الأقتصاد الأيراني والعقوبات: الحلقة الثانية ( العقوبات والأتفاقية النووية)

الدكتور احمد ابريهي علي

5. بدأت العقوبات الأمريكية بعد الثورة مباشرة:
فرضت امريكا عقوبات على ايران منذ عام 1979 ارتباطا بمشكلة الرهائن التي توسطت الجزائر بحلها. فعندما سمحت الولايات المتحدة لشاه ايران دخول الولايات المتحدة للعلاج عام 1979 احاط مجوعة من الطلبة الراديكاليين بالسفارة الامريكية واحتجزوا من فيها رهائنا. ولواقعة الرهائن صلة بالذاكرة السياسية لأيران وخاصة اسقاط حكومة مصدق بالمؤامرة الأمريكية البريطانية المعروفة. وعند احتجاز الرهائن اصدر الرئيس كارتر امرا تنفيذيا برقم 12170 في تشرين الثاني ، نوفمبر، 1979 بتجميد 12 مليار دولار موجودات لأيران بما فيها ودائع مصرفية وذهب وممتلكات اخرى. ولا تزال بعض تلك الموجودات لحد الآن موضوعا لدعاوى وتعلقت احكام قضائية ببعضها. وخلال حرب الثمانينات زادت امريكا من عقوباتها والمقاطعة، وفي عام 1984 ايضا صدرت عقوبات تمنع بيع السلاح الى ايران او أي شكل من المساعدات العسكرية. وللعقوبات اساس قانوني يسمى قانون العقوبات الايرانية The Iran Sanctions Act وهو صيغة معدلة من قانون عقوبات ليبيا وايران في 5 آب، اوغسطس، من عام 1996. وفي عام 2006 بعد ازالة العقوبات على ليبيا اعيدت تسميته ليقتصر على ايران. يحظر قانون عقوبات ليبيا وايران الاستثمار في المجال النفطي بما يزيد على عشرين مليون دولار للشركات الامريكية وللشركات غير الامريكية التي تتعامل مع ايران. وبقيت العقوبات الامريكية على ايران تخفف احيانا وتشدد احيانا اخرى، قد تقتصر على الجهات الامريكية أو تتسع لتطال الشركات غير الامريكية التي تتعامل مع ايران.
ومن المعروف ان كثيرا من العقوبات استندت في تبريرها على دعم ايران لمنظمات معادية لأمريكا واسرائيل متهمة بتفجيرات اوقعت ضحايا من الامريكيين. وايضا صدرت احكام قضائية تطالب ايران بتعويضات للمتضررين وعوائلهم وصلت رقما خياليا 47 مليار دولار، وهو وحده يكفي للأستنتاج بان امريكا ليست بصدد الأنتهاء الى تسوية مع ايران بقدر مواصلة الضغط عليها، وعزلها سياسيا واحباط تطلعاتها الاقتصادية لحين تغيير النظام دون التورط بحرب شاملة لتغييره.
عند نهاية الحرب العراقية الأيرانية تحركت التجارة بين ايران والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن في آذار من عام 1995 اصدر كلينتون امرا تنفيذيا برقم 12957 مانعا العلاقات التجارية بين ايران والولايات المتحدة في الصناعة النفطية وفي ايار، مايو، 1995 اصدر كلينتو ن امرا آخر برقم 12959 مانعا اية تجارة بين ايران والولايات المتحة الامريكية فورا.
في حزيران 2005 جمد الرئيس الامريكي موجودات اشخاص مرتبطين مع البرنامج النووي الايراني بالامر رقم 13382 وقاطعت ولايات مثل فلوريدا ونيوجرسي التجارة مع ايران.
في حزيران 24 من عام 2010 اصدر الكونغرس بمجلسيه قانونا شاملا للعقوبات على ايران وأقره الرئيس بصفة قانون في الاول من تموز، وبموجبه منعت بعض الانشطة التجارية المحدودة مع ايران مثل الكافيار وما شابه. وعلى هذا المنحى اصدر الرئيس اوباما ثلاثة اوامر تنفيذية بين ايلول،سبتمبر، 2010 وتشرين الثاني، نوفمير، 2011.
