الصراع على تأسيس الكتلة “الاكبر” ومستقبل الحكومة الاقتصادية

د. بارق شُبَّر*:

لقد اصبحت مفردة ” الكتلة الاكبر” تطنطن في اذني ليل نهار بسبب تكرارها اليومي في تصريحات افراد الطبقة السياسة للإعلام العراقي، وازعم أن معظمهم لا يفقهون ماذا تعني هذه المفردة. في بداية الامر، تمثل هذه المفردة خطأً لغوياً اشار اليه الدكتور عباس كاظم في موقعه على الفيس بوك، والاصح لغويا هو الكتلة الكبيرة حسب رأيه لأن الكتلة مؤنث. وبالرغم من ذلك يصر السياسيون والاعلاميون على ترديد الخطأ، والعجيب في الامر أن بعض اساتذة العلوم السياسية ممن نصبوا أنفسهم كخبراء “استراتيجيين” يكررون معهم هذا الخطأ.

والخطأ الثاني والاكبر هو أنه لا يوجد أصلاً مفهوم “الكتلة الاكبر” ولا “الكتلة الكبيرة” وكلاهما بدعة. المفهوم الصحيح وكما ورد في المادة 76 من الدستور العراقي هو الكتلة النيابية الاكثر عددا. ويقصد به اصلا الكتلة التي تحقق أكبر عدد للمقاعد في الانتخابات وتكون مؤهلة للاختيار من قبل رئيس الجمهورية لترشيح رئيس مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة. وبموجب هذا التعريف فالكتلة النيابية الاكثر عددا والتي افرزتها الانتخابات الاخيرة وصادقت عليها المحكمة الاتحادية هي كتلة سائرون والتي حصلت على 54 مقعدا.

إن المحكمة الاتحادية سمحت بقرارها في عام 2010 بإمكانية تأسيس كتلة جديدة بعد الانتخابات تمتلك عدداً أكبر من عدد مقاعد الكتلة الفائزة بالانتخابات وفي حينها كانت قائمة العراقية، مما سمح لقائمة دولة القانون أن تؤسس هذه الكتلة وتضمن حق اختيار رئيس الجمهورية لها لترشيح رئيس مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة. في تقديري كانت هذه الحركة من الاحزاب والكتل الشيعية في حينها خطأ استراتيجياً ترتبت عليه اوضاع سياسية وامنية غير مستقرة اضرت بالاقتصاد العراقي. واتوقع بأن تكرار هذا الخطأ ستكون له عواقب وخيمة أكبر على الاستقرار السياسي وعلى مستقبل الاقتصاد العراقي.

إن الهدف من تحديد الدستور لمفهوم الكتلة النيابية الاكثر عددا هو اعطاء رئيس الجمهورية معياراً لاختيار الكتلة التي ترشح رئيس مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة خلال 30 يوما من تاريخ التكليف (مادة 76 ثانياً) من دون الاشتراط أن تملك هذه الكتلة 50 + 1 بالمائة من اصوات مجلس النواب. وفي حالة اخفاق هذه الكتلة بتشكيل الحكومة خلال المدة المحددة يكلف رئيس الجمهورية مرشحاً جديداً لرئاسة مجلس الوزراء لتشكيل الحكومة خلال مدة 15 يوماً.

وهذا يعني من الناحية النظرية أن السباق المحموم والمستميت لتشكيل ما يسمى بـ “الكتلة الاكبر” ما هو الا مجرد مسرحية سياسة بائسة لا داعي لها حاليا ويمكن تأجيلها إلى ما بعد انتخاب رئيس الجمهورية والذي تبدأ عملية انتخابه خلال ثلاثة ايام بعد انتخاب رئيس مجلس النواب ونوابه ويمكن ان تستمر لمدة 30 يوما بموجب قانون انتخاب رئيس الجمهورية رقم (8) لسنة 2012 .. وهنا تكمن العقبة الرئيسية والتي وضعها نفس الدستور والقانون المشار اليه سابقا امام تشكيل حكومة جديدة بعيدة عن المحاصصة كما تدعى وتطالب به كل الكتل والاحزاب السياسية، ولكنها تخفي الحقيقة عن جمهورها بأن هذا غير ممكن، لأن انتخاب رئيس الجمهورية يتطلب اغلبية ثلثي عدد اعضاء مجلس النواب (مادة 70 اولاً)، أي حوالي 220 صوت على الاقل من مجموع 326 اعضاء مجلس النواب. ولا افهم لماذا يخفي السياسيون والاعلاميون والمحللون السياسيون والخبراء الاستراتيجيون هذه الحقيقة عن الرأي العام، وهي أنه لا يمكن انتخاب رئيس الجمهورية قبل عقد صفقة السلة الواحدة لانتخاب رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.

