بحثتُ عن بغداد فهي وجدتني في ذاكرتي :

بحثتُ عن بغداد فهي وجدتني في ذاكرتي :

… نص مفتوح …

بقلم مهدي قاسم

منذ أمد بعيد ومغبّر مديد

أبحثُ عن بغداد ، هائما ، هاتفا ، صائحا ،

كان صياحي المرتفع

كصهيل مهرة أضاعت أمها في برية .

بحثتُ عن بغداد طويلا

ولكني لم أجد بغداد أبدا .

بغداد التي كانت ..

والتي لم تعد مثلما كانت .

*******

بغداد هي التي وجدتني في ذاكرتي

عند أصياف حلمي الغامضة

حيث وقفتُ أرنو إلى شمس الغروب

وهي ترتمي فجأة على أحضان دجلة

مثل قلنسوة برتقالية متوهجة بشظايا مشعة ومرتعشة .

أو تحت ظلالة صبابتي الفتية

و أنا أصعد الباص رقم 4 في ساحة الميدان

استرق نظراتي نحو صبايا نضرات أنيقات و بشوشات بابتسامتهن المشرقات عائدات من جامعات .

وهن يرتقين السلالم إلى الطابق الأعلى من الباص مقهقهات .

وجدتني بغداد في ذاكرتي عند شارع الرشيد

بفم ممتلئ بقطعة ” كيك ”

وفي يدي قدح من شربت “زبالة ” حلو المذاق

أحتسي متلذذا ، كما قطرات أكسير الحياة ! ..

أو أمضي لاهثا ، مثقلا ، بكتب كثيرة و بأقدام متواثبة

كتواثب جياد طائرة في ريح ،

حيث قامة شارع الرشيد المهيبة و الممشوقة بأعمدتها المزخرفة تمتص رجعها البعيد .

و حيث أصبحت الآن كإسطبل بكثير من حمير..

ولكن لا زالت ترافقني بغداد في ذاكرتي حتى منعطف ما في شارع السعدون حيث جمهرة مسرات و سهرات في الانتظار ..

حيث أصدقاء الألفة و الأحبة و أغاني أم كلثوم

و قصائد جديدة و أخر مطبوعات بيروت .

و قد تعبت بغداد قليلا لمرافقتي وهي الجريحة و النازفة الآن ..

و قالت

أنها سترافقني إلى المتحف الوطني و شارع ” أبو نؤاس ” في وقت لاحق ..

و عليَّ أن اكتفي بهذا القليل الجميل و أفرح به كثيرا وطويلا ! ..

لعثورنا على بعضنا بعضا كعشاق قدماء أو أحباب ندماء :

بغداد و أنا ..

ولكن في ذاكرتي فقط ..

فبغداد كانت ذات يوم نظيفة و أنيقة كأميرة من قرون غابرة ..

ولم تعد الآن غير قرية معفرّة ..

يدوسها رجال أغلاظ و جهمون غرباء يشحاطتهم المتربة

وملابسهم الرثة ببقع قذارة ونتانة تلطم الوجوه من بعيد ..

و بقلوبهم المسوّدة كدمخنة ،

تنفث حقدا وانتقاما وكرها مزمنا

بحق ما تبقى من بقايا بغداد .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close