وحتى قبل انسحاب امريكا من الأتفاق النووي واعادة العقوبات التي رفعتها انسجاما معه هناك عقوبات امريكية حول برنامج ايران الصاروخي وارسلت عقوبات جديدة ، في عام 2013، الى الكونغرس تخص الصواريخ لكن البيت الابيض سحبها. وليس الصواريخ فحسب انما الاختلاف السياسي العميق بين امريكا وايران بشان سوريا وحزب الله واليمن والموقف من اسرائيل اضافة على مناهضة ايران لأمريكا في العراق والتوترات السياسية بين ايران وبعض جيرانها من دول الخليج.
كانت المؤسسات المالية الايرانية ممنوعة من التعامل المباشر مع الولايات المتحدة الامريكية لكن يسمح لها بالوصول الى امريكا بصورة غير مباشرة لكن في ايلول من عام 2006 فرضت الحكومة الامريكية حظر التعامل مع بنك الصادرات الايراني حتى بصورة غير مباشرة. وفي تشرين الثاني ،نوفمبر، 2007 توسعت القائمة لتشمل اربعة مصارف أخرى، وفي عام 2008 جمدت ارصدة لبنك ملي ايران في بريطانيا حوالي 1.64 مليار دولار، وفي نفس الوقت امرت وزارة الخزانة بنك سيتي City Group تجميد ارصدة لمصارف ايرانية بحدود 2 مليار دولار. ولجأت ايران الى اعتماد الحوالات ومع ذلك صدرت اوامر اخرى في تموز 2013 لاضافة عقوبات جديدة بما فيها التعامل بالريال الايراني
6.عقوبات مجلس الأمن والأتحاد الأوربي:

في حزيران 2006 طلب مجلس الامن من ايران ايقاف تخصيب اليورانيوم نهاية آب، اغسطس، من تلك السنة. في كانون الأول، ديسمبر، فرضت عقوبات تمنع ايران من التجارة بالمواد الحساسة النووية وتكنولوجياتها. وبناء على طلب الوكالة الدولية للطاقة الذرية منحت مهلة وعندما لم تستجب صدر القرار 1747 في آذار 2007 باضافة عقوبات جديدة شملت شخصيات رسمية ومقاطعة للمؤسسات المالية الايرانية. في الواقع ايران كانت ممتثلة لأجراءات منع اتنتشار الاسلحة الننووية وتتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. في آذار من عام 2008 صدر القرار 1803 من مجلس الامن لتاكيد العقوبات السابقة. واشتد الجدل حول البرنامج النووي الأيراني عام 2009 حول التخصيب وفي نيسان ابريل من عام 2010 تحركت امريكا وحلفائها وفرنسا ويريطانيا نحو قرار جديد هو القرار 1929 بعد رفض مقترحات تركيا والبرازيل التي تسمى مبادلة الوقود النووي وصدر القرار في حزيران 2010 . لكن الدول دائمة العضوية والمانيا قالوا انهم يعملون بمسارين واحد تفاوضي والآخر يضغط على ايران. وبالمختصر قرارات مجلس الأمن هي: 1992 في 9 حزيران ، يونيو، 2010 ؛1835 في ايلول، سبنتمبر، 2008 ؛ 1803 في 3 آذار، مارس، 2008 ؛ 1747 في 24 آذار، مارس، 2007 ؛ 1737 في 23 كانون الأول ،ديسمبر، 2006؛ 1696 في 31 حزيران ، يونيو، 2006.

