الصاروخ البالستي والصاروخ الدولاري

فارس عبد الوهاب أمين

التغيير الاستراتيجي في الصراع الاميركي مع العديد من دول العالم باستخدام الورقة الاقتصادية بدل من الخيارات العسكرية دفع الكثير من القيادات السياسية في بلدان العالم الى تغيير خيارتها الدفاعية، والبحث عن مخرجات اقتصادية لمواجهة قوة الدولار التي باتت اخطر بكثير من الصواريخ البالستية التي اعتادت الولايات المتحدة استخدامها في الصراعات السابقة.
ان تغير الاستراتيجية الاميركية جاء نتيجة التحول السياسي في ادارة البيت الابيض منذ تولي رجل الاعمال والاقتصاد دونالد ترامب السلطة والذي يختلف كثيرا عن الرؤساء الاميركين السابقين في تعاطيه مع الصراعات الدولية باعتماده على قوة الاقتصاد والدولار في مواجهة خصومه بدلا من الصواريخ والحروب التي اعتمدها اغلب رؤساء الولايات المتحدة في العقود الماضية في مواجهاتهم الدولية.
وبالتأكيد هذا التحول هو نتيجة حتمية للتغيير في عقلية واستراتيجية القائد، ان العقلية التقليدية لكارتر وبوش الاب والابن وكلنتون وغيرهم ليست كعقلية ترامب الاقتصادية الدولارية.

فاليوم روسيا والصين وتركيا والمكسيك وايران وفنزويلا تواجه حرب اقتصادية اميركية شرسة انعكست بشكل كبير على وضعها الاقتصادي لاسيما ايران وتركيا وفنزويلا ، فتلك الدول تعرضت الى تدهور اقتصادها الوطني وانخفاض شديد بعملتها مقابل الدولار والعملات الرئيسية الاخرى ومازالت العقوبات مستمرة، فكيف تستطيع هذه البلدان ان تواجه هذا التطور الاستراتيجي في ظل غياب رؤيتها الاقتصادية في السنوات الماضية؟ وهل تستطيع القيادة السياسية ان تتعاطى مع حرب اقتصادية يقودها شخصيات يمتلكون من الدهاء الاقتصادي ما يمكنهم من تحقيق اهدافهم باقل الخسائر؟ وهل ادركت تلك القيادات انها تأخرت كثيرا في منح العقول والخبرات الاقتصادية دورا في المشهد السياسي من اجل بناء استراتيجيات اقتصادية قادرة على المماطلة والمواجهة؟
في روسيا والصين فان الوضع يختلف تماما فضرر العقوبات الاقتصادية أقل تأثيرا بسبب وجود عقول اقتصادية على رأس هرم الدولة، فالصين تحولت من بلد اشتراكي مستهلك الى دولة تمتلك اقوى الاقتصاديات في العالم بعد ان وضعت ثقتها برجال الاعمال والعقول الاقتصادية لتحويل اقتصادها الى دولة تعتمد الاقتصاد المختلط، وكذلك الامر في روسيا التي باتت تمتلك قوة اقتصادية عظيمة وباتت ادارتها تمتلك خيارات المواجهة الاقتصادي في مختلف المستويات، ما يجعل هذين الدولتين صامدتين لغاية الان بوجه العقوبات الاقتصادية الاميركية، مما جعل هذه العقوبات رمزية اكثر من ما هي فعلية.

من المؤكد ان القيادة السياسية في اي بلد تحتاج الان الى الخبرات الاقتصادية لمواجهة اي تطورات دولية واقليمية وعدم ترك ذو الخبرة الاقتصادية واقفين بالخلف، ويجب منح رجال الاعمال والقطاع الخاص فرصة لتصدر المشهد من اجل النجاح في ادارة اي حرب اقتصادية مستقبلية.
اليوم العراق بحاجة الى الاستفادة من هذه التجارب واعطاء القيادات والخبرات الاقتصادية دورا في النهوض والتنمية، فبعد خمسة عشر عام من الكساد والفساد والتراجع الاقتصادي وغياب التخطيط والتنمية لابد من تقديم العقول الاقتصادية التي تمتلك خبرة واسعة في ادارة الاعمال والقطاع الخاص وسيرتها عامرة في تحقيق المشاريع التنموية ومنحها فرصة رسم وتنفيذ سياسة اقتصادية من اجل اعادة بناء الوطن بالشكل الصحيح وضمان حماية امنه القومي من اي تهديد اقتصادي بالمستقبل.
ففي لبنان وبعد توقيع اتفاقية السلام عام 1990 انيطت مهمة اعمار البلد وتنمية الاقتصاد الى رفيق الحريري رجل الاقتصاد والاعمال والناجح بامتياز في هذا المجال، واستطاع الحريري بما يمتلكه من خبرة وتجربة اقتصادية طويلة ان ينهض بعمليات البناء والاعمار بالاعتماد على القطاع الخاص وحقق في وقت قياسي معجزة عمرانية في عموم لبنان اشاد بها حتى خصومه السياسيين.
ان القيادة السياسية العراقية مدعوة اليوم لأستلهام والاستفادة من تجارب الماضي وتطورات المستقبل من اجل اعادة بناء المنظومة الاقتصادية الوطنية من خلال الاعتماد على الكفاءات والخبرات الاقتصادية وعزل عمليات النهوض عن التجاذبات السياسية، فاليوم بلدنا بأمس الحاجة الى عملية تنموية شاملة يكون فيها القطاع الخاص ورجال الاعمال ذوي الايادي البيضاء والمعروفين بوطنيتهم ومهنيتهم في مقدمة العمل ووضع حد نهائي للفوضى التي عانى منها الاقتصاد العراقي في السنوات الماضية.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close