العراق دولة المنظمة السرية

رحمن خضير عباس

حينما تتصحف كتاب (العراق .. دولة المنظمة السرية) للكاتب حسن العلوي ، الذي قرأته قبل ربع قرن. فأنت تشعر وكأنك تقرأه لأول مرة ، وذلك لأن سيولا من الأحداث والتصورات والمنعطفات قد مرت ، ولأن الكثير من الألغاز والأحاجي وادعاءات الوطنية قد تعرت وتصدعت أمام تيار الزمن الجارف .

وحسن العلوي ، كاتب وسياسي وصحفي عراقي. كان ينتمي إلى حزب البعث ويرأس تحرير مجلة ألف باء ، وهي أحدى ألْسِنَة حزب البعث الذي هيمن على السلطة ، منذ نهاية الستينات.

كما كان المؤلف مقربا من البكر وصدَّام – كما يقول – بحكم ولائه ومقدرته الصحفية ، لذلك فإن سرده للأحداث ،يأتي من داخل البيت البعثي وبيت النظام وليس من المعارضة.

ومن هنا تكمن أهمية الكتاب زمن صدوره عام ١٩٩٠ . وذلك لأنّه في ذلك الوقت يعتبر من الكتب القليلة التي تصدت لحزب البعث ولشخصية صدام مباشرة.

فقد كشف لنا الكثير من الحقائق الخفية ، في كيفية أسلوب الحكم ، والصراع الدموي على السلطة ، منذ انقلاب البعثيين على عبد الرحمن عارف عام ١٩٦٨ حتى تنحية البكر الذي أجبر على التخلي عن السلطة لصالح صدام عام ١٩٧٩. وما رافق ذلك من مجزرة ( قاعة الخلد) التي تحولت إلى قاعة محكمة ارتجالية ، كان صدام فيها القاضي والمحقق والمحامي والجلاد. والذي حاكم رفاق حزبه أمام العالم – عبر شاشات التلفزيون- وإمر بإعدامهم بعد أن( اعترفوا!) قسرا بالمؤامرة التي كتب السوناريو وفبركها وأخرجها صدام نفسه.

واذا استثنينا النبذ التأريخية ، التي تحدثت عن العهد الملكي ونوري سعيد ، والانقلابات العشرة التي حدثت في العراق. والحديث عن شخصية ميشيل عفلق ، وعلاقته بحزب البعث العراقي ، وصراع أجنحة الحزب من يسارييه ويمينييه ، وعن طبيعة الصراع الحاد الى درجة كسر العظم بينهم . وعن علاقة البعثيين بمنظمة التحرير الفلسطينية. وفكرة التآمر على بعض القيادات ، ومنها الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ، الذي حاولوا اغتياله بحادث ، ولكنه نجا بأعجوبة ، فإنّ الكتاب يتناول شخصية صدّام منذ طفولته حتى غزوه للكويت ، وكأن الكاتب قد اختزل المنظمة السرية في شخص صدام .

والكتاب يتحدث عن البدايات الاولى لحزب البعث على يد المؤسسين الأوائل ، ومنهم فؤاد الركابي وتحسين معلة وشفيق الكمالي. وكيفية الانقلاب على عبد الكريم قاسم. والأدوار الاولى لحزب البعث ، ولا سيّما في هجومه المسلح على موكب الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم ، في بداية التغيير الثوري الذي أطاح بالحكم الملكي . وكيفية ظهور اسم (صدام التكريتي) لأول مرة ، حينما شارك بشكل ثانوي في تلك المحاولة ، وهروبه إلى القاهرة بعد أن ورد اسمه. وكيف أنه جيّر المحاولة باسمه وبطولته في محاولة منه لمحو الحقيقة. ومحاكمة المهداوي التي ساهمت -دون أن تدري- بالدعاية لحزب البعث ، وذلك من خلال المحاكمات العلنية ، التي ظهر بها البعثيون لأول مرّة ، وهم يروّجون لحزبهم ، ويفخرون بمحاولتهم اغتيال عبد الكريم قاسم.

ورغم أنّ الكتاب يتحدث عن حكم حزب البعث في مرحلتيه. ولكنه يكرس جهده عن صدّام ، كمهندس للمنظمة السرية ( منظمة حنين) التي اعتمدت على قتل أعدائها ، ومن يخرج عليها أو يتراجع عنها ، أو من يمتلك بعض أسرارها.