فرض القرار 1929 عقوبات جديدة على ايران بتأييد الدول دائمة العضوية واعتراض تركيا والبرازيل وامتناع لبنان عن التصويت في حزيران ، يونيو، عام 2010 . والقرار يستهدف البرنامج النووي الايراني ويمثل جولة رابعة من العقوبات ولا يقتصر على منع التخصيب بل يقيّد القدرات العسكرية الأيرانية. وجمّد القرار الموجودات المالية لأربعين كيان ايراني ومنعَ شخصيات من السفر وفرضَ اجرآءات لتفتيش الشحنات البحرية، وهو اقسى قرار من مجلس الأمن ضد إيران، ووصفته البرازيل التي اعترضت عليه بانه يعطل مساعي الوصول الى حلول سلمية ويمثل سياسة العزل والتهديد، وتركيا ايضا رفضت القرار مع تأييدها لأهدافه المعلنة. واعترض لبنان على ازدواجية التعامل مع ايران وطلب تطبيق نفس المبادئ على اسرائيل وامتنع عن التصويت. والصين وان أيدت القرار طلبت استمرار التجارة والاستثمار مع ايران دون ارباك اقتصادها، ورفعت قرارات مجلس الأمن انسجاما مع الأتفاقية النووية في كانون الثاني ، يناير، عام 2016.
اتخذ الاتحاد الاوربي، اضافة على قرارات الامم المتحدة التي التزم بها، في مطلع عام 2012 قرارا بمقاطعة النفط الايراني، وتجميد ارصدة البنك المركزي الايراني، ومنع ايران من استخدام وسائل التراسل الالكتروني للتحويلات المالية. ورفعت هذه كلها في كانون الثاني، يناير، عام 2016.
7. ألأتفاق النووي مع إيران:
في 14 تموز 2015 توصل الأعضاء الخمسة الدائميين في مجلس الامن مع المانيا والاتحاد الاوربي مع إيران الى اتفاقية خطة العمل المشتركة الشاملة JCPOA حول المشكلات التي اثيرت حول البرنامج النووي. وعينت الاتفاقية موعدا لرفع العقوبات استنادا الى التحقق الذي تجريه الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتاكد من تطبيق ايران للاتفاق لتبقى جميع المواد والانشطة الذرية ضمن الحدود السلمية، وعند اخفاق ايران في الوفاء بالتزاماتها تعاد العقوبات.
في 20 من تموز، يوليو، 2015 اصدر مجلس الامن قراره 2231 باعتماد الاتفاقية وايضا االمصادقة على ازالة العقوبات تبعا لتحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية. بعد الاتفاق النووي ازالت الامم المتحدة جميع القرارات المتخذة لمعاقبة ايران التي اتخذتها بين عامي 2006 و 2015.
اعدت المنظمة الدولية للطاقة الذرية تقريرها الذي يبين التزام ايران بالشروط المتفق عليها مع الدول الست والاتحاد الاوربي. ولذلك الغت امريكا عقوبات كانت متعلقة بالبرنامج النووي وكذلك اوربا . لأن مفاعل آراك قد اغلق واليورانيوم المخصب نقل الى الخارج وجرى تخفيض اجهزة الطرد المركزي جذريا حسب بنود الاتفاقية. في 17 ايار ، مايو، 2018 اعلن الأتحاد الأوربي عن نيته تطبيق قانون اعاقة العقوبات لعام 1996 باعتبار العقوبات الامريكية على ايران باطلة ولا اثر لها ومنع الشركات الاوربية والافراد من الامتثال لها. وايضا دعت المفوضية الاوربية بنك الاستثمار الاوربي تسهيل الاستثمارات في ايران.
