831 اولى الحضارات العربية الاسلامية في التاريخ ! ح1،

(*)

د. رضا العطار

لم يكن للعرب المسلمين حين حلّوا الأمصار التي فتحوها ثقافة او تراث فكري يحسد عليه. ففي سوريا ومصر والعراق و بلاد فارس تعلق الفاتحون بحضارة الأمم التي غلبوها، فنقلوا عنها وكانوا مهرة في النقل، واظهروا قابلية فائقة للغذاء الفكري والثقافي.

غير ان قرب عهد الامويين بأيام الجاهلية والحروب والفتن الداخلية والخارجية التي قاست شرّها البلدان الاسلامية في العصر الاموي وما رافق ذلك من اضطراب الاحوال الاجتماعية والاقتصادية، كل هذه الامور قضت ان يكون سير الحياة الفكرية في ذلك العهد بطيئا، ولكن النواة التي تنمو فيها شجرة الفكر كانت قد زُرعت وكانت هذه الشجرة قد اثمرت وازدهرت في العصر العباسي، فقد تأصلت جذورها في ثقافات العهود السالفة من ايام السريان واليونان والفرس.

ولقد بادر السريان والاقباط والبربر والفرس وسواهم الى الدخول في حظيرة الاسلام وامتزجوا مع العرب بالزواج، فأقتضى ذلك ان يزول الحاجز المنيع الذي وضعه الاولون بين العرب والاعاجم واخذت معالم الجنسيات المختلفة تذوب في بوتقة الاسلام.

بحيث ان المسلم الذي قطع النظرعن جنسيته القديمة حين اعتنق الاسلام وتعلم العربية وكتبها، اعتبر من ابناء العربية، وهي ظاهرة من اهم الظواهر في المدنية الاسلامية. فاذا ما اشرنا الى ما كان عند العرب من طب وفلسفة وعلوم رياضية، فلسنا نعني بذلك ان هذه العلوم كانت نتاج العقل العربي الصميم وان واضعيها كانوا ابناء الجزيرة العربية وصحاريها، بل نقصد ان هذه العلوم قد وضعها في اللغة العربية رجال نشأ اكثرهم في عصور الخلافة وكانوا من جنسيات اخرى، من سريان مسيحيين وفرس ومصريين وصابئة ويهود وعرب. ولا يبعد ان يكون بعضهم قد استمد علمه من مصادر آرامية او سريانية او يونانية او فارسية.

وفي بداية الحكم العربي الاسلامي الاموي كان المطلوب من سكان بلدان الهلال الخصيب ان يظهروا الولاء للاسلام و يعترفوا بسيادته وسلطانه وان يؤدوا له الرسوم المترتبة على اهل الذمة تأديتها، والامتناع عن كل دعوة دينية لهم في بلد الاسلام وان يحافظوا على عروبة الجيش. وفي نطاق هذه التحفظات التي لم تكن لتؤثر كثيرا في الحياة العادية، تمتع اهل الذمة من مسيحيين ويهود وصابئة بحياتهم كافة. والى هذا فقد كان من الصعب جدا على العرب والمسلمين الذين الّفوا أقلية ضئيلة جدا في وسط هذا الخضم من الامم والاقوام التي سيطروا عليها ان ينهجوا نهجا آخر ، ويأخذوا الناس بالشدة والا كانت الحروب افنتهم واكلتهم. وقد تألفت ادارة الدولة من الاقطاعيين.

1 – ينتظم سياسة المسلمين فينظّم منهم شؤون الحرب والسلم وامور العبادة ويوفر اقتسام المرتبات والاعطية وجمع الزكاة ويتولى شؤون هذه الادارة في عاصمة الخلافة دمشق وفي الاقاليم موظفون عرب.

2 – يعني بشؤون سكان البلاد ولا سيما بتنظيم الضرائب وجبايتها يتولى القيام به والاشراف عليه عمال وموظفون من اهل البلاد وبغير ذلك من امور الادارة التي لا علاقة لها بشؤون الدين. ونرى في القطاع الاول يزداد التباعد والانفصال بين الدولة والدين، فالدين ينظم مبدئيا كل شئ في الحياة العامة والحياة الخاصة بحيث لا يمكن ادخال اي تغيير او تعديل عليها.

وقد انتظمت العلاقات بين الدول وسكان البلاد الاصليين بسهولة بالغة، وفقا لروح القانون المعمول به في البلاد والنظام الساري المفعول، وبقيت كل فئة او طائفة محتفظة بقانونها الخاص وبالموظفين الذين يسهرون على الشؤون الدينية عندها باستثناء ما كان تابعا للحق العام، فمرجعه حكومة الخلافة او ما تعلق بالعلاقات الخاصة بين هذه الطوائف بعضها ببعض، فكان امره متروكا للقضاة الذين كانوا يتمتعون بشئ من الاستقلال بالنسبة للحكومة، مع انها هي التي تتولى امر تعيينهم وتامين مرتباتهم، ويسهرون على قانون لم تكن الدولة قد اصدرته.

حتى المراحل الاولى من الحكم الاموي لم يطرأ على مجموع سكان الهلال الخصيب في الريف وعلى السواد الاعظم من سكان المدن وغالبيتهم الساحقة من المسيحيين اي تغير يذكر في سير الحياة ونهجها. فقد اخذ المسيحييون الخارجون على طاعة بيزنطية وبخاصة السريان منهم ينظمون احوالهم ويضبطون شؤونهم الدينية والكنسية الخاصة بعد ان تخلصوا من مضايقة العاصمة وازعاجها. وقد اقتصرت علاقاتهم مع الامبراطورية البيزنطية على بعض الاتصالات الانسانية، بالرغم من الحروب التي نشبت بين المسلمين والروم. وقد راحت بيزنطية تشعر بالاسف المرير لفقدانها اغنى ولاياتها ماديا وروحيا وثقافيا، وخير من يصور هذا الوضع احسن تصوير هو يوحنا الدمشقي احد كبار الموظفين في البلاط الاموي الذي استقال من عمله بعد حين وانقطع لعبادة الله راهبا في دير القديس سابا بالقرب من القدس.

.

* مقتبس من كتاب الحضارة السريانية حضارة عالمية لمؤلفه موسى مخول.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close