وقد تطورت هذه المنظمة ، حتى حكمت العراق من أقصاه إلى أقصاه ، برئاسته ووزاراته وبجنرالاته العسكرية وبأمنه وشرطته. حتى أصبح المسدس الكاتم للصوت الذي تمتلكه تلك المنظمة ، أقوى من الدبابات والطائرات ، التي يمتلكها الجنرالات العراقيون أمثال حردان التكريتي وعماش وغيرهم ، والذين اغتيلوا من قبل المنظمة السرية ، بشكل يشبه صراع المافيات ، دون العثور على الجناة الحقيقيين.

لقد تحدث حسن العلوي عن فكرة التآمر ونكث العهود، التي اتخذها صدام حسين أسلوبا واستراتيجية في التعامل مع الاصدقاء والأعداء ، وهو خلف الكواليس ، منذ بداية انقلاب ١٩٦٨ . وكيف تم التأمر بعد أقل من أسبوعين على عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود ، اللذين تآمرا أيضا على من وثق بهما ، وهو الرئيس المسالم عبد الرحمن عارف.

يتناول حسن العلوي في كتابه ايضا ، مسألة التحالفات بين دولة المنظمة وبين القوى والافراد. ومنها التحالف مع النايف والداود وكيف أطاح بهما بعد أسبوعين فقط . ثم التحالف مع الكرد والذي انتهى بمحاولة إغتيال زعيمهم محمود البرزاني. وقد شرح العلوي الطريقة بالتفصيل عن طريق إرسال وفد ديني للقاء البرزاني. وإلباسهم ملابس ملّغمة. تنتهي بمجزرة ينجو منها البرزاني الأب بإعجوبة. والتحالف مع الحزب الشيوعي العراقي في إطار الجبهة الوطنية. وكان يهدف إلى القضاء على الشيوعيين بعد كشف تنظيماتهم . ثم التحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية ، والتي تورطت في قتالها مع الملك حسين. وبقي النظام العراقي الذي ورطها مكتوف اليدين وهو يتفرج على القتال بين الأردنيين والفلسطينيين. ومن ثم تخلىيه عن الفلسطينيين في محنتهم . وتراجعه عن اتفاق الوحدة مع سوريا التي وقع عليها البلدان ، وإتهام سوريا بالتآمر على العراق . وأخيرا تمزيقه معاهدة الجزائر التي وقّعها مع شاه ايران .

ثم بعد ذلك ، تناول المؤلف في كتابه سبل التخلص الممنهج من المتنفذين والمسؤولين الكبار ، عن طريق الحوادث والاغتيالات لجنرالات الجيش أو تجريدهم من مناصبهم. ولم يسلم من ذلك حتى أبناء أحمد حسن البكر – رفيق صدام وصديقه وقائده – فقد تم تصفية ابنه محمد وعائلته بواسطة شاحنة . ثم يتناول الكتاب تصفية القادة المؤسسين ورفاق صدام ، ويتناولهم واحدا بعد آخر ، والطريقة التي تمت تصفيتهم بها.

كما يضرب الأمثال عن بشاعة التعذيب في قصر النهاية ، ومديرية الامن العامة وبقية مراكز الامن في المدن الاخرى.

كما يتعرض لقضية ناظم گزار – وهو رجل أمن مجرم ومتعطش للدماء – منحه صدام رتبة لواء ليَفْتِك بالشيوعيين. ولكن في النهاية حاول الانقلاب على نظام البكر/ صدام . ولكن المحاولة فشلت ، وكيف تمت تصفيته ، وكل منظومة الامن العامة. وقد اتخذ المحاولة للتخلص من رفيقه

ويرى حسن العلوي بان ناظم گزار كان من أكبر الجلادين وأكثرهم اجراما ورعبا. حيث كان يتلذذ بتعذيب ضحاياه.

وقد استثمر صدام هذه المحاولة الانقلابية ، ليقوم بتصفية أحد كوادر الحزب وأكثرهم تفهما لعقلنة السلوك الاجرامي للحزب ، وهو عبد الخالق السامرائي الذي أعدم في محاولة لا علاقة له بها.

