أساسيات علم الحديث مع الأمثلة

إيهاب المقبل

علم الحديث، وهو علم يختص بدراسة ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات، ويدرس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها. وقد كانت العناية بهذا الأصل الشرعي كبيرة منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه الوسيلة التي يعرف بها الدين، فحفظ الصحابة رضي الله عنهم أجمعين حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وتناقلوه بينهم لقوة الذاكرة التي امتاز بها العرب، ورجعوا إليه لمعرفة الأحكام الشرعية وابتغاء الأجر في الآخرة، فكان جميع حديث النبي صلى الله عليه وسلم محفوظا عند مجموعهم، لكن لم يجمع واحد منهم هذا الحديث كله، وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم تحمل الصحابة تبليغ هذا الموروث الكبير إلى من بعدهم، وتوجهت جهودهم إلى تحقيق أمرين: (أولهما عدم ضياع شيء من هذا الحديث، والثاني حماية هذا الحديث من أن يدخل فيه ما ليس منه)، فنتج عن ذلك حراك علمي واسع تطور مع الأيام حتى أصبح علما له مصطلحاته، وأدواته، وله كتبه ومصنفاته، التي تحققت على يد علماء الحديث، جيلا بعد جيل في أطوار تميز بعضها عن الآخر.

ودراسة حديث النبي صلى الله عليه وسلم تتم من خلال السند أي رواة الحديث وسمي سند لأن كل راوي يُسنده إلى راو حتى ينتهي السند إلى الصحابي، ومن خلال المتن والذي يحتوي على لب الحديث النبوي وجوهره. وينقسم الحديث النبوي إلى قسمين: (مقبول ومنه نأخذ ديننا مثل الصحيح لذاته والصحيح لغيره والحسن لذاته والحسن لغيره، ومردود والذي لا نأخذ منه ديننا مثل الموضوع وكذلك الضعيف كالمنقطع والمرسل والشاذ والمنكر).

أولًا: حديث صحيح لذاته، وهو ما اتصل سنده (سلسلة الرواة) بنقل العدل الضابط (المتصف بالثقة والأمانة والصدق والحفظ الجيد) عن مثله من ابتداء السند إلى منتهاه من غير شذوذ أو علة. ومثال على ذلك، حدثني يحيى بن سليمان حدثني ابن وهب قال حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ)، رواه البخاري. ومن كتاب سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي رحمه الله نجد ان: (يحيى بن سليمان، ولد سنة 130هـ وتوفى سنة 203هـ، وكانَ علامة حافظ ثقة. ابن وهب، ولد سنة 125هـ وتوفى سنة 197هـ، وكانَ شيخ الإسلام صدوق ثقة صالح الحديث. مالك، ولد سنة 93هـ وتوفى سنة 179هـ، وكانَ شيخ الإسلام وحجة الأمة وإمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك. نافع، وتوفى سنة 117هـ أو سنة 120هـ، وكانَ مالك أول طبقة من أصحاب نافع، ونافع هو أبو عبد الله القرشي الإمام المفتي الثبت عالم المدينة مولى ابن عمر وراويته. ابن عمر، وتوفى سنة 73هـ، وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو من صغار الصحابة، وكانَ إمام قدوة شيخ الإسلام). ولذلك اختصرها الإمام البخاري رحمه الله بالقول: (أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر).

ثانيًا: حديث حسن لذاته، وهو ما اتصل سنده بنقل العدل الذي خَف ضبطه عن مثله إلى مُنتهاه، من غير شذوذ ولا علة. ومثال على ذلك، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا ابن عياش عن شرحبيل بن مُسلم سمعت أبا امامة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ )، رواه ابو داود. وهذا الحديث حسن لذاته، لأن رجال إسناده ثقات، إلا شرحبيل بن مُسلم، فإنه حسن الحديث أي ثقة فيه ضعف، لذلك نزل الحديث عن مَرتبة الصحيح إلى الحسن.

ثالثًا: حديث حسن لغيره، وهو ما فقد شرطا من شروط الحسن لذاته على ان لايكون سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه أو وهاءه، ويطلق عليه اسم الحسن لغيره لأن الحسن جاء إليه من أمر خارجي مثل تعدد طرق روايته. ومثال على ذلك، حدثنا قُتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ عَلَى نَاقَتِهِ وَ أَنَا تَحْتَ جِرَانِهَا وَ هِيَ تَقْصَعُ بِجِرَّتِهَا، وَ إِنَّ لُعَابَهَا يَسِيلُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عز و جل أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ… الحديث)، رواه الترمذي. وهذا الحديث حسن لغيره فيما رواه ابو داود في الحديث الحسن لذاته، لأن رجال إسنادة ثقات، إلا شهر بن حوسب (صدوق كثير الإرسال والأوهام) وعبد الرحمن بن غنم (مختلف في صحبته).

