الديالكتيك هو القانون الذي وفقا له يسير التاريخ وتتوالى الاحداث

د. ماجد احمد الزاملي

يقوم المنهج الدياليكتيكي على أساس الحقيقة القائلة: ” أن كل الأشياء والظواهر والعمليات والحقائق الطبيعية والإنسانية والاقتصادية والسياسية في العالم هي دائما في حالات ترابط وتشابك وتداخل مستمر, وهي دائما في حالات تناقض وصراع وتفاعل داخلي قوي محرك ودافع وباعث على الحركة والتغير والتطور والارتقاء والتقدم من شكل إلى شكل, ومن حالة إلى حالة, ومن صورة إلى صورة جديدة أخرى… وهكذا. ونتيجة للتناقض والتضاد والصراع الداخلي بين عناصر الأشياء الداخلية, توجد الظواهر والحقائق. يعتبر منهج الديالكتيك منهجا قديما في فلسفته وأساسه وفرضياته, وحديثا في اكتمال وإتمام صياغته وبنائه, فلقد ظهرت نظرية الديالكتيك قديما عند الإغريق على يد الفيلسوف اليوناني هيرقليدس (530 / 470 ق م ) الذي صاغ أساس نظرية الديالكتيك عندما اكتشف وأعلن أن كل شيء يتحرك, كل شيء يتغير, كل شيء يجري. ودلل على قوله هذا بمثال من الطبيعة بقوله أنني عندما أدخل مرة ثانية للنهر وأضع قدمي في نفس الموضع الأول, سأتلمس ماء جديدا ومغايرا للماء الذي تلمسته في المرة السابقة, لأن التيار قد جرفه وأبعده إلى الأمام ولقد تطور الديالكتيك تطورا جديدا على يـد الفيلسوف ” هيجل ” الذي بلور وجسد هذه النظرية وصاغها صياغة علمية شاملة وكاملة واضحة وواعية, كمنهج علمي لدراسة وتحليل الأشياء والحقائق والظواهر, حيث أن هيجل هو الذي اكتشف أهم القوانين والقواعد الأساسية التي يتضمنها المنهج الديالكتيكي. وقد أكد هيجل حقيقة أن كل الأشياء والظواهر والعمليات هي في حالة تغير وحركة وتطور ارتقائي مستمر ومتدرج, وأن المنهج العلمي الصحيح لدراسة وتفسير الظواهر والأشياء هو الديالكتيك, الذي يعد قانون تفسير التطور. وقد استخدم هيجل منهج الديالكتيك في تفسير بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية, مثل ظاهرتي: الأمة والدولة. ويتسم منهج الديالكتيك عند هيجل بأنه ديالكتيك مثالي معنوي, لأنه استخدمه في مجال الفكر والمعرفة, فالتغير والتطور عند هيجل هو في الفكر والعقل والوعي, ومن ثم سميت نظرية الديالكتيك عند هيجل بـ ” النظرية الديالكتيكية المثالية “. واكتسب الدياليكتيك تطورا وتغيرا جديدا على يد الفيلسوف الألماني فيورباخ ( 1804 ـ 1872 ) الذي انتقد النزعة المثالية عند هيجل, ونادى بضرورة اتصاف الديالكتيك بالنزعة المادية حتى يصبح منهجا موضوعيا وواقعيا وعمليا, وحتى يكون أكثر واقعية ومنطقية في دراسة الأشياء والظواهر وتحليلها, لكنه ذهب في انتقاده إلى حد إنكار ورفض المنهج الديالكتيكي برمته. فقام الفيلسوف كارل ماركس ـ وهو من أنصار الديالكتيك الهيجلي ـ بإعادة صياغة النظرية صياغة مادية عملية على ضوء النقد الذي وجهه لها فيورباخ. أبقى ماركس على أسس النظرية الديالكتيكية, لكنه نزع عنها الصبغة المثالية البحتة, وأعاد صياغتها صياغة مادية وواقعية, وجعلها نظرية كاملة وشاملة وطبقها على كل الأشياء والحقائق والظواهر, وفي كافة المجالات والعلوم الطبيعية, الاجتماعية, الاقتصادية, السياسية, الإدارية . وأخذا كارل ماركس وانجلز من مادية فويرباخ “جوهرها” الداخلي وطوراه إلى نظرية المادية العلمية الفلسفية ونبذا “قشرتها” المثالية الدينية الاثنية. وقد أكد انجلز اكثر من مرة ان ” فويرباخ على الرغم من الاساس المادي، بقي مكبلا بالقيود المثالية التقليدية”، وان “المثالية الحقيقية لفويرباخ تظهر بوضوح حالما ناتي إلى فلسفته عن الدين والاثنية”. (كارل ماركس، مؤلفات، الطبعة الانجليزية، الجزء الاول ص 439 – 442). ويحتوي المنهج الديالكتيكي على العديد من القوانين والقواعد والمفاهيم العلمية المترابطة والمتكاملة في بناء هيكل الدياليكتيك كمنهج بحث علمي. ومن أهم قوانين المنهج الديالكتيكي: قانون التغير والتحول, والتغيرات الكمية إلى تغيرات نوعية في طبيعة الشيء أو الحقيقة أو الظاهرة, وقانون وحدة وصراع المتناقضات والأضداد, وقانون نفي النفي.
