اقدم الحضارات العربية الاسلامية في التاريخ ! ح 2

(*) د. رضا العطار

اما اليعاقبة والاقباط والارمن والنساطرة فقد استطاعوا في اول عهد السيطرة الاسلامية ان يحافظوا على عدد اتباعهم وكنائسهم ووضعوا سلسلة من التشريعات القانونية والانصراف الى التأليف في الامور الرهبانية مع الحرص الشديد على السير مع الحركة العلمية التي نشطت انذاك ولا سيما في الطب والمنطق والفلسفة. وقد برز عندهم في هذه الحقبة العديد من العلماء واللاهوتيين والاطباء. وعلى الرغم من بعض الفروق اللاهوتية بين بعض الكنائس، فقد جمعهم العداء ضد الكنيسة اليونانية. وتأثرت الواحدة منها بالثانية. فقد اثّر اليعاقبة تأثيرا بالغا في الاقباط والارمن بينما تابع النساطرة جهودهم لنشر المسيحية في الاقطار الوسطى من آسيا.

وهذا الاستمرار نراه قائما في حياة البلاد الاقتصادية والاجتماعية. فقد وزعت الاراضي في الريف الى قسمين: الاملاك الخاصة والاملاك العامة ثم اضيفت اليها الاملاك التي فقد اصحابها ملكيتهم لها لفرارهم من البلاد عند الفتح او لوفاتهم في الحروب. فالقسم الاول من هذه الاراضي ترك لأصحابها شريطة ان يدفعوا عنها ضريبة عقارية هي الخراج التي كانوا يدفعونها من قبل الدولة البيزنطية او الفارسية، اما القسم الثاني من هذه الاراضي فقد اجّر الى مزارعين بقصد استثمارها وفقا لعقود خاصة، راى فيها بعض الفقهاء من اهل البلاد استمرارا لنظام الحكم الذي عرفه البيزنطيون وعملوا به طويلا مع ان الدولة الجديدة التي لم تكن قد الغت بعد الفروق الدقيقة، واعتبرتها املاكا تشبه في ملكيتها هذه الاملاك التي كان معمولا بها في الجزيرة العربية قبل الفتح العربي الذي كان اخف وقعا على الاهلين.

ان هرب ارباب الاراضي البيزنطيين من البلاد وحلول الملاكين العرب محلهم اقل دراية وخبرة منهم بنظام الملكية والاقطاع لم يجلب معه الحرية للفلاحين ، وكان محظورا على العرب مبدئيا ان يصادروا املاك سكان البلاد ، اما في الواقع فقد ساعد الشعور بالخلاص من المحتل المستعبد وفقدان الادارة والنظام الذي ساد البلاد في اول الفتح بعض قادة العرب وزعمائهم على اقتناء قرى وضياع ضمّوها الى ممتلكاتهم السابقة واعفيت من ضريبة الخراج فلم تستفد الدولة منها سوى استيفاء العشر فقط.

اما المؤسسات البلدية والخاصة في المدن فقد بقيت دونما تغيير يذكر بل بقيت تعمل كالمعتاد في ظل النظم التي سارت عليها الادارة الجديدة.

وهذا الاستمرار نفسه قد لازم الحياة الفكرية. فحضارة سكان البلاد الاصليين وحضارة العرب كانت تسير كل منها في خط معاكس الا ما اتصل بمجال الفن. فالادب عند العرب في القرن السابع يسيطر عليه الشعر وفقا لعمود الشعر العربي في العصر الجاهلي بعد ان اخذ ينعم برعاية الامراء والخلفاء، الذين كانوا يدعمون رجاله. فقد تلقح الشعر بموضوعات جديدة لم تكن مطروقة من قبل، كمدح الامراء استدرارا لعطاءاتهم او كتصوير حياتهم وغير ذلك من الموضوعات التي تصف لنا حياة الدعة التي اخذ العرب باسبابها.

اما الادب القومي فمجال الكلام فيه اقل حتى اخذت تطالعنا بوادر حركة علمية تمثلت في حركة الترجمة ونقل العلوم الداخلية كعلوم السريان واليونان والفرس والهند الى العربية على يد المسيحيين. وهكذا فحضارة هلال الخصيب في القرنين السابع والثامن تتمثل خير تمثيل في الامبراطورية العربية بينما لا نرى في هذه الحقبة شيئا عند الروم يستحق الذكر.

وقد اشتركت الحضارتان معا في ما نرى من انتاج فنّي يعهد به العرب الى المهندسين المعماريين من ابناء الهلال الخصيب ويستخدمون له مواد هي في معظمها من مخلفات العهود الماضية. فاذا ما اقتضت فروض العبادة ومناسك الدين في الاسلام ان يتميز بناء المسجد بالاصالة والاتساع من حيث مقاييسه ونقوشه وزينته من الداخل وتحليته تبقى مستوحاة من الطراز الوطني المعمول به في البلاد . وهذا الاستمرار في الوسائل التقنية والمضي في استلهام الموضوعات والنماذج الاهلية المحلية يبرز اكثر فاكثر في المباني المدنية. ومن اشهر هذه الاثار الهندسية الباقية الى يومنا هذا مسجد عمرو بن العاص في القاهرة ومسجد قبة الصخرة والمسجد الاقصى في القدس وكلاهما من انجازات الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان ويرجع تاريخ بنائها الى اواخر القرن السابع للميلاد

وبعد ذلك المسجد الكبير في دمشق المعروف بالجامع الاموي الذي كان اساسا كنيسة باسم القديس يوحنا المعمدان. ولا يقل عن هذه المساجد شهرة مسجد القيروان في تونس الذي لم يبق منه شئ يذكر.

اخذ الوضع الناجم من الفتح العربي الاسلامي يتغير تدريجيا تحت عوامل جديدة منها في الدرجة الاولى اقبال بعض الاهلين على اعتناق الاسلام وهي حركة تثير الدهشة اذ يقوم بها اصحاب اديان اوفر غنى ماديا وحضاريا واوفر عددا . الا ان هذه الحركة لم تات سواء في كل مكان اذ بقيت الغالبية العظمى من المسيحيين متراصة العدد كما هي الحال مثلا مع الطوائف السريانية . وقد كان المسيحييون على الاجمال اكثر تمسكا بعقيدتهم ودينهم من الزرادشتية مثلا وهي ظاهرة يمكن ردّها بالاحرى الى اسباب عديدة منها:

1 – القوة الادبية التي كانت للمسيحية في كثير من الاقطار الاخرى.

2 – تغلغل المسيحية بين الطبقات الشعبية في المجتمع القائم اذ ذاك.

3 – ان العرب خلافا لما سار عليه الفاتحون من قبل، اخذوا يدعون سكان البلاد بطريقة او باخرى الى اعتناق دينهم بينما اعتاد الفاتحون فيما مضى ان يقبلوا على اقتباس ديانة البلاد التي فتحوها وهي في مستوى ثقافي ارفع.

فقد كانت هذه وتلك الديانات من المستوى الذهني نفسه للمؤمن المتوسط اذ من العسير على المؤمن العادي ان يدرك او ان يفهم كما يجب او ان يميز بين مفارقات رجال اللاهوت. فبعد ان قلّ بعض المسيحيين وسئمت نفوسهم عن المنافشات التي ادت اليه الانشقاقات الدينية والمذهبية. فقد راى البعض في العقيدة الجديدة التي تمثلت في الدين الاسلامي ما ينسجم ومعتقداتهم.

* مقتبس من كتاب الحضارة السريانية حضارة عالمية لموسى مخول.

الى الحلقة التالية

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close