أساسيات علم تفسير القرآن مع الأمثلة

إيهاب المقبل
علم تفسير القرآن، وهو علم يختص بتوضيح آيات القرآن وبيان معناها، ويُعدّ من أنفع العلوم على الإطلاق، فهو يتعلق بكتاب الله عز وجل، ومن خلاله تُعرف معاني القرآن الكريم، ويساعد المُسلم/ المُسلمة على الإهتداء للعمل الصالح في الدنيا، ونيل رضي الله سبحانه وتعالى والفوز بجناته في الآخرة. وقد ذكرت آيات كثيرة في مواضع عديدة في القرآن الكريم تحث المسلمين على فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا، ومعرفة المطلوب منهم والعمل بمقتضاه، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ص: 29. وللقرآن الكريم مراجع في التفسير، يمكن ادراجها على الترتيب التالي:
اولًا: الله عز وجل، والقران الكريم كلامه سبحانه وتعالى، ولذلك فهو العليم الخبير، ومثال على ذلك قوله تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، يونس: 62. فمن هم اولياء الله في الآية الكريمة؟ هل هم الدجالون والمنافقون والمشعوذون والسحرة؟ بالتأكيد كلا، فقد فسرها الله عز وجل بقوله: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ*الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)، يونس: 62-63. وبالتالي فان اولياء الله هم المؤمنون المتقون، فمن هم المتقون؟ المتقون وصفهم الله عز وجل بقوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ*وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)، البقرة: 2-4.
ثانيًا: النبي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، والأحاديث النبوية هي كلامه وسنته عليه أفضل الصلاة والسلام، ومثل على ذلك قال تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)، الكوثر: 1. فهل الكوثر من الكثرة أي العدد الكثير من الأتباع مثلًا؟ بالتأكيد كلا، الكوثر هو نهر في الجنة فيه من الخير الكثير، فعن أنس رضي الله عنه، ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال في مجلسه عندما نزلت عليه سورة الكوثر: (أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي. فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك)، رواه مسلم وابو داود والنسائي.
ثالثًا: تفسير تلاميذ النبي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، وهم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ومثال على ذلك قوله تعالى: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا*فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا*فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا*فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا)، الذاريات: 1-4. وقد فسرها الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه على النحو التالي كما ذكرها الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: (الذاريات: الريح؛ الحاملات: السحاب؛ الجاريات: السفن؛ المقسمات: الملائكة). ومثال اخر، قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ)، البقرة: 198. وقد فسرها الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما بجواز التجارة في موسم الحج لانها كانت محظورة في أسواق الجاهلية كما ورد ذلك في تفاسير ابن كثير والطبري والقرطبي وابن عاشور رحمهم الله أجمعين. وينبغي الملاحظة ان الإمام ابن عاشور من تونس، وله تفسير بلغة عصرنا أجمع المحققون على صحته، وقد توفى رحمه الله في سنة 1393 هجرية/ 1973 إفرنجية.
رابعًا: تفسير تلاميذ تلاميذ النبي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، أي تلاميذ الصحابة رضي الله عنهم، وهم التابعون الذين لم يلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما صحبوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء التابعون إذا أجمعوا على الشىء فلا يرتاب فى كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على قول بعض، ولا على من بعدهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو اقوال الصحابة في ذلك. ومثال على ذلك، قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ)، البقرة: 243. فقد أجمع التابعون على ان المقصود بكلمة (أُلُوفٌ) عدد بالالاف قدروه باربعة آلاف، وليس المقصود قلوبهم متألفة.
خامسًا: تفسير باللغة العربية من الناحية الشرعية وليس اللغوية، ومثال على ذلك، قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، البقرة: 43. فكلمة الصلاة من الناحية اللغوية تعني الدعاء، ولكن المقصود فيها شرعًا العبادةُ المخصوصة المبنية حدود أَوقاتها في الشريعة. ومثال اخر قوله تعالى: (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، الكهف: 29. ينظر إلى الآية من الناحية اللغوية على ان الكفر حرية إختيار، ولكن المقصود فيها شرعًا التحذير والتهديد والوعيد لمن يختار الكفر، والدليل على ذلك إن الله عز وجل أعد للكافرين حائط من نار يطيف بهم كسرادق الفسطاط بقوله تعالى (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)، الكهف: 29. وينبغي الملاحظة ان المنافقين يتلاعبون اليوم على عامة المسلمين عِبر شاشات التلفاز وموجات الراديو إنطلاقا من التفسير اللغوي للقرآن الكريم وليس الشرعي.
ولابد للمفسر ان يتمتع بصفات أهمها تقوى الله عز وجل، وان لا يفسر الآيات الكريمة بحسب اهوائه، وإنما بحسب مراجع التفسير أعلاه. وعليه كذلك ان يفسر إنطلاقًا من معرفة سبب نزول الآية، فمثلًا قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا)، المائدة: 93، فليس المقصود فيها كل الأطعمة حلال، وإنما نزلت لتجيب على سؤال عرضه الصحابه رضي الله عنهم على الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن ماتَ وهو شارب للخمر قبل نزول آية تحريم الخمر. وينبغي للمفسر أيضًا ان يكون مُلم باللغة العربية، فمثلًا قوله تعالى: ( أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ)، التوبة: 3، فليس المقصود فيها ان الله عز وجل يعلن البراءة من المشركين والرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما الرسول هنا مبتدأ وخبره محذوف، أي ورسوله بريء من المشركين كما جاءَ في إعراب القرآن الكريم لقاسم دعاس. وزيادة على ذلك، ينبغي على المُفسر معرفة الناسخ والمنسوخ، والدليل قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)، البقرة: 106. ومثال على الآية المنسوخة: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ)، البقرة: 109، والآية الناسخة لها (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، التوبة: 5، فنسخ هذا عفوه عن المشركين. وأخيرًا، ينبغي على المُفسر معرفة المُحكم والمتشابه، ومثال على ذلك قوله تعالى: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ)، الحجر: 23، فهذا القول يشير إلى وجود أكثر من إله، ولكن نرده إلى المُحكم، والذي هو قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، الإخلاص: 1، فنفهم مُباشرة ان المقصود بنحن التعظيم وليس التعدد. ومثال اخر للمتشابهات فواتح السور مثل قوله تعالى: (كهيعص)، مريم: 1، فقد اختلف أهل التأويل بتأويلها ليومنا الحالي، وترد إلى الله عز وجل لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)، آل عمران: 7.
والله أعلم بالصواب
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close