على العكس من المثالية التي تنكر امكانية معرفة العالم وقوانينه، والتي لا تعتقد بموثوقية معرفتنا، ولا تميز الحقيقة الموضوعية وتعتبر ان العالم سر مليء “باشياء بذاتها” لن يستطيع العلم معرفتها، تعتبر المادية الفلسفية الماركسية ان العالم وقوانينه قابلة للعلم كليا وان علمنا لقوانين الطبيعة، بعد اختباره بالتجربة والتطبيق، هو علم موثوق له صحة الحقيقة الموضوعية، وانه لا يوجد اي شيء في العالم لا يمكن معرفته، بل توجد فقط اشياء ما زالت غير معروفة، ولكنها سوف يكشف عنها وتجري معرفتها بمجهود العلم والتطبيق.
وفي معرض نقد مقولة كانت ومثاليين اخرين بان العالم لا يمكن معرفته وانه توجد “اشياء بذاتها” لا يمكن معرفتها، ودفاعه عن المقولة المادية الشائعة بان علمنا هو علم موثوق يقول انجلز “ان افضل دحض لهذا ولكافة الفلسفات المتعصبة الاخرى هو التطبيق، اي التجربة والصناعة. اذا استطعنا اثبات صحة فكرتنا عن عملية طبيعية بان نصنعها بانفسنا، ان نخرجها إلى الوجود خارج ظروفها واستعمالها لاغراضنا ضمن هذه العملية، فهذا يعني نهاية ُ الشيء بذاته ُ الكانتي. ان المواد الكيمياوية المنتجة في اجسام النباتات والحيوانات بقيت مثل هذه “الاشياء بذاتها” إلى ان بدأت الكيمياء العضوية بانتاجها الواحدة بعد الاخرى حيث اصبح “الشيء بذاته” شيئا لنا. كما على سبيل المثال ، الزارين، المادة الملونة في جذور الفوة الذي لم نعد نكلف انفسنا عناء زراعة جذور الفوة في الحقول بل ننتجه ارخص وابسط من قطران الفحم. بقي نظام كوبرنيك الشمسي مجرد نظرية لمدة ثلاثمائة سنة مع مائة أو الف أو عشرة الاف فرصة إلى واحد لصالحه، ولكنه مع ذلك بقي دائما كنظرية الا انه حين قام ليفريير، بواسطة المعلومات المتوفرة من هذا النظام، ليس بالتوصل إلى ضرورة وجود كوكب غير معروف بل كذلك تمكن من حساب الموقع في السماء الذي يجب بالضرورة ان يحتله هذا الكوكب، وحين وجد غال هذا الكوكب فعلا كان ذلك برهانا على نظام كوبرنيك.” (كارل ماركس، مختارات، الطبعة الانجليزية م 1 ص432 ) .
وفي مجال العلوم القانونية, قام المنهج الديالكتيكي بقسط كبير في اكتشاف وتفسير النظريات والقوانين العلمية, والتنبؤ بها. مثل تفسير أصل وغاية الدولة, نشأة وتطور القانون, وأصل وغاية القانون في المجتمع, فكرة السلطة وعلاقتها بالقانون والحرية, تفسير ظاهرة الثورة وعلاقتها بالقانون ومبدأ الشرعية القانونية, تفسير ظاهرة التغير الاجتماعي وأثرها على النظام القانوني في الدولة والمجتمع. كما يؤدي المنهج الجدلي دورا كبيرا في تفسير وتطبيق القانون في واقع الحياة, حيث يمكن للباحث والقاضي والمشرع في مجال العلوم القانونية والإدارية, أن يستخدم المنهج الجدلي في تفسير بعض النظريات والفرضيات القانونية والتنظيمية والخروج بالنتائج والحلول العلمية لبعض الإشكالات والمسائل القانونية. هذا فضلا عن القيمة الفكرية لهذا المنهج والمنبثقة من الفلسفة القائمة على الاختلاف والتضاد والتصارع بين الأفكار والحقائق والأشياء, والمؤدي في الأخير إلى ظهور الحقيقة . أن المنهج الجدلي بقوانينه وخصائصه الذاتية من أكثر مناهج البحث صلاحية وملائمة للدراسات العلمية الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية, فهو المنهج الوحيد القادر على الكشف والتفسير للعلاقات والروابط والتفاعلات الداخلية للظواهر الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية, وطبيعة القوى الدافعة لهذه الظواهر, وكيفية التحكم في توجيه وقيادة مسار تقدم هذه الظواهر, وكيفية التنبؤ بالنتائج والنهايات الجدية. هذا فضلا عن القيمة الفكرية لهذا المنهج والمنبثقة من الفلسفة القائمة على الاختلاف والتضاد والتصارع بين الأفكار والحقائق والأشياء, والمؤدي في الأخير إلى ظهور الحقيقة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close