كانت الأحتياطيات الدولية لأيران مجمدة في مصارف الصين واليابان وكوريا الجنوبية ولكن نصف تلك المبالغ ذهبت اصلا الى ديون متراكمة. أي ان ايران كانت تمول مستوردات على حساب تلك الارصدة المجمدة. ومن نتائج الاتفاقية استعاد اقتصاد إيران مطلع عام 2016 صلاته الأقتصادية الأعتيادية مع العالم، باستثناء امريكا وجزئيا معها، وتحرير موجوداته المالية المجمدة واستئناف تصدير النفط الى اوربا
مع ذلك لم تأتي الاتفاقية بالنتائج المتوخاة خاصة بعد هبوط حاد في سعر النفط، حينها، مع اقتراب المفاوضات من تسوية مرضية وربما جاء الانخفاض نتيجة التوقعات بان عودة ايران الى الاسواق دون قيود يؤدي الى فائض عرض في اسواق النفط ، لكن من المستبعد انفراد هذا العامل بما حصل، انما زيادة في العرض الفعلي من مصادر عدة بما فيها دول منظمة الاقطار المصدرة للنفط اوبك ومن غير دول اوبك. المهم في الامر هبوط قيمة العملة الايرانية كثيرا مع هبوط اسعار النفط. وعندما انسحبت الولايات المتحدة من ألأتفاقية واعادت العقوبات تفاقمت ازمة سوق الصرف وانخفضت قيمة العملة الأ يرانية رغم انخفاض معدل التضخم كثيرا دون وتائره في سنوات العقوبات. لكن من جهة اخرى لازالت طاقة انتاج النفط الخام في ايران محدودة، وهذه بسبب العقوبات ايضا وتحتاج سنوات للارتفاع بطاقة الاستخراج جذريا. وارتفعت اسعار النفط وتجاوز نفط برنت 70 دولار وبتجه نحو 80 دولار واكثر حسب مزاج السوق والعرض الفعلي للنفط ، بيد ان ايران لا تنتفع كثيرا من هذه الزيادة بسبب العقوبات الأمريكية كما سيتضح.
لقد اعاد الأتحاد الاوربي الى العمل قانون اعاقة العقوبات، الذي اصدره عام 1996 لمواجهة العقوبات الامريكية على كوبا، لتقليل فاعلية العقوبات الأمريكية الثانوية على التعامل مع إيران. وعلى الأرجح ستحاول الصين وروسيا ودول اخرى الحفاظ، قدر الامكان، على تجارتها مع ايران. لقد ارتفعت التجارة بين ايران واوربا الى 25 مليار دولار سنة 2017 بالأنتفاع من رفع العقوبات، بعد ان كانت اقل من 10 مليار دولار عام 2015 .

انسحاب الولايات المتحدة من الأتفاقية النووية:

اعلن الرئيس الامريكي في 8 أيار، مايو، 2018 ان الولايات المتحدة تنسحب من خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA بين ايران والدول دائمة العضوية في مجلس الامن والمانيا والاتحاد الاوربي حول البرنامج النووي الايراني والتي اتفق عليها في تموز 2015 بعد سنتين من المفاوضات المعقدة. وبدأت الولايات المتحدة اعادة فرض العقوبات التي كانت قبل الاتفاق النووي وعلى وجه الخصوص في مجالات الطاقة والبتروكيمياويات والعلاقات المالية الدولية بما فيها عملة الدولار والقنوات المصرفية. ولا تقتصر المقاطعة الامريكية على شركات الولايات المتحدة واسواقها بل اعلنت الحكومة الامريكية عن عزمها تشديد العقوبات الثانوية ومفادها معاقبة الشركات غير الامريكية التي تتعامل مع ايران وشمولها بالمقاطعة، ما يعني ان الولايات المتحدة وضعت الاجهزة المصرفية وشركات الاعمال امام الأختيار بين امريكا وايران ” من ليس معنا ضدنا”. ومعلوم ان التجارة الخارجية لأيران لا تتجاوز 5 بالمائة من حجم التجارة الدولية الامريكية وهكذا اصبح الاقتصاد الايراني، كما يفهم من نصوص القرارات ولغة التصريحات، في مأزق الأستخدام الأمريكي المفرط والشامل للقوة الأثتصادية لأرغام ايران على الاستسلام دون الحاجة الى حرب الصواريخ والطائرات المدعومة بالردع النووي.
لقد رفعت اوربا عقوباتها عن ايران في كانون الثاني، يناير، من عام 2016، اما الولايات المتحدة الأمريكية فلم ترفع العقوبات الأساسية التي تمنع شركات الولايات المتحدة والأشخاص الامريكان من الأنخراط في علاقات مع انشطة الأعمال الأيرانية. العقوبات التي رفعتها امريكا في كانون الثاني من عام 2016 واعادتها بعد نقض الأتفاق هي التي تسمى ثانوية والتي تلزم الشركات والكيانات المالية التي تتعامل مع السوق الأمريكية بالأمتناع عن المبادلات مع إيران وبخلافه تفرض عليهم العقوبات ذاتها. . ويبدو ان الأهتمام الأول في سياسة الرئيس الأمريكي تجاه إيران ليس البرنامج النووي، عند الأخذ بالأعتبار تقارير منظمة الطاقة الذرية التي بينت التزام ايران بضوابط الاتفاقية ولا تنفي الادارة الأمريكية ذلك. لقد الغت الادارة الامريكية الاجازات التي منحتها سابقا لبيع طائرات ركاب الى ايران مع قطع غيار وخدمات واستيراد السجاد والغذاء.