ويتعرض الكتاب بالتفصيل ليتحدث عن طريقة قتل وتعذيب رفاق صدام وأعضاء من حزب البعث بطريقة انتقامية بشعة. ومنهم محمد عايش الذي سلمت جثته الى ذويه بأعضاء متآكلة ولسان مقطوع ؛ لأنه ردّ على صدام الذي عيٌره بأن الحزب حوٌله من ( شيٌال للدرج) إلى وزير ، فرد محمد عايش على صدام : ” بأنّ الحزب نفسه أتى به من قرية العوجة الى القصر الجمهوري”

ومن تلك اللحظة ، لجأ جلادو صدام الى تكميم فم ضحاياه وترك عيونهم مفتوحة ، في لحظة إعدامهم. وقد تحدث الكتاب ايضا عن طريقة قتل عدنان الحمداني ، الذي كان من أقرب الناس الى صدام ، كما تناول طريقة مقتل رفيقه شفيق الكمالي ، الذي لم تشفع له قصيدته التي مدح فيها صدام حتى جعله في مصاف أولياء الأمة.

يحلل حسن العلوي شخصية صدام ، من خلال شقاء طفولته وقسوة الواقع المحيط به. حتى أصبحت عصاه التي كان يهش بها الكلاب في ليل قرية العوجة ، قد رافقته إلى الأبد ، فهو لا يثق بمن يحيط به. وقد كرّس كل جهوده للنيل من الجميع. حتى الذين يتقربون له ويمدحونه ويصفقون له. وهذا مايسميه بالأمن الوقائي .

فصدام يقول أنه ” يعرف المتآمرين من نظرات عيونهم ” ولم يكتف بعقوبتهم وإنّما يجري التنكيل بعوائلهم وأقاربهم .

وقد سرت رغبته التدميرية ، من الأفراد إلى الدول المجاورة ومنها الكويت ، التي ساعدته في حربه على إيران . فقد غزا الكويت وقام بتدميرها ونهب مؤسساتها وبنوكها وآبار نفطها.

كما تناول الكتاب استهانة صدّام بالمؤسسة العسكرية العراقية ، فقد عيّن الكثير من المدنيين ومنحهم الرتب العالية في الجيش.

كما جعل الكثير من أتباعه ، جنرالات وضباطا كبارا ووزراء. وبذلك فهو الذي جرّد الجيش العراقي من مهنيته ، وجعله جيشا بعثيا. وجعل الولاء للحزب اولا قبل الولاء للوطن .

كما أساء إلى السلك الدبلوماسي العراقي في الخارج . فأصبح دور السفارات العراقية في الخارج ، ليس تمثيل البلد ومصالحه ، وانما مطاردة المعارضين. كما جعل أعضاء السفارة يكتبون التقارير على بعضهم البعض. فسائق السفير مثلا هو رجل استخبارات ، مهمته كتابة التقارير على السفير والقنصل. وجعل السفراء يكتبون على بعضهم ، وكذلك بقية الموظفين.

ويبدو أنّ هذا الهوس الأمني الذي نشأ في داخل مفاصل الدولة ومؤسساتها ، وداخل بيوت العائلة ، حتى ان الكثير من الزوجات كتبن تقارير عن أزواجهن ، على أنهم معادون للنظام.

وقد انتقل هذا الرعب والهوس الأمني إلى الطلبة العراقيين في الخارج ، الذين تحوّلوا إلى كتبة تقارير على خصومهم السياسيين من الشيوعيين والديمقراطيين ، أو حتى الكتابة على رفاقهم وزملائهم .

في نهاية الكتاب ، يتناول السيد العلوي أبرز رجال المنظمة ، حسب وجهة نظره ، من خلال علاقاته الحزبية أو الاجتماعية بهم. ومن أبرز من ذكر أسماءهم أحمد حسن البكر وشفيق الكمالي وَعَبَد الخالق السامرائي وعدنان الحمداني ومحمد عايش.

ولكنه يحاول أن يحلل شخصية كلٍّ منهم ودوره في الحزب ونهايته المحتومة على يدٌ نظام صدام .

حالما تنتهي من قراءة هذا الكتاب ، حتى تتنفس الصعداء من هذا العنف والدم والقتل الذي رافق عملية الصعود إلى السلطة والتربع عليها. فليس هناك قيم أومثل أو أخلاق إنسانية.

ورغم مواطن الضعف في بعض جوانب الكتاب من حيث عدم إعتماده على الوثائق والأدلة. ولكنها يبقى محاولة كبيرة ومهمة في الكشف عن النظام السابق . كما أن الأستاذ حسن العلوي ، كان جريئا في طرحه ، وهو يعلم أكثر من غيره شراسة راس النظام إزاء من يقوم بكشف أسراره. ويد النظام الطويلة في الوصول إلى أعدائه. ولكن من زاوية أخرى فقد صدر هذا الكتاب في عام ١٩٩٠ ، حينما بدأت قبضة النظام تضعف وترتخي نتيجة للحصار. والذي أدى بدوره إلى هرب الكثيرين من كتبة الحزب ومثقفيه ورفاقه. أو ما يسمى ( وعّاظ السلاطين) والمطبلين للنظام من شعراء وكتاب وأدباء ومغنين وفنانين ، لذلك وجد العلوي الفرصة سانحة لان يقول مايجب قوله.