اذن الحكومة لا يكمن أن تتشكل من دون اشراك عدد كبير من الكتل السياسية التي تملك ثلثي عدد المقاعد في مجلس النواب على الاقل. وحتى لو افترضنا وجود استعداد لدى الثلث المتبقي للذهاب إلى المعارضة فسوف يغلب الطابع المحاصصاتي على الحكومة القادمة في جميع الاحوال لأن عدد النواب المطلوب لتشكيلها، أي ثلثي اعضاء مجلس النواب، غير متجانس لا في المصالح الاقتصادية ولا في المناهج والبرامج السياسية. وسيكون من الصعب الاتفاق بين الكتل المشكلة للحكومة الاتفاق برنامج اقتصادي موحد أو على رئيس وزراء لأن كل كتلة سوف تسعى إلى اختيار شخصية تلبي مصالحها المتناقضة مع مصالح الكتل الاخرى. ويوجد احتمال كبير أن يقع الاختيار في النهاية على شخصية جديدة “غير مجربة” تعتقد كل كتلة بأنها سوف تلبي مطالبها، وهذا سوف يعني بأن رئيس الوزراء الجديد المسكين سيكون بين خيارين احلاهما مُرّ: اما القبول والسكوت عن الاقطاعيات السياسة والفساد، وهذا ما سيعرضه للاحتجاجات والمظاهرات الشعبية، او البدء في مكافحة الفساد والاصلاح، وهذا سيعرضه للاستجواب والمقاطعة والاقصاء من قبل شركائه في الحكومة. وفي كلا الحالتين سوف تستمر حالة عدم الاستقرار السياسي المهيمنة منذ 2003 والتي تمثل السم القاتل لكل جهود التنمية الاقتصادية.

,ومن غير المتوقع ان تتفق الكتل السياسية المتصارعة على صفقة السلة الواحدة وتوزيع المناصب وخصوصا منصب رئيس الوزراء في جلسة مجلس النواب هذا اليوم او في المستقبل القريب، ولذلك لا اتوقع أن يتم انتخاب رئيس لمجلس النواب في الجلسة الاولى كما حدد الدستور ودعى اليها رئيس الجمهورية للانعقاد في يوم 3/9/2018 . ومن المستبعد ان يتم انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب وفق القاعدة القديمة بأن يكون المرشح من طائفة معينة، لأن هذه الطائفة غير متفقة على مرشح معين واحد. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن تحالف أحزاب هذه الطائفة غير متفق مع الكتل الشيعية على تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب لحد الآن لان القوى السنية تتمسك بهذا المنصب مقابل استعدادها لانتخاب رئيس الجمهورية . والحل لهذا المأزق الذي اقترحه هو أقرب إلى اليوتوبيا والتمنيات وهو أن يقلب رئيس السن الطاولة على الكتل والاحزاب ويتمرد اعضاء مجلس النواب الجدد على رؤساء كتلهم ويفتحوا باب الترشيح للجميع من دون الالتزام بالمحاصصة الطائفية وينتخبون رئيساً كفوءاً لمجلس النواب حتى لو كان مسيحيا أو إيزيديا أو امرأة. وفي حالة نجاح هذه المعجزة يمكن تكراراها على انتخاب رئيس الجمهورية، حيث تسمح المادة 70 ثانيا إذا لم يحصل أيٌ من المرشحين على الأغلبية المطلوبة، يتم التنافس بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات، ويعلن رئيساً من يحصل على أكثرية الأصوات في الاقتراع الثاني.

ولكن الحل الاكثر واقعية هو معالجة الخلل في الدستور الذي يحكم بانتخاب رئيس الجمهورية في صفقة واحدة مع انتخاب رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة بعد اجراء انتخابات مجلس النواب. وينبغي فصل انتخاب رئيس الجمهورية عن عملية انتخاب الحكومة من قبل مجلس النواب وتحويل هذه المهمة اما إلى مجلس الاتحاد المستقبلي، او اجراء انتخابات مباشرة لرئيس الجمهورية مع الحفاظ على النظام البرلماني. وهذ يتطلب بطبيعة الحال تعديل الدستور والذي أصبح مطلباً شعبياً عاماً.

وفي نهاية المطاف يتوجب علينا نحن كاقتصاديين تأجيل حلمنا بحكومة اقتصادية واصلاح اقتصادي حقيقي إلى الدورة القادمة بعد 4 سنوات لأنه غير واقعي في الوقت الحاضر بسبب الخلل البينوي في الدستور وطبيعة الخارطة السياسية العراقية المتشظية.

(*) باحث اقتصادي وسوسيولوجي

ينشر بالتعاون مع جريدة العالم البغدادية

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بأعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 3 ايلول 2018
http://iraqieconomists.net/ar/

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close