وحسب النصائح التي نشرتها شركة المحاماة HFW فإن جميع الالتزامات والمدفوعات بين الشركات ألأمريكية وإيران يجب ان تنتهي في اوقبل 6 آب، اوغسطس، للحزمة الاولى من المبادلات وانشطة الاعمال، وفي او قبل تشرين الثاني، نوفمبر، للحزمة الثانية عدا استثنآءات بينتها شروط التعاقد. اهم ما تشمله الحزمة الأولى للمقاطعة: شراء الحكومة الأيرانية لعملة الدولار والمتاجرة بالذهب والمعادن النفيسة الأخرى، و شراء او بيع مقادير ذات اهمية من الريال الأيراني اوالاحتفاظ بها او حسابات مصرفية بالريال خارج ايران؛ اوراق الدين الأيراني السيادي؛ بيع وتجهيز وتحويل المعادن الخام او شيه المصنعة مثل الألمنيوم والحديد والفحم، وبرامجيات العمليات الصناعية؛ مستلزمات قطاع السيارات.
أما مفردات الحزمة الثانية والتي تنفذ من 5 تشرين الثاني ، نوفمبر، فهي : الموانئ والنقل البحري وبناء السفن؛ النفط والمنتجات النفطية والبتروكيمياويات؛ التعامل والمراسلات مع البنك المركزي الأيراني والمؤسسات المالية الأيرانية الأخرى. تلك هي العقوبات الأساسية التي على الشركات الا الأمريكية والأشخاص الأمريكان الألتزام بها.
وتطال العقوبات الثانوية Secondary Sanctions الشركات والجهات غير الأمريكية التي تزاول انشطة في ايران من تلك المبينة بعد التاريخين المشار اليهما آنفا. ويتضح ان المقاطعة المالية والمصرفية هي الأشد على إيران اما التجارة بذاتها، من وإلى ايران، فمن الصعب السيطرة عليها حسب مفردات قرار المقاطعة الأمريكية.
وتحاول ايران، كما هو متوقع منطقيا، الأنتفاع من القنوات المالية الدولية بعملات من غير الدولار، لكن اغلب المصارف وشركات التحويل المالي لها علاقات بالجهاز المصرفي الامريكي مباشرة او عبر البنوك المركزية، بيد ان مثل هذه الفرص لا تنعدم تماما
سوق العملة الاجنبية وسعر الصرف وميزان المدفوعات:
حسب الكتاب السنوي لصندوق النقد الدولي حول ترتيبات وانظمة سعر الصرف تصنف ايران بانها تعتمد تعددية اسعار الصرف واقرب الى الثنائية، مع بعض التقييد على التحويلات الجارية والاستثمار في الخارج.
حتى عام 2002 يعتمد سعر الصرف الايراني على التعددية حيث تستفيد الدوائر الرسمية وشيه الرسمية من السعر التفضيلي 1750 ريال للدولار. لكن القطاع الخاص يدفع سعر السوق، ويطبق السعر التفضيلي على موارد صادرات النفط والغاز لاستيراد الضروريات، ودفع الدين الخارجي. وفي عام 1998 اعتمد البنك المركزي نظام شهادات العملة ويسمح للمصدرين المتاجرة بها في سوق طهران للاوراق المالية. وصل سعر الصرف الى 8500 ريال للدولار في عام 2002 واصبح هو السعر الموحد وهو سعر سوق طهران للاوراق المالية وبقي موحدا حتى عام 2010 . لكن بسبب ضغط العقوبات منذ عام 2011 تعددت اسعار الصرف الى: سعر الصرف الرسمي؛ سعر الصرف في المنطقة الحرة؛ سعر الصرف التفضيلي ؛ سعر السوق السوداء ، ثم اخذ الفرق بين السعر الرسمي والاسعار الموازية بالاتساع.
