستمر الحياة. وحتى إن كان مصير هذا الزواج الطلاق فهذا لا يعني مطلقا أن أحد الطرفين يشكل قطب الشر عديم الأخلاق الذي يجب على الكل مقاطعته، بل يمكن أن يكون الطرفان على قدر عال من الوعي والأخلاق، لكن الطباع اختلفت والأرواح تنافرت واستحال التعايش بينهما.
لو اخترنا عبثا تاريخا من سنة ما وبحثنا عن عدد من الأزواج الذين احتفلوا بيوم زفافهم في نفس اليوم، فمن المحتمل جدا أن نجد بينهم زوجين يعيشان الحب والاحترام رغم مرور السنين ورغم كل شيء، وآخرين لم يكملا سنة زوجا ولجآ إلى الطلاق بعدما عاشا سنوات من الحب قبل الزواج، وآخرين يتسم أحدهما بالبرود واللامبالاة بينما يعاني الطرف الآخر في صمت لأنه يخاف من الطلاق، ويصبر من أجل الأولاد لأنه يعتقد أن برود الطرف الآخر أرحم من مجتمع لا يرحم.
هناك من يقول إن السنة الأولى من الزواج هي المرحلة المفصلية والمحددة لمنحى هذه العلاقة المقدسة، لكن العلاقات بين البشر هي آخر شيء يمكن أن نطبق عليه قواعد ونظريات جاهزة، فكم من علاقة اتخذت منحى آخر بعد انصرام السنة الأولى، وكم غير الزمن من أشخاص ظن الجميع أنهم لن يتغيروا يوما.
لكن السنة الأولى تمتلك من الخصوصية الكثير لأنها تعتبر سنة التعارف وفهم الأبجديات: ذلك الغريب الذي صار زوجي، أو تلك التي كانت يوما غريبة فصارت زوجتي وأم أطفالي المستقبليين بحكم من القدر الذي جمعنا في مكان لم نتخيل أننا سنجتمع فيه. تعتبر السنة الأولى كأول سنة يرتاد فيها الطفل الحضانة أو المدرسة، يتعرف على قاموس مصطلحات جديد وقوانين جديدة وأشخاص جدد، يتعلم معنى الواجب والحقوق وينصهر مع منظومة قائمة بذاتها. يصير ملزما بالتوقيت والواجبات والكثير من الأشياء بعدما كان حرا طليقا لا يزعجه أحد.
يعتبر التعرف على الطرف الآخر وفهمه الرهان الأكبر في الزواج خلال السنة الأولى؛ فمهما دام التعارف قبل الزواج، تأتي الحياة الزوجية لتكشف القناع عن شخص آخر ذي طباع مختلفة عما عهده الطرف الآخر، ليست بالضرورة طباعا سيئة لكنها ربما غير متوقعة، فتبدأ مسيرة المقاومة ومحاولة التغيير بشتى الطرق ليبدأ بعدها التطبيع مع تصرفات كان أحدهما لا يطيقها في حقبة ما قبل الزواج. يفهم الطرفان مع مرور الأيام والمواقف أنهما ليسا مركز الكون، وأن التفاهم والتنازل أحيانا شرطان لا مناص منهما ليسير القارب بسلام، بعيدا عن الزوابع والرياح وكل تلك العراقيل غير المتوقعة التي من الممكن أن تقلب أسفله تحت وتودي بحياة من يركبه. سئلت جدة في خريف العمر عن الشيء الذي جعل زواجها يدوم بكل الحب والود الممكن لعقود طويلة، فأجابت أن الأزواج في أيامها كانوا يحاولون إصلاح كل شيء انكسر أو فسد، بينما ينهي هذا الجيل بكل سهولة العلاقة عند أول حجر عرقل المسيرة.
نسمع الكثير من القصص عن الزواج، سواء تلك التي نعايشها في أوساطنا لأصدقاء ومقربين أو تلك التي حكت عنها الأمهات والجدات والأهل وغيرهم. لكن الذي سمع ليس كمن عاش ومن رأى؛ السامع ينصت لطرف واحد يحكي بطريقة غير موضوعية ولو حاول أن يكون موضوعيا، بينما الذي يعيش هو الوحيد القادر على استيعاب الوضعية وإصدار حكم وآراء تخصه، فالبيوت أسرار لا يعرفها إلا من يقطن داخلها.
إنتشرت في بعض الدول كماليزيا مثلا دورات تدريبية للمقبلين على الزواج، تعنى بالتقليل من نسب الطلاق التي استفحلت في العقود الأخيرة، مبادرة كان لها الأثر الكبير على شريحة كبيرة من الأزواج، وذلك بفضل إخضاعهم لاختبارات واقعية تكشف لهم الوجه الحقيقي للزواج كالمسؤولية والتضحية والمثابرة والعزيمة وغيرها.
إن المشكل الحقيقي الذي يعاني منه الأزواج هو طريقة تصورهم للزواج، ثم تأتي مشاكل أخرى أقل أهمية. فنحن لا نتزوج لكي ننسى شيئا مؤلما أو لكي نهرب من الماضي الذي جرحنا.. أو لكي ننسى حبا قديما خذلنا.. أو لكي نهرب من واقع معين (أب عنيف أو أم غير مبالية).. لا نتزوج طمعا في الاغتناء بمال وجاه الطرف الآخر.. علينا أن نستوعب أننا لا نتزوج من أجل إسكات العمات والخالات والجدات وكل من يعتقد أن أهم شيء في الكون هو الهرب من العنوسة.
لا نتزوج من أجل أن نملأ فراغا بما يناسب أو بِما لا يناسب، ولا من أجل أن يرضى علينا المجتمع. لا مطلقا. نتزوج كي تلتحم الأرواح، كي تكتمل البهجة، كي نشق الطريق إلى شيء جميل مقدس رغم تقلبات الحياة التي لا مفر منها، كي نصبح أشخاصا أفضل مما كنا في السنوات الماضية، كي ننصهر في بعضنا ونحس بكل شيء يحسه شريك الحياة سواء كان فرحا أو ترحا، كي ننضج عاطفيا وفكريا ونبني بيتا وأسرة تبني بدورها مجتمعا متكامل الأركان.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close