قراءة في كتاب …عنوان الكتاب: أبو الأسود الدؤلي

تأليف الشيخ مدرك الحسون
مركز تراث البصرة| العتبة العباسية المقدسة
سلسلة أعلام بصرية| 3
سنة الطبع: 1436 هـ| 2015 م
هو الصحابي الجليل على التحقيق والتابعي على المشهور والبليغ الفصيح والفاضل الصالح والشاعر الأديب والناصح الأمين والمجاهد الصابر والثابت في محبة أمير المؤمنين (ع) والراغب بما وعده ربه من جزيل الثواب وحسن المآب والآمن يوم الحساب. قيل اسمه ظالم بن ظالم وقيل ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي.
وهو مشهور بكنيته ونسبه، ولم يكنّ باسم ولده، كما هو معتاد، ولم يُذكر السبب في ذلك. والدُّئِل بطن من كنانة، وهو اسم لدويبة صغيرة تشبه ابن عُرس. وقد اختلف المؤرخون في تاريخ مولده، فقيل كان عام الفتح وقيل أيام النبوة وقيل في الجاهلية. لكنهم اتفقوا أنه عاش 85 سنة. ثم عادوا فاختلفوا في عام وفاته. فقيل في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل عام 69 بالطاعون، وقيل عام 67. وقد رجح بعض الكتاب القول الثاني لكثرة القائلين به ولأن رواية ذلك كانت محكمة السند، ولاقترانها بحادثة تاريخية مهمة وهي رواية الطاعون الجارف. ولكل من هذه الروايات ما يثير النقاش حولها.
ويتفق المؤرخون حول إسلامه في حياة النبي (ص)، ولو أنهم لم يحددوا تاريخ ذلك. أما مذهبه فلا خلاف عليه، فقد صرح بتشيعه كل الذين ترجموا له من العامة والخاصة. فقد ذكره ابن سعد (في الطبقة الأولى من الفقهاء والمحدثين والتابعين من أهل البصرة) فقال عنه (كان شاعرا متشيعا). وقال أبو الفرج الأصفهاني (كان من وجوه شيعة علي). وقال الشريف الرضي(كان من أصحاب علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين عليهم السلام). وهنالك أقوال كثيرة للمؤرخين عنه.
بيد أن ثمة مواقف وأشعار كثيرة تعبر عن ولائه لأهل البيت(ع): منها خطبته في نعي الإمام علي (ع) ووقوفه بوجه من يشتم عليا(ع) ورأيه في قضية التحكيم وجوابه لزياد بن أبيه عندما سأله عن حبه للإمام (ع) ورفضه لهدايا معاوية وشعره في رثاء أمير المؤمنين وجفوة الولاة له لحبه للأمير(ع).
هذا ناهيك عن مواقفه الكثيرة التي تدل على انتمائه لفرقة الحق: إيمانه بعقيدة الوصية بالخلافة واعتباره الولاء لأهل البيت هو الدين الحق وكون علي(ع)هو أحب الناس إلى رسول الله(ص). ومن ذلك معاناته في سبيل عقيدته. فبينما كان ابن عباس عاملا للإمام على البصرة، كان يقضي حوائج أبي الأسود. وعندما خلفه ابن عامر، أبعده ومنعه حوائجه. وكان عبيد الله بن زياد يتغافل عنه.
أقوال العلماء فيه
كتب أبو الأسود كتابا إلى الإمام (ع)حول مخالفات والي البصرة عبد الله بن عباس. أجابه الإمام(ع): (أما بعد فمثلك نصح الإمام والأمة، وأدى الأمانة، ودل على الحق، وقد كتبتُ إلى صاحبك فيما كتبتَ إلي فيه من أمره،…..فإنك بذلك جدير، وهو حق واجب عليك، والسلام). ويكفيه فخرا أن يشهد له الإمام بأمانته ونصحه وإتّباعه للحق. وهنالك أقوال كثيرة بحقه على ألسنة المؤرخين، لا يتسع المجال لذكرها.
حياته العلمية:
كان لأبي الأسود ما يؤهله كي يجعل الإمام(ع) يوكل إليه بمهمة علمية عظيمة، كان لها كبير الأثر في إثراء المسيرة العلمية للمسلمين بالكثير من المعارف. فقد قال أبو الأسود أنه دخل مرة على الإمام فرآه مطرقا. فقال له: مالي أراك يا أمير المؤمنين مفكرا؟ فعرف من إجابة الإمام أنه سمع من بعض من معه لحنا، وأنه يهم أن يضع كتابا ليبقي العربية في الناس. ثم أن الإمام ألقى إليه بصحيفة ورد فيها: (الكلام كله: اسم وفعل وحرف، فالاسم ما دل على المسمى، والفعل ما دل على الحركة، والحرف ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل). قال فاستأذنته في أن أتوسع في ذلك وأعرضه عليه، (فألفت كلاما، وأتيته به، فزاد فيه ونقص، وكان هذا أصل النحو). ووضعه للنحو هو الرأي الذي عليه أكثر الناس، ولو أنهم يختلفون في زمان تدوين النحو. وثمة روايات متعددة بهذا الخصوص.