وصل سعر صرف الدولار الى 140000 ريال بيعا و 138500 ريال شراءا في السوق الحرة في الخامس من ايلول ، سبتمبر، بينما السعر الرسمي قريب من 43000 ريال للدولار، وآخر اقل منه لأستيراد الضروريات والسلع الوسيطة والمواد الأولية. واغلب موارد الصادرات غير النفطية للقطاع الخاص حيث يبيع العملة الاجنبية للمستوردين باسعار صرف عائمة في سوق طهران للاوراق المالية او مكاتب صرف حرة. وينتفع المصدرون من ريع تعددية اسعار الصرف حيث تمول مستورداتهم من المواد الاولية والوسيطة باسعار مدعومة، بينما يتعاملون باسعار الصرف في السوق الموازية لبيع مواردهم من العملة الاجنبية. لا زالت اسعار الوقود شبه مجانية في ايران واسعار النقل كذلك والخبز اسعاره منخفضة وخدمات تجهزها الدولة باسعار واطئة او مجانا. وهذه السياسة السعرية تساعد ذوي الدخل المنخفض في تحمل صعوبات العيش وفي نفس الوقت تقدّم للجميع فترهق الموازنة العامة.
الفرق بين السعر الموازي والرسمي 25.5 بالمائة في الربع الأول من عام 2015 و18 بالمائة في الربع الاول من عام 2016 حسب تقرير بنك سامان حول سوق الصرف في حزيران 2016 . بمعنى ان التفاوت بين السعرين في النصف الثاني من عام 2018 تجاوز الانماط المعروفة. وقد حاولت ايران توحيد سعر الصرف وكررت المحاولة عام 2018 لكنها لم تتمكن. وفي الواقع يضطرها استمرار الضغوط التضخمية، والمقاطعة الأمريكية، الى القبول برفع سعر الصرف في السوق الموازية. علما ان ميزان المدفوعات، ورغم العقوبات، كان في توازن ويحقق فوائض بعد عام 2010 .
كان سعر الصرف الرسمي 1755 ريال للدولار في تموز عام 2000 وكذلك عام 2001 ثم ارتفع الى 7925 ريال للدولار عام 2002، وهي قفزة استثنائية نتيجة التخلي عن سعر الصرف الرسمي آنذاك واعتماد سعر صرف موحد يتعين حرا في سوق طهران للأوراق المالية. وفي سنة 2012 اصبح السعر 12260 ريال للدولار وفي عام 2013 ونتيجة للعقوبات قفز الى 24755 ريال، ونهاية عام 2017 ازداد الى 35304 ريال ومطلع ايلول عام 2018 وصل الى 43163 ريال للدولار. وبذلك يفهم ان سعر الصرف يستجيب للعقوبات وتغير التوقعات. ويلاحظ ومنذ عام 2011 عاد سعر الصرف الى التعدد واخذ الفرق بين السعر الرسمي وسعر السوق بالتزايد. كان متوسط معدل التضخم السنوي بين عامي 2000 و2018 في اسعار المستهلك 16 بالمائة بينما تغير سعر الصرف الرسمي ( ريالات للدولار الواحد) بمتوسط سنوي 19.4 يالمائة أي ان قيمة العملة اسميا تنخفض بمعدل يزيد على التضخم المحلي، وعند اخذ التضخم الخارجي بالاعتبار وعلى فرض 3 بالمائة سنويا يكون سعر الصرف الحقيقي للريال الأيراني ينخفض سنويا باكثر من 6 بالمائة. ومن المتوقع ، نظريا على الأقل ، ان ينعكس هذا في تطوير قدرات ايران على التصدير لأن الكلفة النسبية للصادرات الايرانية تتناقص بأكثر من 6 بالمائة سنويا. نعم لقد حصل تطور في الصادرات لكنه لا يتناسب مع انخفاض سعر الصرف الحقيقي للعملة الايرانية. ونلاحظ ايضا ان معدل التضخم يرتبط بالعقوبات والصدمات الخارجية : في عامي 2008 و 2009 كان 18.4 بالمائة ثم 25.4 بالمائة على اثر الأنخفاض الحاد باسعار النفط ؛ وللسنوات 2012 الى 2014 كانت معدلات التضخم السنوية بالمائة 21.5 ؛ و 30.5 ؛ و 34.7 على التوالي وهي مدة العقوبات التي سبقت الاتفاقية النووية. وفي عام 2015 وهي سنة عقوبات ايضا لكن التوقعات تحسنت فانخفض الضخم الى 15.6 بالمائة؛ ثم 11.9 عام 2016 واقل من 10 بالمائة سنويا لعامي 2017 و 2018 وهي سنوات رفع العقوبات الدولية والأوربية.

