لماذا يوجد عذاب القبر وما هي الأدلة على وجوده؟

إيهاب المقبل

هل توجد آية واحدة في القرآن الكريم تقول إن الإنسان لا يعذب في قبره، طبعًا الكافر والعاصي وليس المؤمن الملتزم بالقرآن الكريم والسنة النبوية؟ بالتأكيد، لا توجد مثل هذه الآيات، إنما توجد آيات عديدة تؤكد وتثبت عذاب القبر، قال تعالى عن المنافقين: (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْــــــــــــــنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ)، التوبة: ١٠١. ولقد أجمع علماء الإسلام على ان المقصود في قوله تعالى (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ) هو عذاب الدنيا وعذاب القبر، والمقصود من قوله تعالى (ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ) هو عذاب جهنم.

وهناك آية آخرى تؤكد أن الكفار يعذبون في القبر، ويرون النار صباحًا ومساءً، كما هو الحال مع فرعون وجنوده، يقول تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، غافر: ٤٦. فالآية (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) دلت بحسب علماء الإسلام على عرض الأرواح إلى النار غدوا وعشيا في البرزخ، أي القبر الذي يفصل بين الإنسان وبين الرجوع للدنيا والإنتقال إلى الآخرة، ثم (يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) أي عذاب جهنم. وهناك آية ايضًا تؤكد أن الكافر يرى العذاب بعد موته، ولذلك يطلب من ربه أن يعيده للدنيا، يقول تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، المؤمنون: ٩٩-١٠٠. والسؤال: لماذا يطلب الكفار الرجوع للدنيا؟! بالتأكيد، عندما يرون عذاب القبر يدركون الحقيقة، ويعلمون أن الله عز وجل هو الحق، وأن عذاب النار أصبح حقيقة واقعة، ولذلك يطلبون العودة للدنيا لعبادته والإلتزام بالأعمال الصالحة، ولكن هيهات هيهات.

اما الأدلة على وجود عذاب القبر من السنة النبوية، فهي كثيرة أيضًا، فعن عائشة رضي الله عنها، ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( أيها الناس – استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق)، رواه أحمد. وعن أبي ايوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَمَا غَرُبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: (يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا)، رواه البخاري ومسلم والحديث متفق عليه. وعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ)، ثُمَّ قَالَ: (بَلَى، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ)، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطِبًا، فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: (لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)، رواه البخاري ومسلم والحديث متفق عليه.

وعذاب القبر للساعي إلى النميمة بين الناس، وتارك الاستبراء من البول، فهذا ترك الطهارة الواجبة، وذلك ارتكب السبب الموقع للعداوة بين الناس بلسانه وإن كان صادقًا. وعذاب القبر لمن يقرأ القرآن الكريم ثم ينام عنه بالليل، ولا يعمل به بالنهار. وعذاب القبر للزاني والزانية، وآكل الربا وأموال اليتامى والسحت من الرشوة ونحوه. وعذاب للقبر لشارب الخمر والسارق والخائن والغادر والمخادع والماكر ومؤذي المسلمين ومتتبع عوراتهم. وعذاب القبر للحاكم بغير ما أنزل الله والمفتي بغير ما شرعه الله والمعين على الإثم والعدوان، وقاتل النفس التي حرم الله، والملحد في حَرَم الله، والمعطل لحقائق أسماء الله وصفاته الملحد فيها. وعذاب القبر للمقدم رأيه وذوقه وسياسته على أحكام وقوانين الله عز وجل، وللنائحة والمستمع إليها، ونواحو جهنم وهم المغنون الغناء الذي حرمه الله ورسوله والمستمع إليهم، والذين يبنون المساجد على القبور ويوقدون عليها القناديل والسرج، والمطففون في استيفاء ما لهم إذا أخذوه وهضم ما عليهم إذا بذلوه، والجبارون والمتكبرون والمراءون والهمازون واللمازون والطاعنون للمحصنات من النساء. وعذاب القبر للذين يأتون الكهنة والمنجمين والعرافين فيسألونهم ويصدقونهم، وأعوان الظلمة الذين قد باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم الكثير. وبالمجمل فإنهم يعذبون في القبر على جهلهم بالله وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه، فلا يُعذب الله روحًا عرفته وأحبته وامتثلت أمره واجتنبت نهيه، ولا بدنًا كانت فيه أبدا، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثرُ غضبِ الله وسخطه على عبده، فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات على ذلك كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه كما قال الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله في جامع الفقه.

والله اعلم بالصواب

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close