العراق ليس عظيما .. للأسف

عدنان أبوزيد

دأبَ عراقيون على “لصْق” صفة “العَظَمة” بـ”اسم العراق”. وأؤكد هنا على “اللصْق” لأنه عملية ميكانيكية، لجمع أجزاء متنافرة، ولأن العرب تصف كلّ “ما يُلْصَقُ” على انه تصنيع، لا تأصيل.

لعل هذا أصبح دَيدَنَ اغلب العراقيين، يشترك فيه الجاهل، ونصف المتعلم، والعالم، على اختلاف صنوف الناس، من البائع والرياضي والمهندس والطبيب، والكبير والصغير، والموالي والمعارض..

لا شك في أن العِظَمُ في صِفاتِ الأَجْسام، كِبَرُ الطُّولِ والعرضِ والعمْق، وبالنسبة للإنسان، علوّ الهمة ورجاحة الفكر.

لكنه للأوطان، إنجاز، وحضور حضاري، ومنافسة مع الدول على الرقيّ.

في فضائيات العراق، ووسائل إعلامه، لم يعد ممكنا استخدام اسم “العراق” لوحده، فهو لا يكفي، ويجب إردافه بنعت “العظيم”.

وعلى هذا النحو، بات اسم البلاد، “العراق العظيم”، في الشارع، والمدرسة، والجامعة، والجامع، والمعمل.

هوس “العظمة” صار جزءً من ثقافة العراقيين الشعبية والنخبوية، وهو أمر مقلق، وانعكاس لحاجة التعويض عن الشعور بالنقص، في ظل غياب إنجاز يجسد “العظمة” حقيقةً، لا ادعاءً.

استسهال إطلاق النعوت الجاهزة، له مخاطر، لاسيما حين يتَمَدَّح المرء بما ليس عنده، وحين لا يدرك الجيل الجديد، أن دولا متقدمة بلغت العلا في الصحة والخدمات والعلوم والتنظيم والسياسة، تأبي أن تكيل الإطراء لنفسها، بل وتنتقد ذاتها الجمعية لأنها مازالت مقصرة في جانب من جوانب الحياة.

فما معنى صراخ طفل بملء فمه “العراق العظيم”، وقد غزا الذباب وجهه.

وكيف أفسّر ما يتفوه به شاب لاجئ في الغرب بانه من “العراق العظيم” في الوقت الذي حزم فيه حقائبه للسفر إلى أوربا، طالبا اللجوء.

ولماذا ينشد التلميذ في المدرسة، أغنيته عن “العراق العظيم”، وهو جالس على الأرض من دون منضدة التعلّم.

و ما الداعي، في أن يطلق طاعن في السن، يستجدي لقمة العيش، صفقة العظمة على بلاده، وخلفه أكوام القمامة، وتلال الفقر، وسوء الرعاية، واستجداء العطف.

وكيف يلمس فتى “العظمة”، وتحت قدميه تأريخ و آثار، لم تنجح أجيال متعاقبة في استخراجها من باطن الأرض، من دون بعثات تنقيب، والظاهر منها للعيان يُسرق من قبل أبناء “العراق العظيم”.

و ما هو المعنى الذي سترسخه مفاهيم دعائية جديدة يتداولها الإعلام والفن، وأغاني هابطة، وأعمال مسرحية تهبط في مستواها الفني ومحتواها الفكري عن أعمال تستحي دول أقل شأنا من “العراق العظيم”، عن تبنيها.

من ذلك على سبيل المثال لا الحصر أغنية تقول “ما عنده غيرة الذي لا يحب العراق”، فما الذي تعنيه “الغيرة” في وطن يدعي انه “عظيم”.

ومطرب آخر يصرخ “لا وطن يشبهة عراكنة”، وغير ذلك، الكثير من أفكار مشحونة بعاطفة عمياء جياشة، لا يلجمها، الوعي الحضاري الجديد، والاستنباط الواقعي المدعوم بالحقائق.

وحتى ساسة العراق تسمعهم بين الحين والآخر، يلحقون وصف “العظيم” ” بالعراق، قسرا، فيما هم لم ترتق بلادهم الى مصاف دول كانت في الأمس القريب، أقل شأنا.

ثمة ثقافة تهريجية تنفّر الإنسان من وطنه، وهي ثقافة ادعاء فحسب، عرّابها إنسان مسلوب الوعي غير متعلم، وتدق لها طبول جوفاء، ولعل هذا من رذائل التربية العراقية، ذلك أن الأكاديميين والمثقفين الحقيقيين بعيدين عن قيادة المرحلة بسبب اختلال بدأ منذ منتصف الثمانينيات في نسق الدولة والمجتمع، أثمر عن قيادات أمّية.

ما يعزز الهوّة، ذلك التغيير بعد العام 2003 حين اختارت القيادات مضطرة أو مخيّرة “أهل الثقة” من الأصدقاء والأقرباء ورفاق الدرب، على أصحاب الخبرة والعلم والحرفة، ليكتمل الخراب الذي بدأه صدام من تهميش للكفاءة على أيدي نخب ساقها التغيير، عنوة إلى المناصب الحساسة.

“نعت” الذات الجمعية بـ”العظمة”، يزحف من ألسنة العوام، إلى ألسنة النخب، وربما يأتي يوم نصدق فيه ان “العراق عظيم “، مثل الإمبراطور العاري الذي ألبسه الأدعياء ثوبا لا يستر عورته، فصدّق ذلك، فيما نحن لا نختلف عنه، حين نعمى عن رؤية الجهل والتخلف ونقص الخدمات والهروب الكبير، ونصدق اننا “عظماء”.

المسألة في غاية البساطة أيها الأصدقاء.. إذا توفّر الماء وتواصلت الكهرباء وبُنيت حيطان مدارس، فمن حقنا ان نخوض في جدل “العظمة” وان ننافس جيبوتي أو الصومال في أحقية نيل اللقب..

في كليلة دمنة، تكتشف حيوانات الغابة أن مصدر “الصوت “العظيم ” الذي ضجّت به الغابة، طبل أجوف فارغ، يضرب به غصن شجرة من شدة الريح، وكل فارغٍ له “صوت عظيم”.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close