يضاف إلى ذلك أن أبا الأسود كان أول من نقّط المصحف الشريف، كما يشير إلى ذلك عدد من المؤرخين وعلماء اللغة.
ويذكر التاريخ أن أبا الأسود ترك تراثا فكريا قيّما في مختلف مناحي العلوم والمعرفة. فهو أول من ألف في علم النحو، كما أسلفنا. كما أنه أول من أعرب مصحفا. وكان ينقّط القرآن بلون يختلف عن لون الخط. هذا ناهيك عن أشعاره، فقد عده ابن البطريق (من فضلاء الفصحاء من الطبقة الأولى من شعراء الإسلام وشيعة أمير المؤمنين(ع)). وله أشعار كثيرة في حق أمير المؤمنين(ع) والأئمة الأطهار. كما رثى الإمام الحسين (ع)، فهو القائل:
أترجو أمة قتلت حسينا شفاعة جده يوم الحساب
كما أن له شعرا في حق الإمام علي بن الحسين(ع).
وينقل أصحاب التراجم أن أبا الأسود كان أول من حفظ القرآن الذي قرأه على أمير المؤمنين(ع). ثم قرأه حمران بن أعين على أبي الأسود، فهو قارئ ومقرئ. أما في حقل الرواية، فقد ذُكر أنه روى الكثير.
وفي مجال الفقه والكلام، فقد كان أبو الأسود من وجوه الفقهاء، و(كان له رأي ومذهب فقهي يُرجع إليه في كثير من أبواب الفقه). فقد روي له في أبواب كثيرة منها فقه الصلاة وفقه الإرث وغيرها. وفي مجال الكلام، فقد كان ممن تصدى للمذهب الزائف الذي كان يقول به جهم بن صفوان بنسبة كفر العبد ومعصيتة إلى الله جل شأنه.
أما حياته السياسية، فقد اتسمت بالنشاط والحيوية. فقد شغل المناصب الكبيرة وقام بدور المحاور لدرء الأخطار المحيطة بالإسلام، ومن ذلك قيامه بدور المفاوض في معركة الجمل بين الإمام(ع)من جهة وطلحة والزبير وعائشة من جهة أخرى. وقد طلب أبو الأسود من الإمام أن يبعثه بدل أبي موسى الأشعري (فإنه لا يحل عقدة إلا عقدت له أشد منها). وقد قبل ذلك الإمام، لكن القوم أصروا على الأشعري. وقد تولى أبو الأسود عدة مناصب إدارية في الحكومة الإسلامية: قاضيا وكاتبا وقائدا لشرطة البصرة في زمن الإمام(ع).
أما حياته الجهادية، فقد كان له دور بارز في حل كثير من الفتن التي حاقت بالمجتمع الإسلامي. فقد اشترك في الحروب الثلاثة في أيام الإمام(ع). كان في بداية حرب الجمل مفاوضا من أجل إخماد الفتنة. وكان له دور بطولي في ملاحقة خوارج البصرة. وكان يحشد أهل البصرة للحاق بجيش الإمام(ع). ثم تولى إمرة مجموعة من جيش البصرة.
وبخصوص موقفه من واقعة الطف، فقد نقل التاريخ أن عبيد الله بن زياد سد منافذ البصرة، فلا أحد يدخلها ولا أحد يخرج منها. وقد عمل كثير من الشخصيات الموالية لأهل البيت بالتقية آنذاك. وقيل أن أبا الأسود أصيب بالفالج في أواخر حياته.
أما حياته الاجتماعية، فقد حظي بمنصب اجتماعي كبير لما كان لديه من مؤهلات كثيرة. كان سيد قبيلته بني الديل وشيخهم وأبرز وجهائهم. وكان موسرا. وكانت له أسفار إلى بلاد فارس والشام والحجاز والكوفة.
وبعد مقتل الإمام، اعتزل العمل، وقيل عزله الأمويون. وبقي وفيا لآل البيت(ع). وكانت هذه الفترة من حياته حافلة بالنشاط الفكري والبحث في النحو والأدب والدين.
قراءة
أ د حميد حسون بجية

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close