وتركز العقوبات الأمريكية عموما على النفط ويلاحظ ان ايرادات النفط تسهم بحوالي 37 بالمائة من ايرادات الموازنة عام 2015 بينما في العراق بحوالي 90 بالمائة. وايضا لا تعتمد ايران كليا على النفط في موارد العملة الاجنبية كما هو حال العراق لأن هناك موارد من غير النفط الخام لا يستهان بها ، كما تبين من الحلقة الاولى، وبهذا تؤثر العقوبات لكنها لا تصل الى حد تعطيل الاقتصاد الايراني حد الانهيار الا اذا اجتمعت عوامل اخرى.
كما ان التجارة الخارجية لأيرن اتجهت نحو آسيا ومع الدول المجاورة اولا ومع اوربا على نحو اقل بكثير ، اي تحاول ايران تقليل التعرض للأسواق والقنوات حيث يشتد الألتزام بالعقوبات الأمريكية.
استيرادات ايران من آسيا بنسبة 77 بالمائة واوربا 21 بالمائة وبقية العالم 2 بالمائة. وشركاء ايران في المستوردات : الصين اولا والأمارات العربية ثانيا وعلى التوالي بنسب 25 بالمائة و 19 بالمائة من مجموع المستوردات عام 2015 و 24 بالمائة و 23 بالمائة عام 2014 . ثم كوريا الجنوبية وتركيا وسويسرا والمانيا وايطاليا … ودول اخرى. اما الصادرات فتتركز في آسيا بنسبة 92 بالمائة عام 2015. وفي عام 2014 وهو عام عقوبات كانت الصين الشريك الاول ثم العراق والأمارات العربية والهند وافغانستان وتركيا وتركمانستان … ودول أخرى.
لقد اثرت العقوبات في السنوات 2012- 2015 التي فرضت عام 2011 وضاعت على الصناعة فرصة النمو بل اصبحت عام 2015 ادنى مما كانت عليه عام 2011 ، وكذلك نشاط البناء والتشييد اقل في سنة 2015 مما كان عليه في 2011 بنسبة 28 بالمائة تقريبا، وايضا انخفض النفط الخام لأرتباطه الأشد بالعقوبات. لكن الزراعة لم تتأثر بل ازداد الانتاج الزراعة بنسبة 22 بالمائة في سنة 2015 مقارنة بسنة 2011.
سوف تؤثر جملة عوامل في اداء الأقتصاد الأيراني الذي يتعرض لضغط العقوبات الأمريكية منها: مدى تشدد الولايات المتحدة في العقوبات الثانوية، على طرف ثالث، لمحاصرة ايران، ويرتبط مدى التشدد بتنازلات ايران لخدمة سياسات امريكا وهيمنتها في الشرق الأوسط ؛ لكن هذا المسار يتأثر الى حد كبير بموقف الأتحاد الأوربي ودوله لمساعدة ايران في المناورة على العقوبات الأمريكية؛ وعلى نحو أكبر سيكون لسياسة الصين الدور الحاسم لأيجاد فسحة اقتصادية دولية لأيران اضافة على العراق وتركيا وروسيا.
والمسألة لا تنتهي عند حدود الأقتصاد والتجارة بل ان الدول الكبرى امام اختيار صعب بين عالم القطب الواحد وتعددية مراكز القوى.

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close