ومضات خاطفة : لهذا السبب يحب العرب صداما ؟

بقلم مهدي قاسم

قد لا نبالغ إذا قلنا أن غالبية العرب لا زالوا يحبون الديكتاتور البائد حبا جما ، وبعضهم الآخر لحد العشق و التولع التوله !!..

ولكل واحد منهم له أسبابه في هذا الحب الجارف و الأزلي الحارق !! ..

وهو أمر قد يبدو عجيبا بالنسبة لشعوب متمدنة بنزعة إنسانية التي لا تفهم كيف يمكن لشخص سوي أن يحب ويعشق ديكتاتورا دمويا تسبب في مقتل مئات الآف من البشر، سيما من أبناء بلده وكان هاويا للحروب وأجواء البلطجية ..

ولكن لو عرفنا أن العرب ( نقول بشكل عام ولا نقصد التعميم المطلق ) يعتبرون سلوك البلطجية شجاعة و أجواء القتل والإبادة للبشر أمرا عاديا بل و مألوفا من شيم و رجولة صحراوية ، فليس من غريب و عجيب أن يحبوا صداما و يفتنوا به إدهاشا و إعجابا ، متحولا في نظرهم إلى رمز جسّد بطلا عربيا نادرا الذي هو وحده ــ من بين زعماء عرب ــ تجرأ و ضرب إسرائيل بصواريخ ـ ولو كانت صواريخ فاشوشية ولم تقتل حتى ولا إسرئيليا واحدا ( و حيث فيما بعد دفع صدام ثلاثة مليارات دولار لإسرائيل تعويضا عن الأضرار المادية التي سببتها صواريخه الفاشوشية ــ حسب الأخبار التي نُشرت آنذاك ـ كما كانت غاية صدام بضرب إسرائيل أمرا مقصودا يتعلق باستعدادات حرب الخليج الثانية الجارية حينذاك لتحرير الكويت ودفع إسرائيل لقصف العراق الأمر الذي كان سيسبب إحراجا سياسيا للأنظمة العربية المشاركة ضمن القوات الأمريكية لتحرير الكويت..

فضلا عن هذا فأن الديكتاتور البائد هو وحده ما بين جميع رؤساء العالم أهمل شعبه و شيّد مدارس وجامعات ومستشفيات ومجمعات سكنية في الأردن و تونس واليمن وبلدان عربية أخرى عديدة ، طبعا على حساب إفقار و معاناة وحرمان شعبه ، و كان لا يكتفي بذلك إنما يموّل الصحف والقنوات التلفزيونية في البلدان العربية التي كان تمجد وتمدح به ليلا ونهارا ، زائدا قيام أجهزة مخابراته عبر سفارات عراقية بتأسيس وتنظيم منظمات ” مهنية وشعبية ” في معظم البلدان العربية التي كانت هي الأخرى تمّجد به صبحا وعشية، مقابل ملايين من دولارات كان يغدّقها عليهم ، و بكل كرم حاتمي ، وكأنما من فلوس أبيه المليونير !!..

و لكون العرب ـ نقول ذلك بلا تعميم ــ لا يفكرون بقدر ما يتلقفون الأخبار كما البعير وهو يلوك ويزدرد الشوك ــ العاكول ــ بآلية ورتابة مناخات صحراوية ، و بدون أي تدقيق أو تمحيص بلا حتى ولو بتفكير بسيط ، فصدّقوا بكون صداما بطلا تاريخيا فريدا و عظيما !! ، حتى في أحرج لحظات انكسارا و انهزامية وجبنا ، عندما أخرجته القوات الأمريكية من حفرة أشبه بحفرة جرابيع ـ حيث بدا كشخص معتوه ومشرد ورّث ذاهل ، في سياق هروبه من بغداد واختفائه تاركا إياها أي العاصمة ــ مفتوحة أمام بضع دبابات لتحتلها في غضون بضع ساعات معدودات !!..

بينما من المعروف عن البطل الحقيقي أنه يقاوم إلى أن يقع صريعا أو شهيدا من أجل قضيته ، مثلما فعل الرئيس التشيلي سلفادور اليندي وهو يقاوم الانقلابيين البينوشيتيين في مقره في القصرالجمهوري ، إلى أن ُوقع صريعا ، مع أن الانقلابيين قد قدموا له عرضا بمغادرة البلاد سالما مسلما ..

دون أن ننسى التخندق الطائفي الحاد الذي أضفى على الديكتاتور البائد هالة جديدة من آيات حب و عشق وصونمة للعبادة الشخصية .

فصدام كان ولا زال مثابة مرآة مقعرة ومشروخة من الداخل حيث يرى ملايين من عرب أنفسهم مجوّفين بغلاظتهم وقسوتهم و اتكاليتهم و خيانتهم وأكاذيبهم المزمنة وهزيمتهم ونكرانهم للجميل ، سيما غدرهم المفاجئ والمباغت حتىببعضهم بعضا، وبعدم مبدئية ما يدعون ويزعمون من قيم ومبادئ زائفة للخداع الذاتي فحسب والإصرار العجيب والعناد الغريب على إنكار الحقائق بالرغم من انهم يقرّون بوجودها في حالة نادرة وفي مواجهة معطايات دامغة بأحداثها وتواريخها التي لا زالت حية في الذاكرة ..

لهذا ….

فكانوا ولا زالوا بحاجة إلى” بطل” من قش ، مثل صدام لكي يبقوا على مزاولة خداع أنفسهم إلى أمد بعيد .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close