رابعًا: حديث صحيح لغيره، يكون ذلك إذا روى الحديث الحسن لذاته من طريق آخر مثله، أو أقوى منه، سُمي صحيحًا لغيره؛ لأن الصحةَ لَم تأتِ من ذات السند، وإنما جاءت من انضمام غيره إليه، وهو أعلى مرتبةً من الحسن لذاته، ودون الصحيح لذاته. ومثال على ذلك، حدثنا أبو كريب حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)، رواه الترمذي. هذا الحديث حسن لذاته، لان رجال إسنادة ثقات إلا محمد بن عمرو، فإنه كانَ من المشهورين بالصدق والصيانة ولكنه ضُعِف من جهة سوء حفظه، ولما رُوِي الحديث من أوجه صحيحة أخرى، زالت بذلك الخشية من جهة سوء حفظه، فاصبح الحديث صحيح لغيره: حدثنا قتيبة بن سعيد وعمرو الناقد وزهير بن حرب قالوا حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على المؤمنين وفي حديث زهير على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، رواه مسلم والحديث صحيح لذاته. وحدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة)، رواه البخاري والحديث صحيح لذاته.

خامسًا: حديث موضوع، وهو ما ينسب إلى الرسول صلى الله عله وسلم كذبًا، وليس له صلة حقيقية بالنبى صلى الله عليه وسلم، وليس هو بحديث لكنهم سموه حديثا بالنظر إلى زعم الراوي مثل حديث (أحبوا العرب لثلاث لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي)، وحديث (لو كان الأرز رجلا لكان حليمًا، ما أكله جائع إلا أشبعه)، ومن أشهر اسماء الوضاعين إسحاق بن نجيح الملطي ومأمون بن أحمد الهروي ومحمد بن السائب الكلبي والمغيرة بن سعيد الكوفي ومقاتل بن سليمان والواقدي بن أبي يحيى‏.

سادسًا: حديث منقطع، وهو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه. ومثال على ذلك، ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيع، عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعا: (إن وليتموها أبا بكر فقويٌّ أمين)، رواه الحاكم وأحمد والبزار والطبراني. والإنقطاع الحاصل بين الثوري وأبي إسحاق، وحكمه: ضعيف باتفاق العلماء، وذلك للجهل بحال الراوي المحذوف بين الثوري وابي إسحاق.

سابعًا: حديث مرسل، وهو ما يرويه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر الصحابي في سنده. ومثال على ذلك، ما رواه محمد بن رافع، عن حجين، عن الليث، عن عقيل، عن إبن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن رسول صلى الله عليه وسلم: (نهي بيع عن المزامنة)، رواه مسلم. فسعيد بن المسيب تابعي كبير، روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يذكر اسم الصحابي بينه وبين النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، فقد أسقط من إسناد هذا الحديث آخره.

ثامنًا: حديث شاذ، وهو أن يروي الراوي حديثًا، ويكون هذا الراوي ثقة، ولكنه يخالف رواية من هو أحفظ منه أو يخالف رواة أكثر منه عددًا في ألفاظ الحديث أو سنده، فصار الحديث شاذًا. ويكون الحديث الشاذ منكرًا اذا كان الراوي ضعيف، ويخالف رواية من هو أحفظ منه أو يخالف رواة أكثر منه عددًا في ألفاظ الحديث أو سنده، فصار الحديث منكرًا. ومثال على الحديث المنكر، ما رواه حُبيب ابن حَبيب أخو حمزة بن حبيب عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج وصام وقرى الضيف دخل الجنة)، رواه ابن أبي حاتم. قال أبو حاتم هو منكر، لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفًا وهو المعروف، وحبيب وهو غير ثقة رفع الحديث فتخالفا، ولما كان المخالف غير ثقة صار حديثه هو المنكر، وحديث الثقات هو المعروف. وحكمه: أنه ضعيف مردود، وإنما يحتج بما يقابله وهو المعروف.

والله أعلم بالصواب

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close