هجرة العرب نحو الغرب، الامريكيتين حصرا، وحجم المعاناة والنجاح ! ح 1

(*)
د. رضا العطار

يعتبر انطون البشعلاني اللبناني في العصر الحديث هو اول من طرق المهجر الأمريكي عام 1854 واستقر في نيويورك. ثم تكاثر عدد المهاجرين بعد الثورة العرابية عام 1887 عندما لجأ اللبنانيون والسوريون المقيمون في مصر الى البواخر البريطانية التي اقلتهم الى مواني ايطاليا وفرنسا مجانا، ومنها استأنفوا السفر الى امريكا وكندا.

ثم اعقبهم اهل فلسطين في الهجرة الى الولايات المتحدة، خاصة بعد ان استطابوا فيها الارباح، فمكث بعضهم فيها والبعض توغل في الجمهوريات الجنوبية القريبة كالأكوادور وكولومبيا، ثم في البعيدة كالبرازيل والارجنتين والشيلي، وهم الان كثرة في جمهورية شيلي، لهم المقام المحمود في عالم الصناعة والتجارة.

وزحف الى شواطئ امريكا كذلك موجات الهجرة من جبال العلويين وحمص وحماه وحلب ودمشق، حيث السكان كان اكثر عوزا وضنكا وتعرضا للآضطهاد المذهبي. فكانت الهجرة تشتد وتضعف تبعا لقوة ذلك الضغط. وقد وصفهم الشاعر صيدح بقوله:

رب احجار بها الشرق ازدرى * * اصبحت في حائط الغرب دعامه

كمت الاوطانُ فاه فأعتلى * * منبر المهجر يستوفي كلامه

كيف يرتاح وتذكار الحمى * * كلما اقعده الجهد اقامه

وتأسى بالليالي سترت * * دمعه الجاري على خد الكرامه

وكان ان اتجهت سياسة الارجنتين الى تنشيط حركة الهجرة اليها بغية استثمار اراضيها الزراعية الواسعة، ففتحت ابوابها للمهاجرين العرب، فأقبلت قوافلهم غفيرة متتابعة حتى زاد عددهم على ثلاثمائة الف. والظاهر ان وفرة الخيرات في الارجنتين وتشابه المناخ والعادات وسهولة التعايش، قد حملت ابناء سورية على ايثار هذا المهجر، فتكاثروا فيه واستطابوا عيش القناعة والهناء.

كانت المراحل الاولى للهجرة الى امريكا تتمثل في نخبة من ادباء الشام الذين استطاعوا عام 1888 من اصدار اول جريدة عربية في نيويورك. كان من عادة المهاجرين الاوائل اختيار الاحياء المهملة في المدينة التي يقصدونها، يتكتلون فيها ويعرضون على ارصفتها بضائعهم من النرجيلة الى النرد. فقد تجمعوا في نيويورك في شارع واشنطن وفي بوسطن في الحي الصيني وفي ريودي جانيرو في شارع الفانديكا وفي بونس ايرس في شارع ريكونكستا، في هذا المحيط ترعرع ابو الادب المهجري امين الريحاني وعميده جبران خليل جبران.

يعد المراقبون بواعث الهجرة الى العوامل التالية :

1 – العامل الاقتصادي الذي تمثل في سوء الحالة المعاشية.

2 – سياسة الدولة العثمانية الغشيمة واستبداد الولاة والاقطاعيين وفقدان الحرية والامان. 3 – قدرة المهاجرين على سرعة التكيف.

4 – الطموح الكامن في طبيعتهم.

5 – ضيق المجال في بلد الام، صخري التربة.

صحيحة كل هذه العوامل: فقر وحرمان لم ينفع في مداواتها جهد ولا نشاط في وسط رجعي النزعة وفي ظل حكومة جائرة، تستحل الارزاق وتهدد الارواح. فالفلاح الذي لا يعرف قدره اللحم الا مرة واحدة في العام، وغرفته المظلمة تضيق بالزوج والاولاد والبهائم، ورزقه مباح للحاكم ولرجل الدين، يسمع الاخبار عن بلاد بعيدة تدر الخيرات وتؤمن الحريات فتنتابه رعشة تسري في مفاصله وتجعله كالمحموم يهذي بكلمة الهجرة ويعلق عليها كل آماله وامانيه.

فلو اتيح لهذا المهموم معرفة الغيب وتمثلت له الاهوال التي تنتظره في الترحال والمصاعب التي ستعترضه في اخر المطاف، ربما عدل عن فكرة الهجرة رغم كل العوامل القاهرة التي دفعته اليها، لكن الشاعر ابو ماضي يسوغ لهذا اللبناني هجرته ويقول:

لبنان لا تعذل بنيك اذا هُمُ * * ركبوا الى العلياء كل سفين

لم يهجروك ملالة، لكنهم * * خلقوا لصيد اللؤلؤ المكنون

الارض للحشرات تزحف فوقها * * والجو للبازي وللشاهين

ووقف الجموع يودعون قريتهم في لبنان، وعندما ازف الرحيل واستشعروا لدغة الفراق، اخذتهم الحيرة، فإذا بالشاعر القروي يقول :

نصحتك يا نفس لا تطمعي * * وقلتُ حذارا فلم تسمعي

فإن كنت تستسهلين الوداع * * كما تدعين، اذا ودّعي

رزمت الثياب فلم تحجمين * * وفيم ارتعاشك في اضلعي

سأقضي بنفسي حقوق العلى * * وارجع، فأنتظري مرجعي

ولم يمضي على وصول المهاجرين ارض ( المنى ) امريكا وقت طويل واذا ببعضهم يبدل رأيه ويبدي ندمه في ترك الوطن ويصبح لسان حاله:

نحن في الارض تائهون كأنّا * * قوم موسى في الليلة الليلاء

ضعفاء محتقرون كأنّا * * من ظلام والناس من لألاء

واغتراب القوي غزّ وفخر * * واغتراب الضعيف بدء فناء

هذا هو القول الصواب، وما اسمى مقام الشاعر اذا جاء عذب الشعر في صدقه.

لكن الحازم والعازم على البقاء في ( الوطن ) الجديد يكون لسان حاله غير ذلك: كما يقول الشاعر فرحات :

اني لأحمل ثقل الفقر منتصبا * * عالي الجبين والقي الدهر مبتسما

* مقتبس من كتاب ادبنا وادباؤنا في المهاجر الامريكية لجورج صيدح بيروت 1957

الحلقة التالية في الاسبوع القادم

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close