العراق.. محمد الحلبوسي وسباحة عكس التيار

فارس الخطاب

21 سبتمبر 2018

كاتب عراقي مقيم في لندن
اختير محافظ الأنبار السابق، محمد الحلبوسي، ليكون الرئيس المقبل لمجلس النواب في العراق، ولتبدأ معه مرحلة جديدة ربما ستكون أكثر إثارة للجدل أو حتى التعثر، ذاك أن كثيرين من أبناء الشعب العراقي، وحتى محافظة الأنبار التي كان محافظا لها، لا يحملون تصورا جيدا عن الرجل، سواء تعلق الأمر بأسلوب إدارته، أو بحجم نزاهته، ثم بعلاقاته المتملقة كثيرا للحشد الشعبي، على حساب تصوراتٍ معاكسةٍ يحملها كثيرون من أبناء محافظات الشمال العربي، وحتى الكردي، من العراق.
حقّق اختيار محمد الحلبوسي لرئاسة البرلمان العراقي مفاجأة، هي بالمطلق ليست سارّة، أو لنقل عنها إنها محبطة لتطلعات العراقيين الذين تصوّروا أن صعود كتلة مقتدى الصدر، وفق ما تعلنه هذه الكتلة وزعيمها الروحي، من شعارات وأهداف، قبل فوزها في الانتخابات العراقية أخيرا وبعده، ستكون كافيةً لإحداث بعض التغيير الإيجابي في أسلوب إدارة الحكم في العراق، وتقليص مساحة المحاصصة الطائفية والعرقية إلى أدنى حدودها، كما أن العراقيين، ومن داخل البيت والشارع العراقي، كانوا يتوقعون، وبرغبةٍ ربما ظاهرة، توافق مجلس النواب الجديد على قبول ترشّح وزير الدفاع السابق، النائب خالد العبيدي، لما يمتلكه من خبرة جيدة وشخصية متزنة ونزاهة أثبتتها لجان النزاهة في البرلمان وسواه، إضافة إلى قربه من نبض الشارع العرقي بكل مكوناته.
لماذا إذن اختير الحلبوسي؟ ولماذا امتدحت قيادات (سنيّة) في مجلس النواب الجديد فوزه
“يعتبر الشارع العراقي أن إيران وضعت يدها الآن على إدارة الحكم في العراق”
برئاسة المجلس؟ حيث إن مؤشرات اختيار الرجل، وبحسب مصادر قريبة منه، تتحدث عن شبهات فسادٍ لتنحية منافسين له على رئاسة البرلمان جانبا، فيما تمت معالجة موضوع منافسة الشخصيات ذات الخبرة والممارسة والنزاهة، والتي لا يمكن تنحيتها بالمال، أو بإغراءات المنصب، عن طريق مساندة القوى والتكتلات ذات العلاقة الوطيدة مع إيران، كالفتح والقانون، وقوى أخرى لها مصالح كبرى في إرضاء الجانب الإيراني، بممثليه في المجلس، لضمان بقائهم وحصولهم على مكاسب في وزاراتٍ سيادية أو صفقات مالية، كما وجد الحزب الديمقراطي الكردستاني فرصته في مواكبة هذا التوجه، ليعيد نفسه إلى دائرة القرار، مع الحصول على ضمانات خاصة بإعادة إدارة إقليم كردستان إلى ما قبل الاستفتاء على الانفصال.
القيادات (السنيّة) داخل مجلس النواب العراقي، والتي رشّحت محمد الحلبوسي، ودعمت عملية التصويت لصالحه، وأبرزها القيادي في “المحور الوطني”، خميس الخنجر، والأمين العام لحزب الحل، محمد الكربولي، تُمثّل، في واقع الحال، التوصيف نفسه الذي يوصف به الحلبوسي، وهي أسماء وقوى مشكوك في توجهاتها وولائها، وإن بدا خطابها ذا ملامح وطنية، فالخنجر، مثلا، وجد في فوز الحلبوسي انتصارا للشباب، وقد قال إن فوز شاب عراقي برئاسة مجلس النواب تطور مهم، يعطي رسالة حازمة للسياسيين السابقين أن عليهم الرحيل وإفساح المجال للجيل الجديد… وهو لأمر غريب حقا أن يفكّر قيادي بارز في العملية السياسية الحالية في العراق بهذه الطريقة التي لن تخدم أوضاع العراق الحالية، والتي تحتاج الخبرة والقوة والقدرة على إحداث التغيير وصناعة الفارق التاريخي، من أجل الإصلاح والعودة إلى العالم المتمدّن الذي يبدو أن العراق قد غادره منذ عام 2003. ومع ذلك، فإن خبراء قانونيين ونوابا داخل البرلمان العراقي رأوا أن اختيار الحلبوسي لرئاسة المجلس باطل بحكم الدستور، استنادا إلى نص مادة تشترط في أعضاء مجلس الرئاسة ما يشترط في عضو مجلس النواب، على ان يكون أتم الأربعين عاماً، فيما عمر الحلبوسي 37 سنة. أما الكربولي فلم يجد ما يثني به على مواصفات الحلبوسي القيادية، فاكتفى بالتهنئة.
ما يمكن قوله، ومن دون تردّد ربما، أن رئاسة محمد الحلبوسي مجلس النواب العراقي تمثل
“رئاسة محمد الحلبوسي مجلس النواب العراقي تمثل توجها لنواب هذا المجلس، هو عكس توجّه الشارع العراقي”
توجّها لنواب هذا المجلس، هو عكس توجّه الشارع العراقي الذي أعتبر أن إيران وضعت يدها الآن بشكل كامل على إدارة الحكم في العراق، بشقيه التشريعي والتنفيذي، وأن الأزمات المقبلة في العراق، وكل المواجهات المحتملة مع السلطة من أبناء الشعب العراقي، المطالبين بتحسين الخدمات وظروفهم المعيشية ورفع المظالم وغيرها، ستكون أوسع وأشرس وأكثر وضوحا، ذاك أن من حمل الحلبوسي إلى منصّة رئاسة مجلس النواب هي أكفّ كتلتي الفتح والقانون، وبعض كتل سنيّة تكون حاضرة في بغداد، لكن قلوبها ومحرّكاتها في طهران.
لن يكون الوضع الحالي، على الرغم مما يمثّله من خطواتٍ دستوريةٍ متدرّجة من استكمال انتخاب رئاسة البرلمان، ثم رئاسة الجمهورية فرئاسة الوزراء، لن يكون كما كانت الفترات النيابية السابقة. وستشكل كتلة سائرون، وبعض الكتل الصغيرة الأخرى، سنيّة أو شيعية، محور معارضة قوية داخل قبة البرلمان، ما يعني استمرار تعطيل قوانين وتمرير أخرى، ما يعني مزيدا من المعاناة للشعب العراقي الذي لم يعد فيه مكان للألم أو صوت للصراخ. وكما غرّد النائب خالد العبيدي، على حسابه في “تويتر”، “‫لتفرح العائلة الفاسدة ببضاعتها التي اشترتها بـ 30 مليون دولار (كما يقال)، وليفرح الفاسدون الذين بدأوا يتبادلون التهانئ، وللعراق والعراقيين أقول: لكم الله فهو خير معين”.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close