لغتنا العربية وبعدها عن لغة الحب

* د. رضا العطار

مما يجهله الكثير منا ان لبعض الكلمات اثرا في الصحة النفسية، مثل كلمات المرؤءة والشرف والحب والحرية والانسانية والشهامة والشجاعة وامثالها التي تعين لنا اهدافا واتجاهات سامية، في حين ان لكلمات البغض والحسد والشماتة والانتقام والدم، صدى للشر. كما يحدث ميكروب السل تلفا في صدر الانسان.

وفي اقطارنا العربية ما زلنا نستعمل كلمات لها اسوأ الاثر في العلاقات الجنسية وفي مكانة المرأة في المجتمع. فان المرأة حين تبلغ التاسعة والاربعين نقول انها بلغت ـ

سن اليأس ـ وهذه كلمة بشعة جديرة بان تزعزع الكيان النفسي في المراة وخاصة اذا كانت لها ضرة تصغرها عمرا او كانت تخشى الطلاق او كانت تعاني حديث الحماة المنافرة، اننا نقول للشاب حين نجد منه خوفا او احجاما : لا تيأس ! . فكيف نقولها للمرأة: أيأسي : اي، موتي! — ولو اننا اسمينا هذه السن سن الحكمة او سن النضج لكان لهذا التعبير قيمته الكبرى في السكينة النفسية والكرامة الشخصية عند المرأة.

و نرتكب كذلك جريمة لغوية اخرى عندما نسمي الاعضاء التناسلية في الرجل او المرأة باسماء الاستهتار والاحتقار، لاننا بذلك نلصق بها خسة و رذيلة وكأننا نجعل مقاطعتها بالنسك والرهبنة فضيلة. هذا على الرغم من ان هذه الاعضاء هي الوسيلة الوحيدة للخلود البشري وبدونها يكون الانقراض للنوع البشري حتميا.

ان الاوربي يجد في لغته كلمات سامية تعبر عن الحب ويقرأ قصصا عالمية يفهم منها ان الحب رقة ووفاء وحنان، وان الاعضاء التناسلية من اشرف ما تحتويه اجسامنا. كما انه يحترم المرأة ويعدها مساوية للرجل وهو لهذا السبب عندما يفكر في الحب والزواج يجد من هذه الكلمات ومن هذه القصص ومن مركز المرأة اسلوبا يتخذه في الحب واخلاقا يتخلق بها في الزواج. بينما نحن، نقترب من هذه الموضوعات وكأننا داعرين حشاشين.

ولهذا السبب يظهر التصادم احيانا ! وقصة الشاب الذي كان يعيش في عالمنا العربي ورأى والديه صدفة، وهما في وضع المضاجعة، كان هذا المشهد له كافيا ان يقع في جنون الشيزوفرينيا، ذلك انه نشأ في جو ديني متزمت يعتبر الأمومة طاهرة مقدسة، وينظر الى الاتصال الجنسي نظرة دنس و نجاسة ! فكيف يستطيع ان يوفق بين الأثنين فطار عقله الى غير رجعة.

ولو اننا كنا قد علمنا هذا الشاب الكلمات المهذبة عن الحب والزواج، ولو انه كان يختلط بالجنس الاخر في ضوء الصراحة و المعاشرة المهذبة، ضمن اشراف الوالدين، لما استغرب المنظر العاطفي الذي صدمه نفسيا وافقده عقله. اجل ان هذه الكلمات والعادات هي عينها التي تجمع تحت ظلالها، معظم الامم التي لا زالت تقدس حجاب المرأة.

وفي سياق هذا الحديث، يقول كاتب السطور : فوجئت عام 1983عندما سلمتني بنتي الصغرى الأنسة لينا، رسالة كانت ادارة مدرستها الابتدائية في لوس انجلس بكاليفورنيا قد ارسلتها، بغية أخذ رأي الوالدين بالأيجاب او النفي حول برنامج التربية الجنسية، فالمنهج الدراسي الأبتدائي كان يتضمن عرض فلم تعليمي لتلميذات الصف الخامس حول كيفية نشوء الجنين في رحم الأم عن طريق عملية الأنجاب التي يقوم بها الزوجان.

يجب ان نعلًم ابنائنا وبناتنا وظائف الاعضاء التناسلية. لئلاّ تبقى محاطة بستار من النكتة القذرة والندرة السمجة، والخسة البشعة، لان هذه الاعضاء هي اعضاء الخلود الانساني وهي ليست موضع سخرية وتندر. فهذه النظرة الاستهتارية التهكمية لها وللمرأة خاصة هي تراث القرون الماضية حين كان الرجل يشتري المرأة في سوق النخاسة للاستهتار الجنسي، فيلعب ويعبث بها ما يشاء.

اما الرجل الذي يمتاز باللسان المهذب والقلب النظيف والعقل النير، فلا يجد في هذه الاعضاء ما يثير الغرابة، فهو رجل امام امرأة، هو انسان ازاء انسان، كلاهما يحب الاخر، يحترم انسانيته ويعجب بجمال جسمه. يجب ان يتعلم شبابنا فن الحب، فن الحياة الزوجية التي تمتلئ بالرعاية والحنان والاحترام المتبادل.

لقد كانت تقاليدنا الموروثة تقضي بان العريس يفض بكارة عروسه في الليلة الاولى من الزواج باسلوب وحشي قد ارتخص فيه الحياء، واستعين فيه على اسكات العروس بنسوة رقيعات يغمرهن الاحساس بلذة التعذيب. وكانت هذه الليلة تبقى بعد ذلك رمزا لافتتاح الحياة الزوجية التعيسة، بالصراخ والدم راسخة في ذاكرة الزوجة. يجب ان نقلع عن عاداتنا القديمة البالية و نعوضها بأخرى منطقية متحضرة، اقرب الى الحب والعاطفة وانه لمن الضرر البليغ للنفس والجسم ان يعيش كل من الزوجين عشرات السنين في حال زوجية بعيدة عن اضواء العلاقة الحميمة تنيرها، ولا عن علائم السعادة تزينها.

ان الزواج كي يكون موفقا، يجب ان يكون حرا لا اجبار بل لا اغراء فيه ويجب ان تسبق الزواج مدة للاختبار حتى يترافق الخطيبان للتعارف. كما يجب ان يكون قائما على العقل وليس على العاطفة كما يجب ان نقاطع الكلمات البذيئة لانها تحملنا على سلوك بذيء يفسد قيمنا الاخلاقية، نستعمل الكلمات المهذبة كي نكون قادرين على ان نعامل زوجاتنا المعاملة المهذبة، فالمعاملة المهذبة والاحترام المتبادل هما الحجر الاساس لسعادة العائلة.

* مقتبس بتصرف من كتاب في الحياة والادب للموسوعي سلامة موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close