وقد كان صدى الكتاب كبيرا بين العراقيين من المهاجرين والمنفيين ،والذين بلغ عددهم بالملايين حين صدوره

ومن خلال سير الاحداث ، فقد وجد القارئ صحة آراء وتصورات العلوي ودقتها في بعض جوانب سرده للأحداث. ومبالغته وعدم دقته في جوانب أخرى ، فقد سقط في التعميم أحيانا ، كما ابتعد عن دقة البحث الموضوعي . كما أنك تشعر بأنه كتب بحروف عاطفية أكثر من كونها حروف البحث العلمي التأريخي.

ولكنه معذور في ذلك ، فقد أُبعِد عن كل مناصبه ، وكان مصيره الإعدام لولا هربه الى خارج العراق ، وذلك بجريرة القرابة إلى وزير التخطيط عدنان الحمداني ، الذي أعدم مع مايسمى بمؤامرة حافظ آسد.

والسؤال الذي يطرح نفسه ، هل يتمرد العلوي ويكشف أسرار المنظمة السرية. لو لم يُطرد منها ويصبح أحد أعدائها ؟

أعتقد أنه سيبقى وفيٌا للجلّاد مادام الاخير يوفر له العطايا والهبات.

كما أنني أعتقد بأن الأستاذ حسن العلوي هو جزء من المنظمة السرية التي كتب عنها ، لانه كان يدبّج المقالات متغنيّا بإنجازاتها.

ومن خلال الكتاب ، نستطيع أن نخرج بنتيجة مفادها :

بأن صدام وسياسته وخطّه المتهور قد قاد العراق إلى الهلاك. ولكن الذين جاءوا إلى الحكم بعد سقوطه ، قد أعادوا الاعتبار له. لانهم كانوا مجموعة جاهلة وسارقة ومزيّفة. ولكن الفرق بين صدام وبينهم. أنه بنى دولة منظمة سرية واحدة. بينما هم بنوا دويلات من الملل والنحل ، أشد فتكا من منظمة سلفهم.

كما أن الاستعجال في إعدام صدام ومحاكمته لقضايا غير محورية قد جعلته بطلا في عيون الكثيرين ولاسيما غير العراقيين.

لأن الطريقة كانت تنمّ عن نوع من التشفي والحقد. بحيث أن إعدامه في العيد يشكل خرقا للأعراف القضائية ، وكان بالامكان تأخير التنفيذ الى أيام أخر. اما حجتهم بانهم استعجلوا لانهم كان يخشون تهريبه من قبل الأمريكيين ، فهي حجة مضحكة ! لأن الإدارة الأمريكية كانت مصرّة على التخلص منه.

ولو حوكم على كل القضايا ومنها التصفيات الاولى للمجاميع السياسية من الضباط ، وتصفية الكثير من المناضلين في الحزب الشيوعي ، والمناضلين الديمقراطيين ، والقوى الوطنية . وجريمة غزو الكويت ، التي تسبب في انهيار الاقتصاد العراقي ، ووصول الدينار العراقي الى الحضيض. والمقابر الجماعية لآلاف الضحايا المجهولين. ومجزرة قاعة الخلد لرفاقه البعثيين.

لو حوكم صدام على هذه القضايا جميعا لاستطعنا – كعراقيين – أن نؤسس منهجا جديدا في التخلص من أحقاد الماضي ودفن الفرقة والتطلع نحو عراق آت خال من دكتاتورية ، تسوده العدالة وحقوق الإنسان والمساواة.

عراق جميع الاديان والمذاهب والقوميات والميول.

ولكن الحكام الجدد لم يكونوا في مستوى اللحظة التأريخية. لذلك حفروا فجوة طائفية وعرقية ودينية. وتسببوا في دمار العراق من جديد. بحيث أن شخصا كحسن العلوي قد كتب الكثير ضد النظام ، قد راجع نفسه قائلا في إحدى لقاءاته التلفزيونية :

لو ” علمتُ بما يفعلون بالعراق لما أصبحتُ معارضا لصدام “.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close