اقدم الحضارات العربية الاسلامية في التاريخ ! ح 4

(*) د. رضا العطار

لقد قرر الخلفاء الامويون ان يتركوا احوال البلاد على ما هو عليه، ولا يمكن ان يعزى اليهم فضل القيام باي جهد للتعجيل بمجيء العصر الذهبي، فانصرف اكثرهم الى عادات وتقاليد واخلاق تلك البلاد التي يحكمونها، فأخذوا عاداتها وتقاليدها وتخلقوا باخلاق اهلها، فانصرفوا الى شرب الخمر التي حرّمها الدين الاسلامي والى الموسيقى التي كان يكرهها اتقياء المسلمين لأرتباطها الوثيق بالجواري اليونانيات والفارسيات والوثنيات، ولكنهم تركوا العلم والتعليم لغير المؤمنين الذين قاموا بتصريف شؤون الدولة محاسبين وكتابا وحفاظا لجميع السجلات. وكان لا بد ان تدون هذه السجلات والحسابات اول الامر بلغات البلاد المفتوحة من السريانية واليونانية والفارسية. لان ضرب النقود الاسلامية باللغة العربية في اعمال الدولة شيئا فشيئا لم يبدا الا بعد الهجرة باكثر من ستين عاما. فكان لا بد للشعوب المحكومة عندئذ من ان يتعلموا اللغة العربية اذا ارادوا ان يفعلوا شيئا مذكورا او يكون لهم شأن، وسرعان ما ادركوا مزية اعتناق الاسلام والتخلص بذلك من ضريبة الاعناق وشق الطريق الى التقدم.

حتى اذا جاء القرن الثاني للهجرة كانت الاغلبية العظمى من الذين اعلنوا اسلامهم ينتمون الى الاجناس المحكومة المحتقرة من سريان ومصريين وروم وبربر وغيرهم من الاعراق. وقد طالبوا بعد اعتناقهم الاسلام بالمساواة مع العرب المتعاليين عليهم. لان الاسلام لا يعرف التمييز بين الطبقات والاجناس. وقد ربطت اللغة العربية بين جميع هذه الشعوب. ولكنها بدلا من ان تعمل على توطيد سيادة الجنس العربي عملت على اقتلاع جذورها. وكان اليوم الذي آمنت فيه الشعوب المحكومة بالقرآن واتخذت لغته لغة لها فقد اصبح لسان الجميع عربيا وان قلّ منهم من كان عربي المولد.

فقد كان الفكر السرياني والفكر اليوناني معروفا جيدا في بلدان الهلال الخصيب ومصر، كما حمل الفرس معهم الى بلادهم كثيرا من ثقافة عدوهم وثقافة البلدان التي سيطروا عليها نتيجة للحروب من جهة والاختلاط المتبادل من جهة ثانية، وان ملوك الفرس احتضنوا العلماء والفلاسفة والمثقفين المسيحيين عندما ابعدوا عن بيزنطية واكرموا وفادتهم فاسسوا اكاديمية في مدينة جند يسابور حيث واصلوا الدراسات الفلسفية الاجنبية واضافوا اليها ما تعلمته فارس من الفلسفة الهندية والعلوم الطبية.

ولقد دلّ الجدل الديني المتصل الذي سبب الانقسام في الكنائس الشرقية على انه نعمة متخفية لانه كان يحمل الناس على دراسة الفلسفة لا سيما الاغريقية منها دراسة متواصلة وبخاصة ارسطو الذي اتخذ منطقه اساسا للجدل الديني. وكانت المادة التي يعتمد عليها الخصوم في الجدل في مدارس سوريا والاسكندرية هي معظم مؤلفات ارسطو التي ترجمت الى السريانية. وكانت هذه المؤلفات بما عليها من شروح مصطبغة في الغالب بتأويلات الافلاطونية الجديدة في مدرسة الاسكندرية، وقد احتفظ السريان في ترجماتهم بجوهر الاصل. ومن ثم كانت المادة اللازمة لاحياء الثقافة موجودة عندهم.

وقد عرف الفاتحون الجدد كيف ينفخون فيها روح الحياة الجديدة، ولم يكن من المستطاع ان يأتي الدافع الى ذلك من الخلفاء المحافظين العرب.

كانت الدولة الاموية عربية المظهر، ولم تبتعد عن هذا الطابع، الا في المجالات التي دفعتهم الظروف اليها دفعا. لقد كانوا بصدد ارساء اسس جديدة لدولة ناشئة على نهج لم يكن للعرب به عهدا من قبل. كان بودّهم ان يستكملوا لها كل مقوماتها ولم يكن بد اذن من ان تواجههم مشكلات نتيجة لما يمارسون من نشاط جديد، كل ذلك جعلهم يلجأون الى ذوي الخبرة فيما جد من امور. فهم لم يناقضوا انفسهم حين استمدوا العون من كل قادر عليه من اهل الثقافات اليونانية والسريانية ما اتاح للعقلية العربية ان تلقح بلقاح جديد حمله اليها السريان على وجه خاص.

ولقد توفرت في الدولة الاموية كثير من العوامل التي تساعد في قيام مراكز ثقافية تعني بالنشاط العقلي. وتمثلت هذه المراكز بصورة واضحة في كل من البصرة والكوفة اللتين اصبحتا مركزين نشيطين للحياة العملية ولم يكن في القرن السابع الميلادي مدينة تستطيع منافستها، ففيهما وضعت علوم العقائد والفقه من قبل الاجانب غير العرب. ثم نشأ في كلتا المدينتين مدرسة للنحويين واللغويين. وقد التقى في هاتين المدينتين العرب والفرس والمسيحيون ومسلمون ويهود ومجوس. و حيث ازدهرت هنا التجارة والصناعة يجب ان نلتمس بواكير العقل الدنيوي، تلك البواكير التي نشأت من مؤثرات سريانية مسيحية مصطبغة بالفلسفة اليونانية في إطارها الشرقي.

* مقتبس من كتاب الحضارة السريانية حضارة عالمية لموسى مخول.

الى الحلقة التالية

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close