الكرد الغائبون .. يؤملون النفس بالصفقات المثالية لتشكيل الحكومات

سامان نوح
– ترى قيادات كردية، أن اكبر فرصة تلوح أمامهم لتحقيق مطالب الكرد في
العراق الاتحادي، فرصة لم تأتي مثلها منذ سنوات، بعد انقسام الشيعة الى
جبهتين وتفتت تحالفهم الذي كان يقود المشهد السياسي العراقي، ما يجعل
شركاءهم في البلاد من كرد وسنة في وضع أفضل لفرض شروطهم حتى الكبيرة منها
على كلا جبهتي او محوري الشيعة غير القادرين بمفردهما على تشكيل الحكومة.
– الحزبان الكرديان الحاكمان في الاقليم يشترطان الشراكة والتوازن
والتوافق، واعادة البيشمركة والادارة المشتركة الى المناطق المتنازع
عليها وتطبيق المادة 140 الدستورية، للانضمام الى اي من جبهتي “المالكي –
العامري” و “الصدر – العبادي – الحكيم”، ويردد بعض مسؤولي الحزب
الديمقراطي انهم أقرب الى جبهة المالكي التي قطعت “وعود جيدة” لهم، في
تصريحات يفسرها مراقبون 11 بأنها دعوة لجبهة العبادي بتقديم “صفقات
مماثلة” كشرط للانضمام اليها.
– جبهة “المالكي – العامري” هي الجبهة الاقرب الى ايران، والتي تمت
مهاجمتها في الاقليم طوال سنوات ووصفها بأنها قطعت موازنة الاقليم ورواتب
موظفيه وجوعت شعبه ودفنت الشراكة وحاصرت الاقليم بل وقتلت ابناءه واتت
بالجيش والحشد الى كركوك والمناطق المتنازع عليها بدعم من ايران.
– جبهة “العبادي- الصدر” هي الأقرب الى امريكا، والتي قاد زعيمها بدعم من
الحشد الشعبي عملية السيطرة على كركوك والمناطق المتنازع عليها وفرض
العديد من شروط الادارة الاتحادية على المعابر الحدودية بالاقليم
ومطاراته واوقف تصدير نفط كركوك لصالح قيادة الاقليم، بعد اصرار قيادة
الاقليم على المضي في استفتاء الاستقلال.
– أمام الجبهتين الشيعيتين، يُظهر الحزبان الحاكمان في الاقليم (يملكان
43 مقعدا من اصل 58 حصدتها القوائم الكردية) توحدهما في فرض مطالبهم
وشروطهم، ولا يبدوان قلقين من احتمال ذهاب أحدهم منفردا للتحالف مع طرف
شيعي محدد. ويأمل الحزبان الكرديان من العرب السنة وبشكل خاص “المحور
الوطني” ان يظلوا موحدين ايضا فاحتمال انقسامهم يعني تمكين احد الاطراف
الشيعية من دون الآخرين من تشكيل الحكومة والفوز برئاسة الوزراء بشروط
اقل.
– لكن هل التوحد الكردي الظاهري والتوحد السني التكتيكي، كافي لتحقيق
المطالب الكردية والسنية، مع الشك الكبير بامكانية استمرار القوى السنية
المتعددة والمتصارعة في البقاء موحدة ضمن محور واحد اذا انطلقت شرارة
توزيع المناصب. وهل نسي القادة الكرد ان مطالبهم تحتاج الى ضمانات من اجل
تطبيقها وليس مجرد تعهدات واوراق يتم توقيعها وبرامج يتم اقرارها، فقد
سبق ان وقع رئيس الوزراء السابق نوري المالكي مانحا لهم معظم مطالبهم
لكنه تراجع عن تنفيذها حين مُكن من التحكم بكل خيوط رئاسة الوزراء، ذلك
المنصب الذي تتجمع عنده كل مصادر القرار. الجواب هو لا.
– قادة الكرد يعرفون ان الضمانات لا يمكن ان تكون ايرانية، فما ان تمضي
العاصفة التي تضرب ايران هذه الأيام حتى تعود لتغيير قواعد اللعبة
والقرار وفق ما تريده. وقادة الكرد يعرفون ان الامم المتحدة لا تملك قوة
التأثير والضمان، وان الطرف الوحيد ربما الضامن جزئيا هو الولايات
المتحدة، لكن الأمريكان يقفون في جبهة العبادي وسيمتعضون من أي تحالف
كردي مع جبهة المالكي العامري التي توصف بانها جبهة الحشد القريب من
ايران.
– في النهاية وبحكم التجربة، لن تجدي “الصفقات والتعهدات” من اي جبهة أتت
ومهما كان الضامن، فها هي المادة 140 الدستورية مُعطلة منذ سنوات، وهي
التي وردت في اهم وثيقة قانونية سياسية في البلاد. كل التعهدات لن تجدي
في ظل غياب الكرد عن مركز القرار والتأثير المباشر في بغداد، فما ان
تتشكل الحكومة ويتحدد رئيس الوزراء سيكون من السهل التنصل من الاتفاقات
او عرقلة تطبيقها ولن يجدي التهديد بالانسحاب من الحكومة لأن تشكيلها
يحسم الامور ولن تكون الانسحابات مجدية.
– الغياب الكردي في بغداد واقع، بعضه يتحمله “الشريك” الشيعي والبعض
الآخر الكرد انفسهم، الذين كانت لهم توجهات مختلفة، فضلوا معها التمترس
في الاقليم وحكمها بشكل مطلق مع التمتع ببعض الامتيازات المالية والمناصب
في بغداد. الكرد غائبون منذ أكثر من ولايتين برلمانيتين، بعد ان كانوا
شركاء فاعلين في السنوات الأولى للدولة الجديدة، وها هم يواصلون طريق
الغياب فيجلسون في اربيل والسليمانية (في ظل ثنائية القرار الكردي)
ملوحين بشروط يقنعون انفسهم وبعض جمهورهم بأن مجرد مجيء الآخرين
وموافقتهم عليها يمثل نجاحا كبيرا.
– كل المؤشرات تؤكد المضي في طريق الغياب، فهم يكتفون بارسال وفود
تفاوضية من قيادات الصف الثاني الى بغداد، تقييم فيها لساعات او لبضعة
ايام في فترة تشكيل الحكومات. قادة الكرد رغم كل ما حصلوا عليه من دعم
دولي واقليمي لم يعملوا لبناء مركز قيادي سياسي كردي في بغداد يجمع القوى
الكردية ويمثل ثقل قيادة الاقليم، مركز يرسم سياسيا واجتماعيا وثقافيا
التوجهات الكردية ويكون محورا للتأثير وصنع القرار، وها هم يخططون لترشيح
شخصيات ضعيفة لتولي الحصة الكردية من المناصب بما فيها منصب رئيس
الجمهورية. لم يضغطوا لانشاء مجلس الاتحاد، ولم يخططوا لتغيير المعادلات
القائمة والحصول على منصب رئيس البرلمان، او تغيير طريقة ادارة رئاسة
الوزراء بصلاحياتها الهائلة، بما يفرض نوعا من الشراكة في القرار السياسي
والأمني والمالي. وهذا الأمر لا يهدد فقط باستمرار التنصل عن تنفيذ
مطالبهم، بل وحتى خسارة بعض ما حققوه، وتجربة الاستفتاء ماثلة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close